أقر مجلس الأمة، الأسبوع الماضي، قانون المناقصات العامة كأول تعديل جذري لقانون رقم 37 لسنة 1964، وسط أجواء احتفالية من نواب المجلس والحكومة، باعتبار القانون إنجازاً طال انتطاره من سنوات.
ورغم الأجواء الاحتفالية الطاغية فإنه يمكن رصد مجموعة من الملاحظات الاقتصادية والفنية، فكما يقال «الشيطان يكمن في التفاصيل»، فإن تفاصيل القانون ومواده تشير إلى قدر كبير من الاستثناءات والقيود والانحراف عن الأهداف المعلنة، ناهيك عن النواقص الفنية الجذرية، مما يجعل القانون الجديد أقل بكثير من المأمول، خصوصاً إذا كان الهدف أن يكون القانون رافداً لضبط المصروفات وإجراء تعديلات اقتصادية تتعلق بالعمالة الوطنية وغيرهما.
مبالغة في الاستثناءات
أولى الملاحظات تكمن في المبالغة في الاستثناءات، خصوصاً فيما يتعلق باستثناء جانب مهم من عمليات القطاع النفطي من أحكام القانون الجديد، وهي عمليات الحفر والصيانة وعمليات نقل واستخراج وشراء وبيع النفط ومشتقاته والغاز ومنتجات البتروكيماويات، فإذا علمنا أن إجمالي قيمة المناقصات التي تمت ترسيتها عام 2015 بلغت 4.965 مليارات دينار كان نصيب القطاع النفطي منها 2.349 مليار دينار، أي ما يعادل 47.3 في المئة من إجمالي مناقصات الدولة، وإذا كانت العمليات المستثناة تشكل 40 في المئة من قيمة عمليات القطاع النفطي، أي 939 مليون دينار؛ فإن الاستثناء طال 19 في المئة من إجمالي المناقصات في عام واحد.
بالطبع، لم يقتصر الاستثناء على بعض عمليات القطاع النفطي، بل أيضا المؤسسات العسكرية (الجيش، والداخلية، والحرس الوطني) التي قد يكون من المقبول التعاطي مع مشتريات المواد العسكرية كالمعدات والأسلحة وغيرهما فيها بقدر عالٍ من الخصوصية، إلا أن القانون توسع في الاستثناء الى مقاولات المنشآت العسكرية.
التوسع في الاستثناءات امتد الى أساليب التعاقد، إذ أجاز القانون الاستثناء للمناقصات المحدودة والشراء الجماعي والممارسات العامة والمحدودة والالكترونية وعمليات الأمر المباشر، رغم أن القانون سمح للجهات الحكومية بالتعاقد المباشر دون إذن الجهاز، اذا لم تزد قيمة التعاقد عن 75 ألف دينار، تلافيا للبيروقراطية، وبالتالي فإن هذه الاستثناءات المتعددة في القانون لعبت دورا كبيرا في تقليص أهميته كقانون شامل، وجديته كبديل لقانون سابق، وفائدته كمرشّد للمصروفات في المناقصات.
خدعة الشركات العالمية
رغم أن القانون سمح للشركات الأجنبية بالدخول المباشر في المناقصات العامة فإنه وضع قيوداً عليها مقابل اطلاق يد الشركات المحلية دون اي التزام مقابل، فقد ألزم القانون أي مقاول أجنبي بشراء ما لا يقل عن 30 في المئة من المواد من الصناعة الوطنية بداعي تشجيع المنتجات الوطنية، غير أن المادة ذاتها تكشف ان الهدف هو التنفيع لا التشجيع، اذ اتاحت الشراء في حال عدم توافر المنتج المحلي من الموردين المحليين، وهنا توجيه واضح لمصلحة الموردين مقابل ضغط أكبر عن الشركات الاجنبية.
وإذا كان التنفيع في مسألة شراء المواد غير ظاهر فإنه يبدو اوضح مع الزام المقاول الاجنبي بإسناد ما لا يقل عن 30 في المئة من اعمال المناقصة الى مقاولين محليين، وهو ما سيترتب عليه أضرار بالغة على صعيد المنافسة والأسعار والجودة، بل ينفي الغرض من السماح للشركات الاجنبية بالدخول المباشر في المناقصات ويجعله شكليا لما فيه من قيود على المستثمر الأجنبي.
