آراؤهم

الشيخ ناصر وتجارة الوهم!

قبل أسابيع، نشرت صحيفة الراي على صدر صفحتها الأولى العنوان التالي: الحكومة تبيع الوهم ! وقد استوقفني العنوان المثير، الذي جاء مشفوعاً بصورة منتقاة ولافتة للنائب الأول الشيخ ناصر الصباح، في مؤشر واضح واستباقي من الرجل والمشروع الذي يحمله، واستوقفتني قبل ذلك الآمال الكبيرة التي يعلقها عموم الناس بمقدم الشيخ ودخوله الحكومة، وكان واضحا حجم التقدير الذي يحظى به، وبدا أن كل المشاكل والعوائق وحالة التردي العام ستزول بمقدمه، واستوقفتني أيضا تغريدة مهمة تحمل فكرة رئيسية في موضوع دخول الشيخ للحكومة، والآمال المعقودة عليه، نشرها الكاتب سعود العصفور في صفحته على موقع تويتر، تقول:
“الحماس الذي تولد لدى عدد غير قليل من المواطنين مع دخول ناصر صباح الأحمد إلى الحكومة بدأ يتلاشى شيئاً فشيئاً مع مرور الأيام حتى أصبح – في نظر عديدين – مجرد وزير آخر في الحكومة الرشيدة” انتهى الاقتباس .
هناك عدة إشكاليات في كل ما سبق، وإن كان مقبولا ومفهوما ومبررا في سياق التعامل مع شخصية رئيسية في المشهد الحالي والمستقبلي، وأول ما يجب الانتباه له في الآمال العريضة المعقودة على الشيخ ناصر والاحباط السريع جدا – لرجل أكمل عامه الحكومي الأول للتو – هو حجم اليأس والألم الكبير من الأوضاع الحكومية القائمة، مما ضاعف بشكل كبير ورفع سقف التوقعات مع إلحاح في تغييرات سريعة وجذرية بل وفورية، الأمر الذي انتبه له الشيخ على ما يبدو، حين أشار لضرورة معالجة الترهل الحكومي الحالي وواجب التعامل مع العمل المؤسسي الحكومي القائم، بالتزامن مع التفكير والتخطيط للمستقبل، ولا يخفى على العين المراقبة توجه الشيخ ناصر مباشرة لمجلس التخطيط الأعلى، قلب الدولة وعقلها المفكر، وانشغاله بمشروع المنطقة الشمالية (اقليم الحرير) والذي يكرس لهما جل وقته ونشاطه واهتمامه وحديثه. في إشارة مهمة لتشخيصه الأولي الصحيح والدقيق للمشكلة.
وعلى من أُحبط سريعا، أو اختار الوهْم عنوانا للمرحلة القادمة، أن يتساءل أولا: قياسا على حجم الفساد الضارب في أعماق العمل الحكومي، والانحدار المخيف الذي تراكم على مدى عقود، وأمام عقدة المحاصصات وتبادل المنافع واستشراء الفساد ورجاله في مفاصل الدولة ومجلس الأمة، وأمام التراجع المرعب في التعليم والصحة والتنمية وصولا إلى الشوارع المنخورة، هل يتوقع أن تتغير الأشياء بضغطة زر !؟ وهل ينتظر من القادم مهما كان سجله نظيفا وخاليا من الفساد ولعبة الصراعات وتوظيف الأدوات، والبعيد عن فكرة شراء الولاءات وتجيير كل ما يمكن تجييره للوصول لمطمع شخصي، أن يحدث تغييرا هائلا وملموسا في ظرف عام ! ودون قيادة الدفة برمتها ؟ والإمساك بزمام الأمور كاملة !.
ثمة ما يدفع للتفاؤل بوجود الشيخ ناصر اليوم، بعيدا عن فكرة التسويق والتلميع والتكسب من وراء الثناء والمديح، أولا: حجم المشكلة الكبيرة التي تواجه مستقبل الكويت، الأمنية والاقتصادية، تتغير معادلات القوى إقليميا ودوليا بشكل لا ينتبه له الكثير، وتتراجع يوما بعد يوم قيمة النفط الاستراتيجية التي حفظت – بعد الله- استقلال وسيادة البلاد، والقوى الدولية الضامنة لأمننا تنسحب تدريجيا من التزاماتها السابقة في المنطقة، ويحيط بنا الطامعون والمتربصون، شئنا أم أبينا، وهذه المخاطر قابلها حديث ممنهج من قبل الشيخ عن مستقبل البلاد، بشقيه الأمني والاقتصادي، عبر مشروع شمالي طموح يعالج المسألتين بالتزامن، فكرة اقتصادية ناهضة تعود على الدولة بالنفع الاقتصادي والمالي، وتجلب الوظائف والاستثمارات وتطور القوانين والبنية التحتية بالمعايير الدولية، وإشكالية أمنية تتم معالجتها بمبدأ المصلحة والمنفعة المشتركة بين الكويت ومحيطها القلق، وحين ننجح بجذب الاستثمارات ونوجد منطقة عبور دولية تخدم الاقليم المحيط وتغذي حاجاته، لن تجد عوامل القلق والتوتر مكانا لها في العلاقات بالمحيط، أنت هنا تضرب عصفورين في حجر واحد، تنهض اقتصاديا، وتستقر أمنيا في آن واحد.
