محليات

قراءة للوضع الدستوري الحالي حول حكومة تصريف العاجل من الأمور

“إن الدستور الكويتي هو الحاكم للقوانين وللأوامر الأميرية وللمراسيم ولجميع الأعمال القانونية بحيث تسأل عن مخالفته ولا يسأل الدستور عن مخالفتها فهو الحاكم لا المحكوم، اليه تشخص الأبصار التشريعية ومنه تستمد المشروعية في الأعمال والتصرفات القانونية، فحكمه يسود ونصوصه قيود، وكل الأعمال تستظل بظلاله وتستمد صحتها من خلاله”.

ملخص زمني للأحداث

– تقدمت حكومة الشيخ جابر المبارك بالاستقالة في تاريخ 14 نوفمبر 2019 ومن ثم تحولت لحكومة تصريف العاجل من الأمور.
– صدر أمر أميري جديد بتعيين رئيس الوزراء الجديد وهو الشيخ جابر المبارك بتاريخ 18 نوفمبر 2019. (سنطلق عليه الأمر الأميري الأول).
– اعتذر الشيخ جابر المبارك عن قبول الحكومة وهو ما يعني استقالته الرسمية.
– صدر أمر أميري أخر بتعيين الشيخ صباح الخالد رئيسا للوزراء بتاريخ 19 نوفمبر وتكليفه بتشكيل الحكومة. (سنطلق عليه الأمر الأميري الثاني في موضوع الدراسة).
– لا يزال الشيخ صباح الخالد في مرحلة تشكيل الحكومة ولا يزال الوزراء في أخر حكومة للشيخ جابر المبارك قبل الأمر الأميري الأول تمارس تصريف العاجل من الأمور.

الدراسة:

إن النظام الدستوري الكويتي قائم على العديد من النصوص من ناحية وقائم على المنطق الدستوري السليم الفاهم للمنظومة الدستورية وكذلك قائم على القياس مع ما يحصل في النظم المقاربة للنظام الدستوري الكويتي.
إن حكومة الشيخ جابر المبارك قبل استقالتها كانت تضم عدد من الوزراء رحل عنها بعض الوزراء كالوزيرة المستجوبة مؤخرا وقد تقدمت الحكومة باستقالتها كما أشرنا في 14 نوفمبر وتحولت لحكومة تصريف العاجل من الأمور منذ يوم الخميس. وفي وقت لاحق بتاريخ 18 نوفمبر صدرت أوامر أميرية باعفاء كل من وزير الدفاع ووزير الداخلية ليس المجال هنا للتطرق اليه، وصدرت بعدها مباشرة أو بشكل متزامن أمرا أميريا جديدا بتعيين الشيخ جابر المبارك من جديد رئيسا للوزراء. وبذلك وبغض النظر عن كون الشيخ جابر المبارك هو ذاته الرئيس السابق للحكومة ورئيس حكومة تصريف العاجل من الأمور ولكنه في الأمر الأميري الأول بتعيينه رئيسا للوزراء يكون بمركز قانوني مختلف عن مركزه السابق باعتباره رئيسا للوزراء في حكومة تصريف الأعمال. لذا بصدور الأمر الأميري الجديد تنتهي الصفة الدستورية له ولحكومته السابقة كحكومة تصريف العاجل من الأمور.
*حكومة تصريف العاجل من الأمور:
هذه الحكومة تبتدأ بحالات حددها الدستور وهي المادة 103 التي نصت على التالي “اذا تخلى رئيس مجلس الوزراء او الوزير عن منصبه لأي سبب من الأسباب يستمر في تصريف العاجل من شئون منصبه لحين تعيين خلفه” .

وسنركز هنا على الشق المتعلق برئيس الوزراء في هذه المادة، فهذه المادة تتعلق بالواجب الدستوري الذي تتحمله الحكومة اذا تخلى رئيسها عن منصبه لأي سبب كان والاسباب تتعدد فقد يكون السبب 1- تقديم رئيس الوزراء لاستقالته، 2- اعفاء رئيس الوزراء من منصبه من قبل صاحب السمو أمير البلاد، 3- قد يكون بتقرير البرلمان عدم التعاون مع رئيس الوزراء.

لذا تتعدد الأسباب التي تؤدي لتخلي رئيس الوزراء عن منصبه ولكن الأثر المترتب لتخليه عن منصبه هو تحول حكومته بكامل أعضائها لحكومة تصريف العاجل من الأمور. فهذه الحكومة لا تمارس كامل صلاحياتها الدستورية إنما تتولى تصريف ما يستدعي الاستعجال الذي يبرر تدخلها وبالتالي فإن الأعمال التي لا تحمل معنى الاستعجال فإنها تترك لتتولاها الحكومة الدستورية الطبيعية بمعنى من الممكن أن تتعطل بعض الأعمال الهامة ولكن لا تتضمن شق الاستعجال التي يبرر لحكومة التصريف تدخلها.

