برلمان

حول الطعن بعدم دستورية المادة ١٦ من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة

كتاب أستاذ القانون الدستوري الدكتور فواز الجدعي مقالاً مختصراً ومبسطاً “لفهم ما يدور حول الطعن بعدم دستورية المادة ١٦ من اللائحة الداخلية، ولم تتخذ هذه المقالة اسلوب البحث العلمي ولا مذكرات الطعون والدفاع”.

وجاء في المقال:

بعد صدور حكم محكمة التمييز في قضية دخول مجلس الأمة حكم بالسجن على العديد من أعضاء مجلس الأمة السابقين والحاليين وبعض الشباب، ومن بين هؤلاء النائبين د. جمعان الحربش، د. وليد الطبطبائي فقد صدر بحقهما حكم بالسجن مدة ثلاثة سنوات وستة أشهر وبالتالي تم تفعيل حكم المادة ١٦ من اللائحة الداخلية والتي تنص على “إذا فقد العضو أحد الشروط المنصوص عليها في المادة 82 من الدستور أو في قانون الانتخاب أو فقد أهليته المدنية سواء عرض لـه ذلك بعد انتخابه أو لم يعلم إلا بعد الانتخاب أحال الرئيس الأمر إلى لجنة الشؤون التشريعية والقانونية لبحثه، وعلى اللجنة أن تستدعي العضو المذكور لسماع أقواله إذا أمكن ذلك على أن تقدم تقريرها في الأمر خلال أسبوعين على الأكثر من إحالته إليها”. ولم ينل التصويت الأغلبية اللازمة لإسقاط عضوية الأعضاء وبالتالي بقيت تلك العضوية لا مساس فيها.

الأمر الذي حدا بشخصين بالتقدم بطعون دستورية بالطعن المباشر مدعين بعدم دستورية المادة ١٦ من اللائحة لمخالفتها المادة ٨٢ من الدستور والمادة ٢٩ بتمييز أعضاء عن باقي المواطنين بتقرير هذه الميزة وعدم تنفيذ الأحكام القضائية.

1- اللائحة الداخلية لمجلس الأمة:

إن اللائحة الداخلية لمجلس الأمة لها طبيعة خاصة فهي تقرر آلية العمل في المجلس ولجانه وقد قرر الدستور أن تكون لهذه اللائحة طبيعة خاصة وهي أن تصدر “بقرار من المجلس” وليس بقانون أو مرسوم بقانون أو مرسوم. والمحكمة الدستورية لا تختص إلا بالفصل في صحة القوانين أو المراسيم بقوانين أو المراسيم ولا تختص بفحص قرارات مجلس الأمة وأعمالها.

ومن مطالعة محاضر لجنة صياغة الدستور يتبين أن المشرع الدستوري قد قصد بشكل لا يدع مجالا للشك أن تصدر اللائحة الداخلية بهذه الآلية بعيدا عن الأدوات التشريعية العادية وهو ما يخرجها بالتبعية من رقابة الدستورية حيث أنها ليست من بين الأمور الداخلة في اختصاص المحكمة.

فقد ورد في جلسة لجنة صياغة الدستور رقم ١١ المنعقدة بتاريخ ٥-٦-١٩٦٢ التالي:

كان الدكتور عثمان خليل عثمان يقرأ المواد وعند وصوله للمادة ١٢٠ (وكان هذا رقم المادة ١١٧ وقت النقاش قبل جعلها المادة ١١٧)

“مادة ١٢٠: توضع بقانون لائحة مجلس الأمة الداخلية متضمنة نظام سير العمل في المجلس ولجانه وأصول المناقشة والتصويت والسؤال والاستجواب وسائر الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور وللمجلس أن يضع الأحكام التفصيلية المكملة لتلك اللائحة.

الأستاذ محسن عبد الحافظ: … أرجو النص على أن اللائحة الداخلية تكون بقرار من المجلس. وليس بقانون لأن ذلك من اختصاص المجلس وحده ولا يجوز للسلطة التنفيذية التدخل فيه”

د. عثمان خليل: لا بأس. كما أنني أود إضافة العبارة الآتية للمادة: (وتبين اللائحة الداخلية الجزاءات التي تقرر على مخالفة العضو للنظام أو تخلفه عن جلسات المجلس أو اللجان بدون عذر مشروع)

الأستاذ محسن عبد الحافظ: ارجو كذلك إضافة حق المجلس في اسقاط عضوية أعضائه.

د. عثمان خليل: لا. هذا شيء مكروه وكان منقدا في دستور ١٩٢٣ فالعضو ينتخب من الشعب ويمثل الشعب فكيف يقوم المجلس بإسقاط عضويته وهو لم يمنحها له من قبل.

الأستاذ محسن عبد الحافظ: هذا شيء لابد منه حتى لا يخرج عضو من أعضاء المجلس على جميع القوانين الموضوعة.

(موافقة على المادة بعد التعديلات التي اجراها السيد/ الدكتور عثمان خليل ورفض اقتراح السيد/ الأستاذ محسن عبد الحافظ)”

وهذا النقاش في لجنة صياغة الدستور توضح بما لا يدع مجالا للشك أن المشرع الدستوري ذهبت رغبته أن تصدر اللائحة الداخلية لمجلس الأمة بألية مختلفة عن باقي التشريعات فلا تكون بقانون ولا بمرسوم بقانون ولا بمرسوم وإنما بقرار من مجلس الأمة.

ولكن تمت مخالفة رغبة المشرع الدستوري بشكل واضح وصدرت اللائحة الداخلية لمجلس الأمة بالقانون رقم ١٢ لسنة ١٩٦٣.

ولكن صدور اللائحة الداخلية بهذه الآلية لا يغير من طبيعتها والتي تدخل في صميم تكوين البرلمان الداخلي وهي ليست تشريعات عادية يصدرها البرلمان لتسري في الكيان القانوني للدولة.

وقد ذهب الدكتور عادل الطبطبائي في كتابه النظام الدستوري في الكويت ص٨٦٧

“…- واما أن تصدر اللائحة الداخلية بقرار من المجلس التشريعي نفسه وهذا هو الأصل لأن المجالس التشريعية هي صاحبة الاختصاص الأصلي في وضع لوائحها الداخلية وهو الأمر الذي يتفق مع تقاليد العمل الديمقراطي من أن يكون لكل مجلس تشريعي الحق بوضع لائحته الداخلية وتعديلها بقرار منه يصدر بإرادته المنفردة ودون تدخل من الحكومة. سار الدستور الكويتي في الاتجاه الثالث فقد نصت المادة ١١٧ منه على …، ويحمد للمشرع الدستوري الكويتي تبنيه هذا الاتجاه لأنه يترك للمجلس مجالا رحبا لتنظيم شئونه الداخلية دون أن يتدخل من الحكومة ويحفظ له استقلاله تجاهها.

ولما كانت أداة وضع مجلس الأمة للائحته الداخلية هي صدور قرار منه وبذلك يتمكن متى شاء أن يعدل هذه اللائحة أو يلغيها ويضع بدلا منها لائحة أخرى إن رأى أن مقتضيات حسن سير العمل لديه تستلزم ذلك.

وعلى الرغم من أن الدستور الكويتي قد ترك الحرية لمجلس الأمة الكويتي بوضع لائحته الداخلية فإن المجلس اختار بإرادته أن يضع لائحته الداخلية بقانون وبذلك قيد المجلس نفسه بنفسه كما أخضع رغبته في تعديل لائحته الداخلية أو تغييرها الى ضرورة اتباع الإجراءات المتطلبة لاصدار القوانين…

ولا يغير من ذلك أن طبيعة هذا القانون تختلف عن طبيعة بقية القوانين التي يصدرها المجلس والتي تتضمن عادة قواعد قانونية ترتب اثرها خارج مجلس الأمة وبعيدا عن نشاطه وأعمال لجانه، في حين ان اللائحة الداخلية تتضمن سير العمل في المجلس أو لجانه”.

ثم ذهب الدكتور عادل لعدم جواز أن تصدر اللائحة الداخلية بقانون لأنه يؤدي للتأثير على استقلالية البرلمان والتدخل الحكومي بسير اعمال البرلمان، بل وشكك بدستورية اللائحة الداخلية بهذا الشكل لرغبته بإحاطتها بالمزيد من الضمانات والاستقلالية.

ومن هنا نستطيع القول بأن بسبب الطبيعة الخاصة للائحة الداخلية فإنها ليست من بين التشريعات التي يجوز الطعن عليها أمام المحكمة الدستورية باعتبار أنها تدخل في التكوين الداخلي لمجلس الأمة بغض النظر عن الأداة التي صدرت بها.

2- اسقاط العضوية:

تعطي العديد من الدساتير واللوائح الداخلية للبرلمانات أن يكون للمجلس سلطة التصويت على اسقاط عضوية الأعضاء من عدمه فعضو البرلمان ممثل عن الأمة ولا يسقط عضويته سوى قرار من مجلس الأمة وممثلي الأمة، فعضو البرلمان قد يكون أكثر من غيره عرضة للمواجهات القضائية بسبب طبيعة عمله والتزاماته الدستورية.

وهناك العديد من الفقهاء الذين أيدوا هذا التوجه من المشرع الدستوري أو اللائحي لمجلس الأمة.

فقد ذهب دكتور عبدالفتاح حسن للقول في كتابه مبادئ النظام الدستوري في الكويت ص ٢٧٤

” قد يحدث أثناء فترة العضوية أن يفقد العضو أحد شروط العضوية أي أحد الشروط التي يجب أن تتوافر في المرشح لعضوية المجلس (ويلاحظ أنه من بين هذه الشروط أ٫ تتوافر في المرشح شروط الناخب) كأن يدان في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة أو أن تسحب عنه الجنسية الكويتية لأي سبب من الأسباب. أو قد يحدث أن يظهر أن أحد الأعضاء كان فاقدا منذ البداية لأحد هذه الشروط ولم يطعن أحد في عضويته أو طعن في عضويته وقرر المجلس خطأ رفض الطعن، لعدم وجود الدليل الكافي الذي ستند هذا الطعن وقتئذ، ثم ظهر هذا الدليل اثناء العضوية فقطع الشك باليقين.

في مثل هذه الحالات لا تسقط العضوية آليا عن العضو بل يحتاج الأمر إلى قرار يصدر من المجلس باسقاطها وهو ما يميز الصورة التي نحن بصددها (اسقاط العضوية) عن الصورة التي سوف يرد الحديث عنها (سقوط العضوية)”.

كما أن العديد من الفقهاء مثل د. عثمان عبدالملك ود. عادل الطبطبائي أوردا مبدأ اسقاط العضوية في حال فقد الشروط ولم يعلقا أو يشككا بدستورية تلك المسألة المتعارف عليها البرلمانات العريقة والنظم البرلمانية.

فالدساتير والنظم البرلمانية تضع قواعد مشابهة في حال صدور أحكام قضائية على الأعضاء أو فقدهم للشروط فإنه من غير المنطقي أن يتجرد العضو من عضويته دون قرار يتم اتخاذه من قبل البرلمان وطالما أن البرلمان يملك التصويت على المسألة فإنه يملك تقدير ما اذا أراد اسقاط عضويته العضو من عدمه فمن غير المنطقي أن يعطى المجلس سلطة ثم نقول أن سلطته مقيده بضرورة التصويت على نحو معين يتوافق مع مزاج معين دون الأخر. فطالما منح البرلمان حق التصويت على اسقاط العضوية فإنه يملك بالتبعية اسقاطها من عدمها ولا يصح القول بإلزامية اسقاط العضوية طالما وجد حكم يقضي بالحبس ولو أراد المشرع هذا التوجه لجعل صدور الحكم القضائي من بين حالات سقوط العضوية بشكل تلقائي لا اسقاطها، وهو ما توجهت اليه رغبة المشرع عبر تعديل المادة ٥٠ من قانون الانتخاب.

ففكرة منح البرلمان سلطة التصويت على اسقاط العضوية ليست بدعا من النظم البرلمانية كما أشرنا.

ج- الحكم الجنائي وأثره على العضوية:

إن صدور الحكم الجنائي كما في الحالة التي أمامنا ليست سببا في الاسقاط التلقائي للعضوية فصدور حكم على العضو شيء ونزع العضوية البرلمانية عن هذا العضو شيء أخر مختلف وهو ما يخلط البعض فيه. فالحكم الجنائي ينازع في حال عدم تنفيذه ولكن الحكم لا يتنازع فيه لمجرد رفض البرلمان عدم اسقاط العضوية. فالبرلمان قرر عدم اسقاط العضوية وهذا من صلاحيات المجلس، فيتبقى الان أمر تنفيذ الحكم بالحبس وكيفيته وهو أمر لا شكل منفصل بتاتا عن مسألة اسقاط العضوية.

وبالنسبة للقول بأن بهذه الحالة تم تعطيل أحكام القضاء نقول أنه ليس كل الأحكام الجنائية تطبق بشكل تلقائي، فالعفو الشامل يعطل الحكم الجنائي، وكذلك العفو الجزئي يعطل تنفيذه، بل يملك القاضي نفسه تعطيل أحكام الحبس الصادرة من المحاكم فهل نقول أن قيام القاضي بوقف نفاذ الحكم مصادرة للأحكام القضائية.

ومن باب أولى أن البرلمان يملك تلك الخاصية سواء عبر رفض رفع الحصانة أو عبر رفض اسقاط العضوية باعتباره ممثلا عن الأمة.

د- الفصل بين السلطات:

إننا أمام حالة تتكرس معها نظرية الفصل بين السلطات فنحن نتحدث عن اللائحة التي تنظم عمل البرلمان الداخلي، ونتحدث عن رفض البرلمان لاسقاط عضوية أعضاء منتخبين في هذا المجلس. ومن وجهة نظري في حال دخول المحكمة في هذه المسألة فإنه لم يعد هناك ما يحد عمل السلطات في تكوينها الداخلي ونظامها التكويني الذي لا يرتبط بالعامة ومصالحهم.

و- المصلحة والصفة:

الحالة التي أمامنا تتعلق بمادة تنظم عملية اسقاط عضوية العضو وهي المادة 16 من اللائحة الداخلية وفي حال قررت المحكمة اسقاطها فإن الكيان الداخلي لمجلس الأمة لا يوجد فيه تنظيم عملية اسقاط العضوية لحالات تأتي في المستقبل وقد تكون مغايرة للحالة التي أمامنا. فالسؤال ماهي مصلحة الطاعن في أن يتم ابطال نص المادة 16 من اللائحة الداخلية؟ والادعاء بأن له مصلحة ليخلو مقعد العضو وبالتالي تتم انتخابات تكميلية على المقعد هو قول أبعد ما يكون عن المصلحة التي يحميها القانون، لأن الطاعن بطعنه لا يحاكم دستورية المادة 16 وإنما رفض أثر هذه المادة عبر تصويت المجلس، وبمفهوم المخالفة لو قرر المجلس اسقاط عضوية العضو فلن يتم التنازع على دستورية المادة 16 وهو ما يثبت بأن النزاع الدستوري لا يدور حول مدى دستورية المادة وإنما تحول لطعن انتخابي يسعى صاحبه لخلو المقعد ليترشح بدلا عن هذا العضو.

فالطاعن يحاكم الأثار غير المباشرة للمادة 16 من اللائحة الداخلية وليس نص المادة مجردة عن التطبيق والملائمات.

والادعاء بأن للطاعن صفة باعتباره ناخبا في الدائرة التي حاز العضو على عضويتها يؤكد بأن الطعن هو طعن انتخابي وليس طعن دستوري يهدف لإلغاء مادة في اللائحة الداخلية لأنها لا تتوافق مع النظام الدستوري فالطاعن لا يسعى لاصلاح النظام الداخلي للمجلس بل يسعى وبشكل صريح للترشح وكل همه إزاحة العضو ليتنافس مع الأخرين على هذا المقعد، لذا الحديث هنا عن ملاءمات النص وتطبيقه وليس النص مجردا. لذا لا تتوافر للطاعن صفة لأن الطعن على قانون داخلي في المجلس وهو لا يملك هذه الصفة، كما أن المصلحة التي يحاول حمايتها لا ترتبط بنص المادة 16 إنما بملاءمات النص وتطبيقاته لذا لا تتوافر في الطاعن لا الصفة ولا المصلحة بشكل واضح.

نكتفي وسنقدم جوانب أخرى حول هذا الطعن في الأيام القادمة.

الوسوم