الحقيقة، لا يمكن لأحد أن ينافسني في إحباطي ويأسي وقلقي على مستقبلنا جميعا، وأنا المواطن الذي يقسم وقته بين الطوابير، طابور الخبز في فرع الجمعية، مع ثلة من السائقين الطيبين الأوفياء الذين باتوا يقومون بدور الأب والأم والمربي والرفيق في الأسرة الكويتية الجديدة، وطابور المستوصف بانتظار طبيب “قرفان” ليكتب وصفة الدواء قبل الاستماع لعلة المريض، وطابور المدرسة بانتظار أولاد وبنات أنهوا يومهم الدراسي الطويل بحصيلة معطوبة، لا تستقيم ويصلح اعوجاجها إلا بطابور المدرسين الخصوصيين الوافدين للمنزل بعد صلاة العصر، في شراكة قسرية لراتبي الشهري الهزيل، وطوابير خدمة المواطن والهجرة والجوازات والشؤون بانتظار الموظفات الفاضلات المتكدسات في غرفة الريوق، وطابور التايملاين في تويتر، أتابع الوكلاء وما يريد “معازيبهم” نشره على الملأ، وطابور الفاشينستات، وصولا لطابور الحلطمة اليومي للمغردين الرائعين الساخرين، والذين تحول بعضهم مع الوقت لنجوم يتم استئجارهم في المشاريع الموسمية المختلفة بغرض الرزق: مشروع ترشح لعضوية مجلس الامة، انتخابات فرعية، مشروع مواجهة استجواب “مضايق” الوزير، مشروع مغسلة في صناعية العارضية، كافيه، وهكذا …
وفي نهاية طوابيري اليومية، يتوزع قلقي على المستقبل والمواجهات المنتظرة، راتبي بعد التقاعد الوشيك وكم يوما من الشهر سيعيش، وهو الذي يئن اليوم تحت وطأة المصاريف والديون، وحساب المدرسين والدكاترة الخصوصيين!، النائب القبيض الذي باعنا بأرخص الأثمان، وكنت قد شتمته في كل الدواوين، وسألجأ له صاغرا مرغما مطأطأ الرأس ليجد وظيفة لابني الذي سيتخرج من الجامعة بعد ثلاث سنين، بعد أن أقسمت ألا أذهب له يوم احتاجت والدتي للعلاج، ويوم أرادت زوجتي الانتقال من مدرسة لأخرى، ويوم ترجاني ابن أخي للتوسط عنده لدخول كلية الضباط، لقد ضحيت بكل تلك الحاجات من أجل موقفي، لكني لن أضحي أكثر في وظيفة ابني الأكبر، أو ربما ألجأ للنائب الآخر في دائرتي، فلم يعرف عنه القبض بشكل مباشر، كل ما في الأمر أن لديه شقيق يمارس التجارة، وبالتزامن مع عضويته، في مفارقة طريفة عند أغلب النواب، فجلهم بـأشقاء لديهم نشاطات تجارية مستجدة، قسائم صناعية، نقليات نفطية، عصائر، مصانع حديثة وخلاف ذلك !.
لا أحد ينافسني في اليأس وأنا الذي يمارس هوايته اليومية بالشتم والتفريغ في الديوانية ثم العودة للنوم، مرورا قبل ذلك بالجمعية لتقطيع أوصال هذا الراتب المسكين بالطلبات التي لا تنتهي، وإحضار مشاريع وبحوث الأولاد من المكتبة التي تعمل 24 ساعة لإنتاج كافة الطلبات المدرسية !.
ورغم كوني يساري معتق، ليس بالطبع كاليساري التقدمي الذي يظهر بانتظام على قنوات وصحف البرجوازية الكبيرة، ولا يجد حرجا في امتداح شركاتهم التجارية التي تنهش مؤسسات القطاع العام وترثه حيا، بل يساري – على باب الله – منحاز للناس والعدالة والفقر في وجه الغِنى الفاحش والظالم والمتوحش بلا قيود، يساري بالمعني البلدي الكويتي على وجه التحديد، ورغم ذلك أجدني منحازا للمشروع الذي يحمله الشيخ، وفي مخالفة لتاريخي الشخصي الذي لا يشكل أهمية عند أحد غيري.
