مجتمع

انطلاق الندوة الدولية الثالثة لمجلة أوقاف الكويتية في الرباط

انطلقت أمس الندوة الدولية الثالثة لمجلة أوقاف الكويتية بالعاصمة المغربية الرباط تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس ملك المملكة المغربية الشقيقة، تحت عنوان (الاستثمارات الوقفية بين المردود الاجتماعي والضوابط الشرعية والقانونية)، وعقد حفل الافتتاح بقاعة المؤتمرات بفندق سوفيتيل في الرباط بحضور ممثل جلالة الملك محمد السادس معالي وزير الأوقاف والشئون الإسلامية في المملكة المغربية الشقيقة السيد أحمد التوفيق، ولفيف من المسؤولين المغاربة والشخصيات العامة والعلماء والمختصين من أنحاء العالم الإسلامي، وممثلي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، والبنك الإسلامي للتنمية، ومؤسسة دار الحديث الحسنية، وتضمن كلمات ممثل راعي الحفل وكلمة الأمين العام للأمانة للأوقاف بدولة الكويت وممثل البنك الإسلامي للتنمية بجدة.
حيث قال الجارالله الخرافي في كلمته  أمام الحفل:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،،،
أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
معالي الأخ الفاضل أحمد التوفيق ” وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية الشقيقة”
سعادة الأخ الفاضل أ.د. أحمد الخمليشي “مدير دار الحديث الحسنية”
حضرة الأخ الفاضل د.محمد عزمي “ممثل المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب ” في البنك الإسلامي للتنمية.
حضرة الأخ الفاضل محمد الكوراري “مدير عام الأوقاف بالمملكة المغربية الشقيقة”
حضرة الأخ الفاضل أ.د. محمد عبد الغفار الشريف الأمين العام السابق للأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت رئيس التحرير السابق لمجلة أوقاف.
حضرة الأخ الفاضل منصور خالد الصقعبي نائب رئيس اللجنة التحضيرية للندوة مدير إدارة الدراسات والعلاقات الخارجية في الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت.
السادة والسيدات العلماء الضيوف الكرام.
لقد تحقق بحمد الله وتوفيقه عبر تكليف دولة الكويت ممثلة بالأمانة العامة للأوقاف بدور “الدولة المنسقة لجهود الدول الإسلامية في مجال الوقف” في المؤتمر السادس لوزراء أوقاف الدول الإسلامية الذي انعقد بالعاصمة الإندونيسية جاكرتا في أكتوبر 1997م، إنجاز العديد من المشاريع الوقفية على مستوى العالم الإسلامي حتى وصلت إلى اثني عشر مشروعا.
وتعد مجلة “أوقاف” أحد أهم واجهات مشاريع “الدولة المنسقة” للوقف في العالم الإسلامي، حيث بدأت انطلاقتها الرسمية في سنة 2001 بصدور عددها الأول باعتبارها مجلة بحثية علمية محكّمة نصف سنوية، متخصصة في مجال الوقف والعمل الخيري، وتعتمد النشر باللغات العربية والانجليزية والفرنسية. وأضحت بذلك وحسب علمنا المتواضع الدورية العربية المحكمة الأولى والوحيدة المتخصصة في موضوع الوقف والعمل الخيري.
لقد انطلقت مجلة أوقاف من قناعات فكرية مفادها: أن للوقف – باعتباره مفهوما وتجربة-إمكانات تؤهله للمساهمة الفعالة في إدارة حاضر المجتمعات الإسلامية، ومجابهة التحديات التي تواجهها.
وانطلاقا من هذه القناعات الفكرية، اتضحت لدى الأمانة العامة للأوقاف الأهداف التي تسعى لتحقيقها من خلال المجلة والمتمثلة فيما يلي :-
1. إحياء ثقافة الوقف.
2. تكثيف النقاش حول الإمكانات العملية للوقف في المجتمعات المعاصرة.
3. استثمار المشاريع الوقفية الحالية، وتحويلها إلى منتج ثقافي فكري يتم عرضه علميا بين المختصين
4. تقوية الجسور بين فكر الوقف، وموضوعات العمل التطوعي، والمنظمات الأهلية.
5. إثراء المكتبة العربية في إحدى موضوعاتها الناشئة.
الحضور الكرام
لقد تحققت للمجلة – بفضل الله تعالى- منذ صدورها مخرجات عديدة أبرزها:
1- صدور خمسة  وعشرين عدداً لمجلة أوقاف حتى نوفمبر 2013م.
2- تدشين الموقع الالكتروني للمجلة على شبكة المعلومات الدولية(الانترنت).
3- عقد الندوة الدولية الأولى لمجلة أوقاف بدولة الكويت في الفترة من 13-15 أبريل 2008م تحت شعار “الوقف والعولمة…استشراف مستقبل الأوقاف في القرن الحادي والعشرين”.
4- تنظيم الندوة الدولية الثانية لمجلة أوقاف بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة بالتعاون مع جامعة زايد تحت 
شعار “الوقف والتعليم: تجارب رائدة” وذلك في الفترة من 27-28 مارس 2011م.
1- وأخيرا وليس آخرا انعقاد الندوة الدولية الثالثة لمجلة أوقاف بالتعاون مع “دار الحديث الحسنية” في المملكة 
المغربية الشقيقة في الفترة من 24-25 مارس 2014م تحت شعار “الاستثمارات الوقفية بين المردود الاجتماعي والضوابط الشرعية والقانونية”، وهي خطوة من خطوات تطوير موضوعات النشر العلمي، والدراسات، والبحوث المتعلقة بالوقف من خلال التواصل مع المجلات العلمية الصادرة عن الجامعات، والمراكز المتخصصة في العالمين الإسلامي والغربي، ومن الجدير بالذكر أن أوجه التعاون في مجال الوقف بين دولة الكويت والمملكة المغربية الشقيقة قد تعددت من خلال مساهمة باحثيها الأكفاء في كل مؤتمرات الأمانة العامة للاوقاف وملتقياتها، وتأليف أبحاث مجلتها ‘أوقاف’ وتحكيم كثير من أبحاثها.
أما الروائع الوقفية للأمة المغربية ..فلي معها وقفة بل وقفات إن  الأمة المغربية – في سائر عهودها- – وبلا مجالة – نموذج يحتذى في وقف الأوقاف واختيار النافع منها في زمنها؛ فقد تزامن الوقف في المغرب مع الفتح الإسلامي، وشهد بذلك التاريخ ونطق، فها هو الصحابي الجليل القائد الفاتح لبلاد المغرب “عقبة بن نافع رضي الله عنه”، أول من أوقف الأوقاف ببنائه مسجدين في المغرب، ومن بعده اجتهد الولاة والمسلمون من أهلها في وقف الأوقاف، حتى أصبح من النادر أن يخلو حيٌ أو زقاق في المغرب من مسجد أو وقف يخدم دين المغاربة ودنياهم .
 
