أقلامهم

علي الظفيري: كان العقد الماضي عقدًا شيعيًا بامتياز بفضل سياسات الولايات المتحدة الأميركية.

الأمة العربية الأميركية
علي الظفيري
النيوليبرالية العرب على حق، وهي دائما على حق في ما تذهب إليه، وعلينا واجب الاعتذار لها عن كل إساءة طالتها منا، بل إن أقل ما يمكن فعله إعادة الاعتبار لكل مؤسساتها بعد الإهانات التي تعرضت لها، صحفها المحلية والدولية، مجلاتها، قنواتها، ما يمكن تسميته بمراكز أبحاثها، دموعها الذي بذلتها من أجل رفعة الأمة، وأن تكون قلاع النيوليبرالية وجهة كل باحث عن الحقيقة، مناضل من أجلها.
إن كل ما قدمته هذه الظاهرة القشرية في العقدين الماضيين، لا يتجاوز تقديس واشنطن وسياساتها العربية الشرق أوسطية، والتحالف مع الاستبداد، والتبرير للطائفية في المنطقة، وهذا يثبت نجاعته في بلادنا يوما بعد يوم، السياسات الأميركية عمود الخيمة في هذه البلدان المتناثرة على الأرض العربية، الكل يسبح في فلك أميركا، يعاديها ويعول عليها، وواشنطن جاهزة دائما للمساعدة، يدرك البيت الأبيض جيدا أن طريق الاستبداد والطائفية يؤدي إليه، ويبقي نفوذه وهيمنته والحاجة له في المنطقة، ولذلك خصص كل دعمه لإبقاء هذه الطريق سالكة، للسياسيين ورجال الدين والإعلاميين، وكل طالب للعون.
بعد الثورة الإيرانية كان الفرس هم العدو، وكانت أميركا بصفنا ضد الثورة التي تتربص بنا، تحمي خليجنا الضعيف، وتدافع عن عراقنا الأبي في حربه المقدسة، لكنها أيضا –وفي الوقت نفسه- كانت تدعم العدو بالسلاح، انتبهت إدارة الرئيس ريغان لحاجة الإيرانيين لسلاح نوعي في المعركة، فكانت فضيحة إيران «جيت»، التي زودت الولايات المتحدة فيها إيران بصواريخ «تاو» مضادة للدروع وصواريخ هوك أرض جو مضادة للطائرات، المهم أن أميركا كانت معنا جميعا، أبوابها الأمامية والخلفية مشرعة للكل، وحدث هذا في عام تسعين، حين قرر صدام غزو الكويت، يومها لم تسمح له الولايات المتحدة بذلك، لكنها لم تمنعه، وهي القادرة والعارفة بكل شيء، وبعد أن حررت الكويت من ذلك الاحتلال، سمحت لصدام حسين بقمع ما يسمى الانتفاضة الشعبانية في جنوب العراق، لكنها لم تتوقف عن دعم المنتفضين واحتضانهم ورعايتهم حتى اليوم الموعود، وعودة المهدي المنتظر على ظهر دبابة أبرامز الشهيرة.
لم تتأخر النصرة الأميركية، في مطلع العام 2003 عادت الولايات المتحدة من جديد، وبالعمامة السوداء هذه المرة، وجاء معها الرفاق خامنئي وسيستاني والحكيم والصدر ونصرالله، والهدف كان الطاغية السني الذي يحكم العراق، وقد كانت المرة الأولى التي نكتشف فيها مذهب الديكتاتور العراقي، ولم يكن الهدف إسقاط الديكتاتور، بل مذهبه، بحجة حقوق المذاهب الأخرى في بلاده، طبعا هناك من يروج اليوم أن حزب الله لم يكن موافقا بالكامل على كل ما جرى، وهي محاولة فاشلة لتعريف الحزب خارج منظومة الحرس الثوري الإيراني، أو إيجاد مسافة مفترضة –ومحترمة– تفصله عن سياسات المرشد الأعلى، وكان العقد الماضي عقدا شيعيا بامتياز بفضل سياسات الولايات المتحدة الأميركية، وانتهازية الشيعية السياسية في المنطقة وقصر نظرها وطائفيتها، فقد تخيلت أنها ستغنم هذه البلاد وتتفرد بها، دون أن تفكر لحظة واحدة بمشروع دولة محترمة يتساوى جميع مواطنيها، حزب الله في لبنان ضد تفكيك المشروع الطائفي الحاكم في البلد، كيف يفعل ذلك وهو الحزب «الطائفة» الأقوى، ومعظم الشيعة يتابعون خطابات زعيمه عبر الشاشة ببلاهة غير مسبوقة، والمالكي والشيعة في العراق يفعلون الأمر ذاته، وهذا كله لم يعد بالنفع على الشيعة كأفراد ومواطنين، بل بالخراب والكراهية والخوف الدائم، كما هي الحال في جنوب العراق، وجنوب لبنان الأسير في قبضة الحزب الإيراني المقاوم.
آلام هذا العقد وجراحه لا يمكن تجاوزها، كانت تزرع في النفوس الأخرى ألما تحول مع مرور الزمن إلى حقد وكراهية، ولما ثار الشعب السوري على الاستبداد والطاغية، اكتشفنا ثانية –وللمرة الأولى– مذهب الديكتاتور، كان علويا في رعاية الحاضنة السياسية الشيعية، فارتبك المشهد بسرعة، تغيرت المعادلة على نحو غريب، كنا نحارب الاستبداد من أجل نظام بديل ونقيض له، فأصبحنا لا نهتم لفكرة الاستبداد والمستبد، بل نتحالف معه، وأصبحنا نحارب الطائفة لإحلال طائفة بديلة، ومن أجل هذا تكون دعوات النفير والجهاد، ومرة أخرى نعود للصواريخ الأميركية، التي يدرس البيت الأبيض الكمية والنوعية والآلية الملائمة لتوزيعها علينا، مرة أخرى ينصرنا الكونغرس على عدونا، كما فعل مع عدونا من قبل!
غريب! لم يصرخ بعد أحدهم، أوباما يا عقالي!