ثمة التباس عام يعتري المجتمع برمته، ومهمة الحديث هنا مواجهة هذا اللبس بوضوح، لأول وآخر مرة، لا التسويق أو الدفاع عن الشيخ، وهو يستحق الدفاع بالمناسبة، ولا التسويق أو الدفاع عن مشروع لم يصارح أحد الناس به بشكل جدي حتى هذه اللحظة، ما يجري هنا هو التعلق بالأمل الأخير، وركوب آخر محطة ممكنة، إيمانا بمقولة الأديب الروسي الذي لا يرى في الضوء المشع من نهاية النفق سوى قطار قادم بأقصى سرعة لدهسنا وطحننا، فأنا شخصيا خائف وقلق ومتوتر وغير مطمئن على المستقبل، كلما التفتًّ في وجه أولادي الكبار ووجوه الشباب والشابات من حولي في المجتمع، وكلما حضنت ابني الصغير يجلدني السؤال: كيف سيعيشون إذا كبروا !! كيف سيعملون والاحتياطيات تنفد، والمصاريف تتضخم، والوظائف تشح، والمشاريع تتعطل، والجامعات تتضخم وتترهل، والفاسدين يتكاثرون، والوطنيون الحقيقيون يضمحلون، والتجار يتنمرون ويتوسعون ويتحكمون، ومجلس الامة يصل أعضاءه لمرحلة الصوت حسب الدفع، والمخلصون يتوارون، كيف سيعيش أبنائي وقضيتنا الرئيسية هي الشوارع، وقدرتنا على محاسبة فاسد واحد بشكل حقيقي توازي قدرتنا على انتاج قمر صناعي واطلاقه في الفضاء!
سأنحاز للشيخ لأن كابينة القيادة محجوزة دائما لأبناء هذه الأسرة الكريمة التي اخترناها طواعية، ولأنها الضمانة الوحيدة أمام من يرون في بلادنا حقلا نفطيا يدفع الرواتب ! وأنحاز له لأنه تأخر كثيرا، وزهد كثيرا، وترفع كثيرا، وصمت كثيرا عن الإشاعات التي تروج حول شخصه وأداءه، ولأنه يفتح نافذة جديدة تحمل عناوينها الكبرى بارقة أمل حقيقية،
سأنحاز للشيخ الذي يقول بأننا لا يجب أن نعتمد على الأجنبي وأساطيله في حمايتنا واستقرارنا، بل نعمل على خلق منطقة استقرار وازدهار “شمالية” تجعل المشترك والمصلحة عنوانا لعلاقاتنا مع جيراننا الاضطراريين، وأنحاز لمن يؤسس اليوم لأرضية تخلق نشاطا تجاريا واقتصاديا لو كتب له النجاح لأصبح مصدرا كبيرا للرزق في بلادنا، وأنحاز لمن يسعى بشكل واضح لإعادتنا لما كنا عليه قبل الذهب الأسود، يوم كانت أشرعتنا تجوب البحار وتفتح الأبواب أمام مجتمعنا الصغير، وأنحاز لمن يدرك مشكلتنا الحقيقية وعجزنا الاقتصادي المنتظر والمخاطر الكبيرة التي تقف على حدودنا ويتوجب مواجهتها، وأنحاز له لمعرفتي بخلو سجله من الفساد، وبالوجع الذي أوجده عند الفاسدين فهاجموه، وبزهده الطويل في المناصب والاقتتال الحكومي رغم فرصته الكبيرة دائما بموقع متقدم.
صحيح أن الشيخ قد لا يكون السوبرمان المنتظر لإنقاذنا، وقد تنجح الظروف والخصوم والعقد الحكومية و “التجارية” و “البرلمانية” و”الإعلامية”، قد تنجح مجتمعة في تكسير مجاديف الشيخ وإعاقة المشروع الذي يحمله، لكننا لا نملك ترف الاختيار اليوم، والناس، بعيدا عن مراكز القوى المسيطرة، هم الرهان الحقيقي لهذا المشروع ولصاحبه، وسينجح متى ما آمن بهم، وآمنوا به وبمشروعه، واشتركوا جميعا في كتابته والعمل على تنفيذه. وهذا هو التحدي الكبير، فهل يفعلها أبو عبدالله !؟

ناصر المنصور
(كاتب كويتي)

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق