في محيط يسوده الشعور بالانكسار والقلق من البديهي أن يأتي الحس الشعري لدى دخيل الخليفة مفعما بالاغتراب، وأن يتحول هو نفسه إلى “كائن يسكنه الهروب”.. وهو إذ يكتب وسط محيط كهذا يجد نفسه ملزماً بأن يطلق العنان لذاكرته كيما تسترجع صور النشأة الأولى وما تلاها وما رافقها من صور العناصر السلبية التي عاشها في وطن بات يواجه فيه معضلة (البقاء والانتماء).
في ديوانه الرابع الذي أهداه للشعر أخيرا ” يد مقطوعة تطرق الباب” وجد الخليفة نفسه أسيراً لثنائية الموت والوطن، وقد كانت ذاته تشده قسراً (أو هكذا يبدو الأمر) نحو تصوير محنة البحث عن فضاء يستوعب حلمه وحزنه.. يقول في إحدى قصائد الديوان:
ثمة يدٌ مقطوعة تطرق الباب
وكعجوز غريب لبست وجهي بشكل عشوائي
أيقظت حلمي من نومه العميق
كان الوطن يتسرب من أصابعي المتخشبة
فجأة
وجدت الموت
يطلب مني إخلاء السنة الثانية والأربعين
دون احتجاج!
وقع الديوان في 108 صفحات جمع بين غلافيه 103 قصائد، واصل من خلاله الشاعر استكمال مشروعة الإبداعي الذي بدأه بـ ” عيون على بوابة المنفى” ثم “البحر يجلس القرفصاء” وبعد ذلك “صحراء تخرج من فضاء القميص”.
وقد تناول الخليفة في ديوانه الأخير إشكاليات عدة لذاته الشعرية / الإنسانية رصدها من خلال رؤية تتسم بالوحشة والاغتراب من منظور يضع مسافة بينها وبين الآخر:
ليس ثمة خوفٌ من الظلام الأبيض
الحرية ابتسامة على خرجْ
وحدها المدينة حالكة السواد
وأشباحها تشرب الدم
وبمثل هذه الروح المحاصرة يرصد الخليفة وجع الذات ويتلمس معاناتها فيما الشعور بلوعة الاغتراب ماثل أمامه، شاهد على أزمة الهوية المتمددة على مساحة واسعة من المجتمع الذي نشأ فيه وترعرع.
جاءت قصائد الديوان نتاج عامين، كتبها الخليفة بوجدان الشاعر “المهشم من الداخل، المهمش من الخارج” كما وصفه الروائي ناصر الظفيري.. ابتدأها بقصيدة “سجن” التي يقول في أولها:
كلما وضعت قلبي في قفص
وجدت بابه مفتوحاً
وأنا كائن يسجنني الهروب
ثم ينتهي إلى قصيدة “من أحاديث الموتى” التي يوائم الشاعر فيها بين الشيء ونقيضه.. فيجعل الموت ( نقيض الحياة) هو الأصل.. بينما الحياة أمر غير ذي قيمة إذا جرّدت من جوهرها الإنساني النبيل:
حينما نموت ينحني الشجر
ليس لأننا متنا
بل لأن الأصدقاء غابوا
الموت وحده يمنحنا الرفاهية
نحلق في الأعالي
نقبّل حبيباتنا في شارع سماوي
دون أن ينهرنا أحد
هناك
لكل ميت وظيفة حرة
ميت يحلب السحاب
وآخر يرتب أجنحة الأطفال
بينما أرواح النسوة
ينتظرننا على شرفة القمر.



أضف تعليق