   لله دركم أهل المغرب، فقد بنيت في بلادكم منذ بداياتها المساجد وشيدت المباني الوقفية من بيمارستانات ومدارس وحوانيت وفنادق وحمامات ومساكن للمساكين وأسبلة وسقايات وأفرانو وغيرها كثير.
    
فلا تكاد تجد مسجدا في المغرب إلا وقد حبست له الأحباس، فعلى سبيل المثال لا الحصر بلغت أوقاف الجامع الأعظم في مكناس في عام 1116هـ، 239 حانوتاً، وخمسة فنادق، و 15داراً، وحمامان ، و3 معاصر ، وكوشة  لتصنيع الجير.
الإخوة الكرام ليس هذا فحسب، بل هي أوقاف متنوعة خدمت الجامع الأعظم لسنين عديدة وعهود مديدة، في مقدمتها مكتبة المسجد الأعظم الوقفية التي تعد أقدم خزانة للكتب المخطوطة بالمغرب ولا تزال قائمة إلى الآن … وكذلك سائر المساجد في المغرب .  
     
فقد شهد التاريخ روائع وقفية، ونماذج حبسية كانت وما زلت مثالاً يحتذي، فقد وصف صاحب المعجب المستشفى الذي بناه يعقوب المنصور الموحدي قائلاً : ” وبنى بمراكش بيمارستان ما أظن أن في الدنيا مثله “.
   
وللأحباس المغربية منذ القدم أبعادها العالمية التي تنبض بالشعور بالمسؤولية الدينية تجاه المقدسات الإسلامية، فمن روائع أوقاف المغرب أن أوقفت الأوقاف للصرف على الحرمين الشريفين في ( مكة والمدينة) وعلى فقراء الحرمين ورعاية الحجيج.
    
ومن روائع الأوقاف في القدس حي المغاربة، ذلك الحي الوقفي الشاهد على عطاء أهل المغرب وأعيانها وحرصهم على شد الرحال للمساجد الثلاثة ومجاورتها؛  والذي كان فيه قبل أن تهدمه الآلة العسكرية للاحتلال الصهيوني أربعة جوامع، والمدرسة الأفضلية وأوقاف أخرى أضحت في ذاكرتنا ألما لا ينسى ؛ بعد أن كانت أوقافاً إسلامية عامرة، وأطلق عليها الآن (ساحة المبكى) بعد أن دفنوا تاريخ حارة وقفية إسلامية شهدت على بذل وعطاء أهل المغرب. 
    
أما الاشراقات الحضارية العلمية فلها من تاريخ المغرب أجمل الحظ والنصيب، فمن روائع الأوقاف في المغرب في مجال التعليم العالي الكراسي العلمية، التي كانت ظاهرة تربوية تعليمية تميزت بها الجوامع والمدارس في المغرب، وبلغ حرص أهل المغرب في المحافظة على المدارس أنهم كانوا ينقشون الموقوفات على رخام كان يبنى في جدرانها حفاظاً على استمرار إنفاقه عليها  .
   
و من روائع الأوقاف في المغرب جامع القرويين في فاس ، وهو من أقدم أوقاف نساء المغرب الإسلامي، بنته فاطمة بنت محمد الفهري عام 245هـ / 859م؛ وهو من أعرق وأقدم المؤسسات العلمية، وأصبح فيما بعد جامعا وجامعة ومركزا للنشاط الفكري والثقافي والديني قرابة ألف سنة.
   
ولم تكن الأوقاف العامة في بلاد المغرب فقط، بل العجيب ما يتخصص بشكل دقيق لأغراض معينة يدل على الاقتدار الإداري والتمكن الكبير. فقد شهد التاريخ روائع في الوقف بذلها الخيرون من أهل المغرب ، حيث كان بمَرَّاكش بالمغرب مؤسسة وقفية تُسمى “دار الدُّقة”، وهي ملجأ تذهب إليه النساء اللاتي يقع بينهن وبين أزواجهن نفور، فلهن أن يقمن آكلات شاربات معززات مكرمات إلى أن يزول ما بينهن وأزواجهن!
     
وفي فاس وقف يحمل اسم (دار الشيوخ)، وكانت معدة لتعريس المكفوفين الذين لا سكن لهم ، فكلما اقترن كفيف بنظيرته أقاما بهذه الدار مراسيم الزفاف، وتمت مساعدتهم في المصاريف.
ووقف العُميان في مراكش يروى عنه – جان وجيروم تارو – الكاتبان الفرنسيان في رحلتهما إلى مراكش، أن في المدينة ملجأ لا يوجد مثله في الدنيا بأسرها، وهو بناء يكاد يكون بلدة، وله ساحة يكاد الطرف لا يأتي على آخرها، وفي هذا الملجأ ستة آلاف أعمى ينامون ويأكلون ويشربون، ويقرأون ولهم أنظمة وقوانين وهيئة إدارة وصندوق خيري…  
    
ومرة أخرى لله ذركم يا اهل المغرب، لقد تجاوزت أوقافكم رعاية الإنسان إلى رعاية المخلوقات الأخرى مما فيها روح تستحق الرحمة. فمن الروائع وقف الطيور المهاجرة ، وهو وقف في مدينة فاس خصص على نوع من الطير يأتي في موسم معيَّن ليعبر إلى مكان آخر، فوقف له بعض الخيِّرين ما يعينه على البقاء، ويسهِّل له العيش في تلك المدَّة من الزمن ؛ وكأن هذا الطير المهاجر الغريب له على أهل البلد حقَّ الضيافة والإيواء!!
     
كما تجاوزن الأوقاف المغربية الحاجات المعيشية الأساسية من الطعام والشراب إلى الكماليات من وسائل الصحة العامة، فوقف دفع أجرة الحمّام، هو وقف أوقف في بلاد المغرب، على مَن يريد دخول الحمَّامات العامَّة ولا يجد أجر الحمَّام، فيأخذ من هذا الوقف ما ينظِّف به جسده.
     
وأوقاف الملابس والأغطية، حيث وجد هذا النوع من الأوقاف – الملابس والأغطية- بالمغرب وبحجم مهم ويكفي أن بمدينة تطوان وحدها عدة أوقاف خصصت للملابس والأغطية .
  
ولم ينس الوجدان المغربي المرضى وأصحاب العاهات والغرباء الفقراء الذين ليس لهم أقارب يقومون بأمرهم،  فقد وجدت أوقاف ذات حجم كبير جداً لمصلحة هؤلاء بالمدن والقرى المغربية، فمثلاً: وجد بفاس  ربض خاص بالمجذومين يحتوي على مائتي منزل تحت إشراف رئيس الربض المكلف بجمع مداخيل الأوقاف الخاصة بهؤلاء على توفير حاجاتهم المختلفة.
    
وقد نص أكثر من مؤرخ على اهتمام الوقف بحفظ النسل من خلال التزويج فقال الونشريسي: “وتناولت الأوقاف تزويج الأيامى والأبكار اليتيمات”.
لكل هذا نشد على أيديكم إخواننا الكرام في بلاد المغرب الشقيق في حماية موروثكم الإبداعي والحضاري في الوقف الإسلامي، والذي عجزت عن مجاراته أمم الأرض حينما كان في أوجه، لذا حاربه الاستعمار وعمل على إضعافه وإلغائه.
    
فالوقف الإسلامي؛ مشروع لنهضة الأمة، وعودة عزها، وقوتها، ومكانتها، وإحياء سنته ونشرها وترسيخها في الأمة هو استئناف لمسيرة الحضارة الإسلامية المجيدة ودفع للأمة إلى منزلة خير أمة أخرجت للناس، وهو الذي أنتج – بتطبيقاته ومؤسساته –  حضارة إسلامية لا تزال بعض آثارها العملية ماثلة أمام أعيننا .
 
فكم خرَّجت مدارسه العلماء والفقهاء!، وكم حفظت مكتباته الذخائر والمخطوطات! وكم رعت نزله المسافرين! وكم أطعمت تكاياه المنقطعين!، وكم عالجت مشافيه المرضى!، وكم قدمت صيدلياته العقاقير والأدوية!، وكم نسجت مشاغله الكساء والأغطية!، وكم آوت ملاجئه الأيتام والعجزة!، وكم سقت آباره الإنس والطير والبهائم!، وكم حفظت عطاءاته كرامة الإنسان وصانته عن ذل السؤال!، وكم كفلت إيراداته طلبة العلم!، وكم عالجت مؤسساته المشكلات الاجتماعية والظواهر المستشرية!  .
 
ولا يسعني قبل الختام إلا أن ألهج بالحمد والثناء لله سبحانه وتعالى الذي يسّر لنا عقد هذه الندوة المباركة، كما أتوجه بجزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى راعي الندوة جلالة الملك محمد السادس ملك المملكة المغربية الشقيقة حفظه الله، وإلى جميع العاملين في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية وعلى رأسهم معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد التوفيق، ومدير عام الأوقاف السيد محمد الكوراري، كما أشكر “دار الحديث الحسنية” ورئيسها أ.د.أحمد الخمليشي على احتضانهم هذه الندوة، و”البنك الإسلامي للتنمية” الذي يعدّ الشريك الأساسي في تنفيذ عدد من مشاريع الدولة المنسقة “دولة الكويت”، وإلى كل من أسهم في إنجاح عقد هذه الندوة من الأفراد والمؤسسات، وإلى الضيوف والعلماء الذين لبوا الدعوة، وتجشموا عناء السفر، وشرفونا بحضورهم ومشاركتهم.
كما لا أنسى بالشكر الجزيل “اللجنة العلمية للندوة” الموقرة، و”اللجنة التحضيرية للندوة” من الإدارات المختلفة للأمانة العامة للأوقاف وعلى رأسها الأخت الفاضلة السيدة إيمان محمد الحميدان التي اعتذرت في آخر لحظة عن الحضور لعارض صحي طارئ، ولعل آثار جهودها الطيبة وإخوانها وأخواتها في اللجنة التحضيرية للندوة حاضرة ماثلة. 
كما أشكر الحفاوة البالغة التي حضينا بها  كل من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وسفارة الكويت في الرباط. 
كما أشكر كل من أسهم ويسهم في نشر فكرة الوقف، ونسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتهم. والحمد لله رب العالمين .
      
كما لا يسعني في الختام إلا أن أؤكد لكم أيها الأحباب في بلاد المغرب الشقيق أنه والله ما أخرجنا من ديارنا وقطعنا آلاف الأميال حتى وصلناكم إلاّ المحبة ..