كتاب سبر

الموت مصير كلُ حي

دفنا البارحة عمتي الغالية أم ناصر رحمها الله ، وقبل أسبوع دفنا عمي الغالي أبو سعود رحمه الله ، وخلال السنة الماضية دفنا أربعة من الأقارب والأرحام ، أسأل الله أن يغفر لهم جميعا ويرحمهم ويتجاوز عنهم ، وأن يجعل الله قبورهم روضة من رياض الجنة ، وأن يرحم الله غربتهم ، ويأنس وحشهم ، ويفرج كربتهم ، وأن يجعل الجنة مثواهم ، وأن يجمعنا وإياهم في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، وجبر الله قلوب أهليهم ومحبيهم .

فالموت هو مصير كل إنسان على وجه هذه الأرض ، والله سبحانه وتعالى خلق الخلق وحكم عليهم بالفناء، وكتب لنفسه جلا وعلا البقاء، فالبقاء والدوام من صفات الإله، والفناء والعدم من خصائص المخلوقات ، قال تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ, وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} سورة الرحمن ، آية ٢٦ .
والله عز وجل خلق الإنسان من التراب، وحكم عليه أن يرجع مرةأخرى إلى التراب، وإن طال عمره،وإن مّدالله له في أجله، قال عز وجل :{ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } سورة طه، آية ٥٥.

فلا بد من اليوم الذي يوافي فيه المرء أجله، ويلاقي ربه، فالموت هو الحقيقة الثابتة، والنهاية الحتمية ، لكل حي، قال تبارك وتعالى : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} سورة آل عمران ، آية١٨٥.

وقد قال ابن كثير:«يخبر جلا وعلا إخبارًا عامًا يعم الخليقة بأن كل نفس ذائقةالموت،كقوله تبارك وتعالى : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ, وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} فهو تبارك وتعالى وحده هو الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القّهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخر كما كان أو ًلا».

والله تبارك وتعالى ،قَّدر آجال العباد،وجرى بذلك القلم في اللوح المحفوظ،وكتبته ِالملائكةالكرام والمرء في بطن أمه ،فلايتأّخر المرء عماُ كتب له ولايتقّدم،وكل إنسان
مات أو قتل أو غرق أوسقط من طائرة أو سيارة أو أحترق أو غير ذلك من الأسباب، فإنه قد مات بأجله الذي قَّدره الله وأمضاه ، قال تبارك وتعالى:{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلً} سورة آل عمران، آية ١٤٥٠

وقال جل وعلا { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ} سورة النساء، آية ٧٧.
وقال جل وعلا{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } سورة الأعراف ، آية ٣٤.

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال:قالت أم حبيبةزوج النبي صلى الله عليه وسلم :«اللهم مّتعني
بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية» فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «لقد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعّجل شيئًا قبل أجله، ولن يؤ ّخر الله شيئًابعدأجله،ولوكنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار،أوعذاب في القبركان خيرًاوأفضل» رواه مسلم .

فالإنسان مهماطال عمره في هذه الحياة،فإن الموت هونهايته ومصيره، قال عزوجل : {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} سورة القصص ،آية ٨٨.

وقال عزوجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ }سورة الزمر ، آية ٣٠.

وقال عزوجل: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } سورة الأنبياء، آية ٣٤.

وقال جبريل عليه السلام، للنبي صلى الله عليه وسلم : «يا محمد عش ما شئت فإنك مّيت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه،واعمل ماشئت فإنك ُمجزى به» رواه الطبراني وحسنه الألباني .
فالموت لاينجو منه هارب ولايغني عنه جزع ولايدفع عنه حذر ولو تحصن منه بالقصور المنيعة والمساكن الرفيعة .
هذا،وقدأجمع العقلاءمن بني آدم على أن الموت ليس له وقٌت محّدد،ولاسبب
معين،ولاعمٌرمعلوم،قال القرطبي:«أجمعت الأمةعلى أن الموت ليس له سٌن معلوم ولا زمٌن معلوم، ولا مر ٌض معلوم»

ولا علم للعباد بالوقت الذي يحضر فيه الموت،
وينزل بهم،فإّن علم ذلك لله وحده،وهو واحدمن مفاتيح الغيب التي استأثرالله بعلمها، قال عز وجل:{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}
سورة الأنعام ، آية ٥٩.
وقال عزوجل :{ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ}سورة لقمان ، آية ٣٤.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ:{ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ} سورة لقمان ، آية ٣٤.

ومضة :

قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، صف لنا الدنيا؟فقال: «ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء ، حلالها حساب، وحرامها عقاب ، من استغنى فيها فُتِن ومن افتقر فيها حزن».

د.مشاري المطرفي

د.مشاري المطرفي

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق