كتاب سبر

السحب من صندوق الأجيال

يحكى أن :
ذات يوم دخل المستشار على مولاه في قصره الفخم، فوجده غارقاً في تفكير عميق، استأذن المستشار في الدخول وسأله عما يشغل باله وتفكيره لهذه الدرجة، فأجابه : أنا أريد أن افرض ضرائب جديدة علي بعض البضائع في مملكتي بقيمة 10% وبذلك بهدف تمويل خزائني التي تكاد أن تفرغ وينتهي ما بها من أموال وذهب، ولكنني أفكر في رد فعل الناس في المملكة ورأيهم في هذا القرار وكيف سيتقبلونه، فكر المستشار قليلاً ثم ابتسم في خبث وهو يقول : دع الأمر لي يا مولاي ولا تقلق تماماً .

جمع المستشار أعوانه وطلب منهم ان ينشروا في الاسواق وجميع أنحاء المملكة أخبار وإشاعات كاذبة حول أن الحاكم سوف يقوم بفرض ضريبة جديدة علي جميع البضائع بمقدار 50% وسوف تشمل هذه الزيادة السكر واللحم والتمر والقمح والشعير وكل البضائع الغذائية بالمملكة، فضج الناس واشتد غضبهم وأخذوا ينتقدون علناً هذا الامر والزيادة المبالغة في الضرائب وعبروا بكافة الطرق عن شخطهم وعدم رضاهم عن هذا القرار الظالم.

وكان الأعوان والمساعدين الخاصين بالمستشار ينقلون إليه ما يحدث بالأسواق أولاً بأول ويتحدثون معه عن غضب الناس وسخطهم علي هذا القرار، وفي الاسبوع الثاني طلب المستشار من أعوانه أن يقوموا ببث إشاعة جديدة تؤكد الإشاعة الأولى السابق نشرها وأن القرار سوف يتم تطبيقه قريباً جداً، أخذ الناس يصيحون أن هذا ظلم وأن الضريبة مرتفعة جداً، ولن يقدر أحد على تحملها وأن الفقر والغلاء سوف يصيب المملكة بالكامل، ومن الظلم أن يتم رفع أسعار كافة الأطعمة بمقدار 50% ولو كان الزيادة علي صنف واحد أو اقل من ذلك لهان الأمر .
عندها ذهب المستشار إلى الحاكم وقال له : لقد حان الوقت يا مولاى الآن يمكنك إصدار الأمر بفرض الضريبة ودعني أعيد صياغة القرار .. كتب المستشار : تلبية لرغبات شعبنا الكريم ونزولاً عند رأيهم، فقد قررنا عدم إصدار الضريبة المرتفعة واكتفينا بفرض ضريبة بسيطة بمقدار 12% فقط علي سلعة واحدة .. حينها تنفس الناس الصعداء وأكثروا الثنا والدعاء للحاكم الحكيم الذي يرعى مصالح شعبه ولايقل كاهلهم بالضرائب الكثيرة.
كذلك حكومتنا الرشيدة تستعمل نفس الأسلوب في التعامل مع ملف العجز المالي الذي تدعيه.
وفي الحقيقة هي تهدف إلى إقرار الدين العام الذي طرحته في العام الماضي بمبلغ ٢٠ مليار دينار خلال ٣٠ عام وتم رفضه من المجلس السابق.
علما بأن الحكومة لديها مصادر أخرى تغنيها عن الأقتراض أو السحب من صندوق الأجيال..
فالحكومة تملك صناديق سيادية تدير إستثمارات تقدر بالمليارات.
وأظهر التقرير الشهري لبنك الكويت المركزي، ارتفاع الأصول الاحتياطية للكويت إلى 12.732 مليار دينار (41.42 مليار دولار) في أبريل 2020، مقابل 12.189 مليار دينار (39.65 مليار دولار) في مارس/آذار السابق له.
ووفقاً لـ «فوربس» جاءت 4 صناديق سيادية عربية ضمن أكبر 10 صناديق سيادية في العالم، وهي صندوق جهاز أبوظبي للاستثمار في المركز الثالث عالمياً، وصندوق الهيئة العامة للاستثمار الكويتية في المركز الرابع، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي في المركز الثامن عالمياً، وصندوق مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية في المركز العاشر عالمياً.
وفي أبريل الماضي، طلبت وزارة المالية من مؤسسة البترول الكويتية المملوكة للدولة تحويل 7 مليارات دينار (23.03 مليار دولار) من الأرباح المستحقة للخزينة، كما طلبت لجنة المالية في البرلمان الشهر الماضي من الهيئة العامة للاستثمار رأيها بشأن وقف دفع 10 في المئة، بالإضافة إلى تحويل الأرباح السنوية لمؤسسة الخليج للتأمين إلى احتياطيات عامة.
وكانت لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمجلس الأمة السابق وافقت على مشروع قانون بتعديل مرسوم بالقانون 106 لسنة 1976 بشأن احتياطي الأجيال القادمة.

ويقضي التعديل بأنه لا يجوز ولا يمكن بأي حال من الأحوال السحب من صندوق الأجيال وفِي نفس الوقت لا يتم تحويل أي أرباح إليه اعتباراً من نتائج الحساب الختامي للدولة من السنة المالية 2019 / 2020.
كذلك الدولة لديها قروض خارجية كثيرة يجب عليها العمل بجديه على تحصليها.
كذلك دخل النفط يقارب 22 مليار دينار عن أي عجز تتكلم حكومتنا الرشيدة.
ولكن المشكلة تكمن في سوء الإدارة المالية وسوء توزيع الدخل.
وأخيرا نختم بهذه الأبيات التي تمثل واقع نعيشه مع الأسف.
الشِّعْرُ فِي نَفْسِي يَمُورُ فَأُحْجِمُ

لَكِنْ سُؤَالُكَ يَـا مُوَاطِنُ يُلْهِمُ

إنَّ الفَسَادَ بِأَرْضِ قَومِي مِهْنَةٌ

أَضْحَتْ تَزَاوَلُ فِي الضُّحَى وَتُعَلَّمُ

تَلْقَى مِن التَّقْدِيرِ مَـا يَعْلُو بِهَا

مِمَّن قَد امْتَهَنُوا المَجَالَ فَعُظِّمُوا

فَالفَاسِدونَ يَرَونَ تِلْكَ جَسَارَةً

مَا كُلُّ مَنْ يَسْعَى إِلَيْهَا يُقْدِمُ

قُدُرَاتُهُمْ تَحْمِي حِمَاهُمْ يَقْظَةً

وَطَرَيْقَةً تَخْفَى عَلَى مَنْ يَحْلُمُ

يَا وَيْلَ مَنْ يَسْعَى إِلَى إِيْقَاعِهمْ

يوماً وَمَن لِوقُوعِهِمْ يَتَوَّهُمُ

فَالكَاتِبُ المَسْكِيْنُ حِيْنَ تُثِيْرُه

خُطُوَاتُهُمْ سَيُزَاحُ أَو يَتَأَقْلَمُ

كَمْ حَالَةٍ كُشِفَتْ وَلكِنْ حِيْنَمَا

حَانَ العِقَابُ أَشَاحَ من يَحْكُمُ

سَرَقُوا اعتِمَادَات المَشَارِيْعِ الَّتِي

رُصِدَتْ لَهَا فَتَقَاسَمَتْهَا الأسْهُمُ

وَعَلَى الأَرَاضِي قَدْ تَعَدَّوا فَادَّعُوا

مُلْكِيَّةً فَالصَّكُ بِيْعَ وَيُخْتَمُ

يَسْتَورِدُونَ بِضَاعَةً مَغْشُوشَةً

فِتُبَاعُ فِي أَسْواقِنا وَتُعَمَّمُ

وَالفَاسِدُونَ إِدَارَةً وَوَظِيْفةً

وَعَلَى قَرابَتِهِمْ بِذَلِكَ أَنْعَمُوا

وَمُسَوِّقُو شُرْباً وَأَغْذِيَةً لَنَا

لَيْسَتْ بِصَالِحَةٍ إِذَا هِيَ تُطْعَمُ

وَمُزَوِّرُو التَّوظِيْفَ سَعْوَدَةً مَضَوا

فِي نَصْبِهِم هَذَا لِكَي يَسْتَقْدِمُوا

أَخْبَارُهُمْ في مَوطِنِي حَرَّرْتُهَا

بِتَسَاؤُلاتٍ فِي مَقَالٍ تُفْهَمُ

مَرَّتْ مُرُوراً لا يُثِيْرُ تَعَجُّباً

فَضْلاً عَنْ التَّأْثِيْرِ وَهْوَ المُؤْلِمُ

تُنْسَى فَيأتِي غَيْرُهَا مِنْ غَيْرِهِمْ

وَالكُلُّ مِنْ تَبِعَاتِ ذَلِكَ يَسْلَمُ

يَا أَيُّهَا المُحْتَجُّ هَذَا مَسْلَكٌ

قَدْ خَصَّنَا فَإِلَى مَتَى نَتَكَلَّمُ؟

أَتَظُنُّ أَنَّكَ بِاحْتِجَاجِكَ كَاشِفٌ

لِفَسَادِ مَنْ فَسَدُوا بِنَا فَيُقَلِّمُ؟

يَا صَاحِبِي رَاقَ الفَسَادُ لِمَنْ رَأَوا

وَجْهَ النَّزَاهَةِ بَعْدُ لا يَتَجَهَّمُ

كَمْ قِصَّةٍ وَقَضِيَّةٍ ضَاقَتْ بِهَا

آمَالُنَا مِنْهَا بِهَا نَتَأَلَّمُ؟

عيسى راشدالهاجري

Copy link