أقلامهم

عبدالحسين عبدالرضا بلا رتوش

“كتبت هذا النص منذ حوالي ٧ شهور بعد لقاء جمعني بالراحل العظيم عبدالحسين عبدالرضا، كان النص جزءاً من مشروع لكتيب عنه قبل رحيله، ولأمر ما تأخر نشر الكتاب، وظل النص، وعندما فكرت في كتابة مقال عن بوعدنان، عدت لنصي عنه، وهو حي فوجدت الأمر لا يختلف كثيراً، فهو حي بيننا، سواء رحل عنا بجسده أو لم يرحل”.

أعطى عبدالحسين نموذجاً لمعنى الشخصية الوطنية، ونجح في حقب الاستقطاب البغيضة في أن يظل إنساناً وطنياً بسيطاً ينثر الابتسام والضحك بين الجميع بدون تمييز. كان النسخة المضادة للطائفية والفئوية، لذا كان فعله سهلاً مقبولاً دون استئذان.

جمعتني الصدفة الجميلة قبل سبعة شهور تقريباً للقاء مع المبدع عبدالحسين عبدالرضا. كان حينها قد عاد مؤخراً من جولة علاجية مكثفة، وخلال ذاك اللقاء انطلق أبوعدنان كعادته في شرح ووصف تجربته المريرة مع المرض، ولكن بقالب كوميدي تلقائي جعل المستمعين يضحكون دون توقف.

قلة هم الأشخاص الذين يستطيعون تحويل حالة مرضية، مريرة، متعبة، يتخللها دم ونزيف، واقتراب لصيق بالموت، كالتي مر بها، إلى كوميديا صارخة. قلة أولئك الذين بإمكانهم دائماً، وفي جميع الأحوال، تحويل حالة الحزن إلى سخرية ضاحكة، وكوميديا متحركة، تجعلك ترى الصورة الخيالية وكأنها تتحرك أمامك على رجلين أو ثلاث أو أربع، بلا نص مقيد.

ربما لو أن لدينا من أمثال عبدالحسين عبدالرضا عشرة أشخاص، لكانت البلاد أكثر استرخاءً، من يدري؟

لا يمكن التعامل مع شخصية مثل عبدالحسين عبدالرضا تعاملاً عادياً ووصفها وصفاً عادياً، فها هو يدخل البيوت دون تعب ودون تردد ودون مبررات. هل هي الموهبة؟ هل هي القدرة على إضحاك الناس؟ هل هي سرعة البديهة والعفوية التي اتسم بها؟ هل هي الصدق والإخلاص للوطن؟ ربما بعض ذلك أو كله، ولكن أمراً لا مفر من ملاحظته، وهو أنه خلاصة عجينة هذه الأرض، ففي زمن موبوء بالمتطرفين ذات اليمين وذات اليسار، ورفع ألوية الكراهية الفئوية والطائفية التي تقطع المجتمع وتدمي أطرافه، يظل عبدالحسين عجينة صافية لا يأتيها الخلل أو الدخن من أي اتجاه.

في سنة ١٩٦٢ كنا في مدرسة سيف الدولة الابتدائية، بالقادسية، وفاجأتنا إدارة المدرسة بأننا سنكون على موعد مع أول عرض مسرحي “نظامي”. كنا في عمرنا الصغير لم نستوعب المقصود بمعنى المسرح النظامي، فكنا نمثل ارتجالاً على مسرح المدرسة، ولا نعرف ماذا كان ذلك. ركبنا الباص واتجهنا إلى “ثانوية الشويخ”، التي كانت أساساً جامعة الكويت، ولكن نظراً لعدم وجود عدد كاف من طلبة الثانوية، تم تحويلها مؤقتاً إلى مدرسة ثانوية، وتم تحويل مباني القاعات إلى سكن داخلي. وكان مسرح ثانوية الشويخ هو المسرح الوطني، إن جاز التعبير، كما كان استادها الرياضي هو الملعب الرئيسي. وهكذا كان.

كان العرض الأول لمسرحية صقر قريش، وفيها كانت عصارة الفن والموهبة الكويتية، وعصارة العلم المسرحي المصري لزكي طليمات، الذي درب المجموعة الرائدة من الفنانين المسرحيين الكويتيين، الذين مازالوا يتحفوننا بفنهم الرائد والراقي.

كانت اللغة هي العربية الفصحى، واعترف بأننا كنا حينها في ذاك العمر الصغير غير مستوعبين ما كنا نرى، ولكنها كانت المرة الأولى التي أرى فيها عبدالحسين عبدالرضا، ولأمر ما ظلت صورته مرتبطة بذهني.

كان ذاك زمان وهذا زمان، فانطلق أبوعدنان كالسهم الخارق في رحاب الفن، ورسم، ونحت نحتاً لا ينبغي له إلا أن يبقى محفوراً في ذاكرة الوطن، يزيده عمقاً ورسوخاً.

بالطبع دون قصور بالآخرين، وفي مقدمتهم رفيق دربه سعد الفرج، لم يتوقف أبوعدنان عن التنوع وعكس الواقع الاجتماعي وتحولاته دون أن يهدأ له بال، بجرأة تعكس واقع المجتمع وتحولاته.

حقاً، ودون زيادة أو نقصان، فإن التعامل مع ما طرحه عبدالحسين عبدالرضا، بصدق وشفافية، في لحظات التجلي ولحظات الألم، ولحظات التراجع ولحظات الصعود، أنت أمام شخصية فذة إن تأملتها جيداً، وتأملت ما أنتجه فستجد نفسك أمام المجتمع الصافي كما كان وكما يجب أن يكون.

خلاصة القول إن أباعدنان، عبدالحسين عبدالرضا، شخصية لا تتكرر، ولا ينبغي لها ذلك، واقفة رغماً عن الألم ورغماً عن المرض، صادحة بالحقيقة دون تزلف ودون مبالغة كملح الأرض، ونباتها الذي لا يضيع ولا يتراجع، بل يظل باسقاً، فارعاً، عاشقاً للأرض، ورافعاً لعبقريتها.

فليرحمك الله يا أباعدنان فإننا لفراقك لمحزونون، ونسأل الله لأهلك ومحبيك، وهم كثر، الصبر والسلوان.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق