فن وثقافة

د.علي العنزي يكتب عن مجموعتها "يسقط المطر.. تموت الأميرة"
منى الشمري.. تعيد الكويت حفنة من الألوان االقزحية

نحو ألق ثقافي / يسقط المطر.. تموت الأميرة


د. علي العنزي *


هذه هي القاصة منى الشمري في مجموعتها القصصية الجديدة… تقدم لقرائها مجموعة من الأقاصيص التي تستعيد نشوة الزمان الجميل؛ حينما كانت الكويت حفنة من الألوان القزحية.
نعيش مع إصدار منى الجديد (يسقط المطر… تموت الأميرة) مَلَكَةً قصصية ساحرة، وقلم تربطه بالشعرية وشائج قربى عميقة، قادر على تغيير حالتك المزاجية والكيميائية، بمجرد إجالة النظر في معالم نصوصه، ومؤشراتها السياقية!
يشدك الغلاف بادئ ذي بدء… بانفتاحه الدلالي العارم، بمجرد أن تقع عليه عيناك؛ حيث وضعت في صدارة المجموعة، باب دميم لخرابة مروعة، كانت في سالف العصر منزلاً، تقشف، وانقطع الحوار معه…
يحدق المتلقي بصورة الباب الخراب، فيشف عن عوالم منى القصصية المسفوحة، وكأنها جوف مسرح يرتدي عتمة الليل!
آهات تزوبع، ولوعات عارية، وطريق عراء يشف عن جوهر الحياة التي نعيش… كلها تتوارى خلف هذا الباب!
نلفي مع الإصدار الجديد، استهلالاً بعنوان (السير حثيثاً إلى الأمس)، يليه 12 قصة قصيرة، تفغر كل واحدة منها، فجوة في ماضي الفحيحيل الذي يصبح أقل صداقة، كلما تقدم الزمن!
توقظ القصص «الصور العتيقة» مذ كانت منى صبية بريئة، تلهو مع صديقاتها على ضفاف شاطئ الكوت..
تقف منى «على الشاطئ… لتتحسس الصغيرة التي بداخلها».. فتأخذ قراءها في رحلة تموج منها رائحة الفحيحيل القديمة المتنائية داخلها!
تسللتني القصص الـ 12 الواحدة تلو الأخرى، ومع نهاية كل قصة، يتأكد الإحساس، بأن هذه المجموعة، تستحق أن نتقرّى تفاصيلها… حيث تتضمن كل قصة، بعداً جمالياً كامناً، اوألونا وتكوينات تشبه اللوحة التي تجبرك على الوقوف طويلاً أمامها!
تلاطمت القصص الـ 12 في رأسي، وتقدمت بي أجواؤها الغائمة، كدرج يفضي إلى فضاء بلا اتجاهات!
من دون سبب… لفتت انتباهي كثيراً قصة (يسقط المطر… تموت الأميرة) التي عنونت منى المجموعة بعنوانها، حيث كانت لا غرو أكثر القصص فغراً بداخلي..
ثمة صبية، من قرية الفحيحيل، تدعى (حياة)، شبت في الماضي الجميل، قبل أن تشوه أصباغ الحداثة وتقنيات التزويق أوجه الحياة.
تحدق في منزل (حياة)، الذي تسكنه مع والدتها ووالدها وشقيقها غانم، فتجده أشبه بـ«الزرائب الطينية» بحسب وصف المؤلفة.
إنه موحش، مغم، قابض للصدر، محاط بأسوار «خفيضة» تشبه بالنسبة للمتلقي، أسوار مقبرة، في يوم شتائي مُضِبّ يسوده الظلام!
نتأمل الصبية (حياة)، فنلفيها عليلة بالربو، «ابتسامتها مريضة، وجهها مكتنز بالحزن، وتبدو أكبر من عمرها»؛ إنها تنقطع كثيراً عن مدرستها مع حلول فصل الشتاء، بسبب ضيق تنفسها، الذي يعلو أزيزه كلما انهمر المطر!
ثم تعرج القصة، في خط متواز، لصوت ساردة الأحداث، وهي فتاة أخرى من فتيات الفحيحيل، كانت صديقة لـ (حياة) في ماضي الزمان.
لكن هذه الصبية، تعيش حياة حيوية سعيدة تنبض بالسلام؛ إنها تحب اللهو تحت رذراذ المطر، وهي – قطعاً – تعد الضد المعاكس للجانب الداكن من حياة (حياة)!
وبرغم تعاسة (حياة)، فإنها «مشروع أديبة»، بيان ذلك أنها «كثيراً ما كانت تجلس على دِكّةٍ تقرأ ديوان شعر، فيما تعيش صديقتها الحياة، مرحاً ولهواً في ساحة المدرسة».
فجأة… يهطل المطر في الفحيحيل… «تفتح الفتيات أذرعهن لزخاته… في ما تهرب (حياة) إلى الصف هرباً من مطر هو بالنسبة لها «عدو متربص».
وفي ليلة مطيرة قاسية «مخيفة… يتفجر الرعد كالجحيم… وتتشقق جدران البيوت الطينية.. وتندفع الرياح كالمارد، محاولة كسر الأبواب الخشبية التي تقف في طريقها»… تهدأ العاصفة، وينتقم الأب من ترويع الريح، بتركيب باب حديدي أسود ثقيل، ليحل محل الباب الخشبي التراثي القديم!
يجلو المشهد السردي الأخير، على حداد إيراني، يهم بتركب الباب الجديد لـ«المعازيب»، وينخلع قلب الراوية من نياطه، لحظة اقتلاع مسن الباب الخشبي الدافئ والجميل، وحينما تزور الراوية صديقتها (حياة) الطريحة الفراش بسبب المطر الذي حفز ربوها… «تبتلع الصدمة حينما تلمح أبا غانم – والد حياة – في مكان قصي مشغولاً بتقطيع أوصال الباب الخشبي الأثري المخلوع، من أجل التدفئة»!.
وهكذا… تتدنى مدلولات قصص منى الوارفة الظلال… (حياة) قرية كويتية طواها أرشيف العولمة، وكواها حرق الماضي الجميل!


* أستاذ النقد والأدب