ضعف الارتباط بالوضع الاقتصادي
أحد أهم عيوب القانون أنه يسير في اتجاه معاكس لخطط الدولة المعلنة كتوجيه العمالة الوطنية إلى القطاع الخاص، فالأساس في تقييم المناقصة وأسس الفوز بها لا تزال وفق التفكير النمطي القديم المتعلق بالسعر والعرض الفني، دون أي اعتبار للوظائف التي يمكن ان يخلقها المشروع للكويتيين او نسبة العمالة الوطنية في الشركة المتقدمة للمشروع، إذ انه عند تساوي الاسعار تتم تجزئة المناقصة على الطرفين، وكان يمكن وضع نسبة العمالة الوطنية كأولوية للفوز في المناقصة، حتى وإن كانت معيارا ثالثاً بعد السعر والعرض الفني تشجيعاً لتوظيف الكويتيين في هذه الشركات.
معاداة سياسات الترشيد
كذلك يناقض القانون سياسات الترشيد التي تتعلق بتلافي الهدر في مصروفات المناقصات، إذ تساهل في شروط الأوامر التغييرية وجعل رأي الجهة المشرفة على العقد (الجانب الحكومي) غير أساسي عند الموافقة على الأوامر التغييرية، إذ نص القانون على عبارة «إن وجدت» في حديثه عن المذكرة التي يقدمها المقاول لإجراء الامر التغييري لأي مناقصة.
ومن تناقضات القانون مع سياسات الترشيد مثلاً التهاون مع إلغاء المناقصات التي تزيد قيمتها على القيمة التقديرية أو التي تحتوي تحفظات جوهرية او مخالفة للشروط او التي انتهت الحاجة إليها، إذ استخدم المشرع لفظ «جواز الالغاء» بدلا من «وجوب الالغاء» ووضع قيدا للجواز بموافقة ثلثي اعضاء الجهاز (من اصل 7 اعضاء)، في حين ان المنطق يحتم «وجوب الالغاء» حفاظا على أموال الدولة وجودة التنفيذ.
إفراط إداري وتفريط فني
أفرط القانون في المسائل الادارية الخاصة بتأسيس الجهاز المركزي للمناقصات العامة، وهو أصلا يناقض السياسات الحكومية بعدم تأسيس أجهزة أو هيئات حكومية جديدة، فضلا عن دمج الأعمال المتشابهة، فكان التركيز على مسائل التأسيس ومجلس الادارة وصحة الانعقاد وحتى رئاسة القطاعات، مقابل ضعف بالغ في تحديد أسس التأهيل للمناقصات ونظم وقواعد التصنيف وتطوير نظم تأهيل المقاولين والموردين.
كما غابت عن القانون مفاهيم أساسية كوجود وحدة تدقيق داخلية تختص بمراقبة العقود أو منع «بيع المناقصات» وعدم تحديد آلية عملية التحكيم التي تطالب بها الشركات الأجنبية العالمية، الى جانب عدم تفصيل أساليب التعاقد، مما يضفي الضبابية على العقود ويعاب على القانون خلوه من قبل ترسيتها الى جانب هلامية نصوص المخالفات وعدم إحكام صياغة مواد المنع بشكل يصعب إثبات حالات المخالفات وغياب نصوص محكمة لتفعيل شطب المقاولين والموردين.
وفي النهاية، فإننا نأمل أن يتم تلافي هذه الملاحظات الفنية في اللائحة التنفيذية التي يفترض صدورها بعد القانون، إن صدقت النوايا في إضفاء تطوير معين على قانون المناقصات الجديد.
إن قانوناً مهماً كالمناقصات يجب أن يكون اقراره منطلقا من فلسفة اصلاح الوضع المالي في ظل انخفاض اسعار النفط والعجز المالي، بحيث يدعم اجراءات الترشيد وخفض المصروفات وتنويع سوق العمل وجذب رأس المال الاجنبي، وأن يكون جزءا من منظومة المشاريع العامة للدولة مع قانوني «الشراكة مع القطاع الخاص» والـ»بي أو تي» وهذه كلها معايير مفقودة في القانون الجديد الذي يبدو أنه أقر لزيادة عدد التشريعات التي ينجزها المجلس، وفقا لقاعدة الكم لا الكيف.


أضف تعليق