ولا مجال للاجتهاد مع ظاهر النص فالمادة 103 من الدستور وضعت الفاصل الزمني الذي تنتهي معه حكومة تصريف الأعمال المستعجلة حيث نصت “يستمر في تصريف العاجل من شئون منصبه لحين تعيين خلفه” فرئيس الوزراء في حكومة تصريف العاجل من الأمور يستمر في شئون منصبه لحين تعيين خلفه ولم تقل المادة لحين تشكيل خلفه لحكومته!. والقول بغير ذلك يجعل الحكومة ذات رأسين. بل القبول بهذا الواقع قد يجعل الحكومة الجديدة تتراخى في تشكيلها فيكون لدينا حكومتين بالتوازي مما يصعب معه محاسبة اي منهما فكيف نحاسب حكومة تصريف العاجل من الأمور التي تقدمت مسبقا باستقالتها أمام البرلمان؟ بل قد تستحب الحكومة هذا الوضع وتجعل الحكومة لفترة معينة ذات شقين لتحقيق مآرب معين.

وعلى العكس قد يكون بقاء هذا الوضع محل استفزاز لحكومة تصريف العاجل من الأمور للحكومة القادمة بتمرير قرارات معينة أو اتخاذ تصرفات معينة تحمل الحكومة القادمة اثارا فادحة ورثتها من سابقتها ولكن في حياتها.

وخير دليل على عدم صحة القول باستمرار حكومة تصريف العاجل من الأمور بعد صدور الأمر الأميري الثاني بتعيين الشيخ صباح الخالد أن تلك الحكومة السابقة لتصريف الأعمال أصبحت مشلولة فلا تستطيع الاجتماع في مجلس الوزراء ولا أن تصدر مراسيم مهما كانت عاجلة ولا أن تصدر على سبيل المثال مرسوما بحل مجلس الأمة لأنها ستصادم مع حكم المحكمة الدستورية الصادر في 20 يونيو 2012.

فالمادة 103 وضعت ميعادا واضحا تنقضي معه حكومة تصريف العاجل وذلك بتعيين خلف لرئيس الوزراء وبمجرد صدور الأمر الأميري الثاني بتعيين الشيخ صباج الخالد فيكون التعيين قد تم ويكون بقاء رئيس الوزراء والسادة الوزراء مخالفا لنص الدستور فيأخذ حكم رئيس الوزراء جميع الوزراء مادة 129 “استقالة رئيس مجلس الوزراء أو إعفاؤه من منصبه تتضمن استقالة سائر الوزراء أو إعفاءهم من مناصبهم.”

.

*إشكالية تعيين جابر المبارك واعتذاره:

حكومة تصريف العاجل من الأمور يفترض أنها انتهت بتعيين جابر المبارك بالأمر الأميري الأول وبالتالي اصبح هناك حكومة جديدة محل حكومة تصريف الأعمال وذلك بتاريخ 18 نوفمبر، وبعد اعتذاره صدر امر اميري جديد بتاريخ 19 نوفمبر وبالتالي اصبح بين حكومة تصريف العاجل من الامور وبين حكومة الشيخ صباح الخالد حكومة ثالثة مختلفة وهي حكومة الشيخ جابر المبارك الذي تعين بأمر أميري جديد بتاريخ 18 نوفمبر فلماذا نستبعد فكرة تحول حكومة جابر المبارك الذي يتواجد فيها منفردا من أن تتحول هي لحكومة تصريف الاعمال بدلا من الحكومة السابقة عليها وهذا مما يزيد احتمالية عدم قبول استمرار حكومة تصريف الاعمال وهي التي صدر بعدها امرين اميرين بتعيين رئيسين للوزراء مختلفين عنها.

لذا نرى بأن بقاء حكومة تصريف الاعمال أو بقاء بعض الوزراء على رأس عملهم يشكل مخالفة دستورية واضحة بحيث اصبح لدينا ثلاثة حكومات وفق منظور من يرى بجوازية ذلك فلدينا حكومة تصريف العاجل من الامور ولدينا حكومة جابر المبارك الجديدة والتي يثور التساؤل من تحولها هي لحكومة تصريف اعمال وكذلك لدينا حكومة صباح الخالد الجديدة. ونحن نرى بأن حكومة تصريف الاعمال انتهت بمجرد تعيين صباح الخالد رئيسا للوزراء.

فالنظم البرلمانية لا ترفض فكرة أن تمر البلد فترات زمنية بدون حكومة فالذي يهم في النظام الدستوري الكويتي هو وجود البرلمان بشكل مستمر أما فرضية وجود فترات زمنية بلا وجود للحكومة فهي من ابجديات النظم البرلمانية والتي قد تأخذ أوقاتا تطول او تقصر في تشكيلها ومباشرة اعمالها. فالبلد تحكمه المؤسسات المختلفة وكل وزارة او هيئة او مؤسسة لديها الكادر الاداري الكامل ومجموع موظفي الدولة ودور الوزراء ما هو الا دور سياسي لا تشل بسببه الحركة الطبيعية للدولة وكما أن هذا الحال يعد محفزا لرئيس الوزراء الجديد للاسراع في تشكيل باقي اعضاء حكومته.

د.فواز الجدعي
أستاذ القانون الدستوري

الوسوم
Copy link