آراؤهم

“الخوف من اللاشيء”

الخوف من المستقبل فصلٌ يتكرر فى حياتنا بشكل دورى ، لكنه أحياناً يكون شديد الوطأة لدرجة تجعلنا فى عزلة عن العالم لنكتب تاريخٍ جديد من الخوف من مستقبل نجهل حتى أقل تفاصيله فى واحدة من أكثر المشاهد الدرامية مأساةٍ وفُكاهة

المستقبل كتابٌ أولى صفحاته بيضاء اللون لكننا بالخوف مما تحويه تلك الصفحات جعلنا نراها باللون الأسود خشية أن تصيبنا فرحةٌ ما مختبئة داخل أحد أركانه بعد أن أصابتنا عدوى الإحباط ممن يدعون التضامن مع مأساتنا ، منذ فترة كتبت عن مرض الشيروفوبيا ولمن لا يعرف الشيروفوبيا هى نوع من أنواع الأمراض النفسية التى تصيب الإنسان تجعله يعانى من رهاب تجاه السعادة ويعتقد دائماً أنه بعد الأحداث السعيدة ستصيبه صدمة ما تهدم فرحته وتصيب سعادته فى مقتل ، لا أنكر أننا الأن مع الأجواء المتوترة إنسانياً التى نعيشها أصبحنا نخشى كل شيئ حتى المستقبل لدرجة جعلتنا نخشى من اللاشيئ ، بالنزول قليلاً لأرض الواقع وجدنا الخوف مستشرى بيننا ليضرب كل أشكال العلاقات ، العلاقات الزوجية ، الصداقة ، العمل ، فأنا لم أجد زوج أو زوجة يعيشان قصة حب وسعادة زوجية سليمة وخالية من التوترات والشكوك خاصة فى ظل إنتشار الكثير من مواقع التواصل الإجتماعى والإنفتاح على العالم الأخر وجدنا الشك متسلل بين الأزواج ولا يخفى على أحد نسبة الطلاق المرتفعة فى الوطن العربى بسبب إلقاء التهم بالخيانة والخداع بين الزوجين ، تحولنا لأداة مراقبة على بعضنا البعض ما جعلنا نخشى أن يأتى المستقبل نحن ما نزال فى تلك الدائرة الكئيبة المغلقة علينا ولا بريق للأمل للخروج منها طالما نعيش نفس التفاصيل والأحداث دون النظر لما هو أبعد من ذلك ، حتى على مستوى الصداقة تغيرت المفاهيم فالصديق اليوم أصبح عدو الغد ما جعلنا نخشى أن يأتى المستقبل مع ذلك الصديق الذى يحمل أدق تفاصيل حياتنا ليتحول بين ليلة وضحاها إلى أداة حرب الأمر نفسه على صعيد العمل ، إختلفت العلاقات لكن شكل الخوف واحد وما أن تشرق علينا شمس يومٌ جديد نبدأ فى إعادة تفاصيل الأمس لنكرر نفس المشهد المأساوى من حياتنا التى نخشى مستقبلها الذى لا نعرفه !

يقول محمود درويش ” لا بأس من أن يكون ماضينا أفضل من حاضرنا، و لكن الشقاء الكامل أن يكون حاضرُنا أفضل من غدنا ” ، وهنا أتذكر هؤلاء الخائفين من المستقبل فهم يعيشون على مبدأ هل سأعيش الغد بنفس تفاصيل اليوم أم سأعيش الغد بشكل أسوء مما أنا عليه الأن؟! هؤلاء يعانون شقاء حقيقى لا يسهل علاجه أو التخلص منه، أعترف أننى أشعر بالذنب تجاههم فأنا فى يومٍ من الأيام الأكثر حزناً فى حياتى على الإطلاق عانيتُ من نفس الأمر حين توفىّ والدى رحمه الله ، عانيت من خوف من مستقبل مظلم سيأتى علىّ لا يحمل ملامح والدى وأنفاسه وظله وضحكاته المريحة لقلبى والتى تبعث الطمأنينة فى نفسى لكنى بالتفكير بشكل أكثر واقعية مصحوب بتقبل للقضاء والقدر وجدت أن حكمة الله من أن يسترد روحه الطاهرة جواره هى أن يريحه من رحلة الالآم المبرحة التى عانى منها أثناء فترة مرضه وحتى أدرك جيداً أن الحياة ستستمر وأن لكل واحدٍ منا محطة سيهبط إليها حين تحين ساعته ، مع شروق الشمس من جديد ومرور الأيام تحول الخوف داخلى إلى فقدان ، فالأيام تمر كما هى وأعيشها بحلوها ومرها لكن فقدانى لوالدى داخلى هو المعاناة الأكبر التى أعيشها بإستمرار ، إستطعت تجاوز الخوف والتغلب عليه لكنى لم أستطع تجاوز فقدانى له ، يحدث كثيراً أن تشتد الأزمات وأشعر بالخوف من عدم وجوده حولى لكنى على يقين بأن هذا الوقت سيمضى كما مضى ما هو أسوء منه ، الأمر نفسه على من يقرأ اليوم بإختلاف الظروف والأحداث ، حاول قدر الإمكان تجاوز الخوف وتحويله إلى شيئ أخر أكثر طمأنينة لنفسك فالذكريات التى أعيشها أنا الأن هى البسلم لجروحى والمسكن لخوفى من المستقبل الذى أجهل كل تفاصيله فالغيب إختص الله عز وجل نفسه بالإطلاع عليه ولو إطلعنا عليه لما عاش أى واحدٍ منا فى راحة بال وسعادة بل كنا سنعيش شقاء ما بعده شقاء ويتحول خوفنا من المستقبل إلى أطنان من الهموم على قلوبنا ، المستقبل واقع لا محالة لكنه سيقع بالتفاصيل التى كتبها الله لنا أن نعيشها سواء تقبلناها أم لم نتقبلها

قال تعالى ” وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ” صدق الله العظيم

*كاتبة دولية متخصصة بشؤون المرأة والطفل

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق