فن وثقافة

قصة قصيره
أفواه من جاميه

أفواه من جامية .. قصة قصيرة إهداء للأخ محمد الوشيحي:-
لم تثمر كل محاولاتي لاستجداء عطفه المفقود، استحلفته بكل ما يجوز الحلف به مما يثير نخوته.. لكن لا مناص، أراد هلاكي، كان يقف بضخامة جسمه كأنه بنيان حقد مرصوص، لا يشتكي أي عضو لديه، هيكل حقد وبغض يشد بعضه بعضاً بوجهه الممتلئ ثراءً، كان ينظر إليّ وأنا ملقى على الأرض، نظراته كنار عظيمة تتصوب تجاهي وهي ترمي بشرر كالقصر، يمسك بقيد أوله في يده وآخره في رقبتي، وقد قيّد قدميّ خشية هروبي، لا خشية أي ردة فعل مني.
مضت سبع ساعات وأنا في جحيمي ولا أعرف ما خطيئتي الكبرى التي جنت علي وكانت سبباً في غضبه غير المتوقع وتعذيبه لي ساعات سبعاً بضربات متواصلة دون أن يتوقف، كان قد نزع ملابسي ولم يبق إلا سروال أبيض يستر سوأتي بعدما هتك عقلي ونفسي، ولم يتبق إلا جسدي، كنت لا أزال متمسكاً بساقه الضخمة والدموع تنهال مني والصراخ وسيلتي الوحيدة لإعلان ما أعانيه، كنت لا أزال أظن أنه بقي فيه لمحة خير أجد فيها شيئاً ليرحمني أو يخبرني عن سبب غضبه المفاجئ، على الرغم من أنه لا تربطني فيه أية علاقة مباشرة لكني لا أذكر أني قد أسأت إليه، لا أنكر أني أكرهه وأني أتمنى موته، لكنها لا تعدو أن تكون أمنيات داخلية وحيلة عقلية للضعفاء أمثالي لم تصعد لسطح النطق على لساني يوماً من الأيام، بل كنت أكبتها في داخلي وأقطع التفكير بها حتى لا تخرج في زلة لسان أو شخبطة قلم مكسور.
لم يحتمل التصاق يدي بساقه، أظن أنني وسخت حذاءه البني بدموعي المنهمرة، ومخاط أنف أبى إلا أن يلتصق ببنطاله المكوي جيداً، مما أوقد مجمر غضبه فقام فرفسني فسقطت على الأرض، لقد زدت من قرفه تجاهي، جلست أصرخ من آلامي وأتلمس أوجاع تعذيبي، كان يصب كل ضرباته على ظهري، فقط ظهري، كأنه يقصد هذه المنطقة بالذات، كأن بينه وبين ظهري ثأراً قديماً، أصبح ظهري منطقة مكشوفة لضرباته، وأصبح بالنسبة لي منطقة منزوعة من جسدي، حاولت أن أرفع رأسي وأشاهد المكان الذي أنا أظن أنه كان مكتبه الخاص، الإضاءة خافتة، لون الجدار يميل للأصفر الفاقع، توزعت الكراسي الفخمة ذات الجلد الأسود على جانبيه، وفي النهاية مكتب فخم كبير وهو يجلس خلفه. كانت هناك مجموعة من صور الرجال، أظن أني أعرفهم، لقد كانوا آباءه وأجداده السابقين، علقت صورهم على الجدار بشكل مرتب، وكانت الصورة الأخيرة صورته هو، لم تختلف الجينات بينهم، بنفس الملامح الصارمة كانوا يشتركون، وإن اختلفت الأزياء بمرور الزمن وتغيراته إلا أن الأداء واحد.
ما زلت أحدّقُ في تلك الصور ولا أعلم شيئاً، في داخلي أصرخ: يا ويلي أيكون أحد آبائي أو أحد أجدادي؟ لقد دخلت هذا المكان مقيداً ذليلاً ليحصل لي مع هذا اللعين شيء قد يكون غير متوقع، من يدري لعله حدث شيء كهذا رغم جهلي بأسرار تاريخ آبائي وأجدادي، وقد يكون ما يحدث لي ميراث أمس أتسلّمه هذا اليوم.
لم يقطع ظنوني تلك إلا دخول خادم نزق فاجأني بخطواته الهادئة يحمل فنجان قهوة ووضعه على المكتب لسيده الغاضب، وأثناء عودته رمى بكلمة كان لها وقع في أذني: “سحقاً لك أيها الجريء الخائن”، كانت حالتي المزرية لا تسمح لي بأية ردة فعل تجاه كلمته تلك، ولم أشغل نفسي بما قال، فقد ضعف الطالب والمطلوب. كان كل تفكيري منصباً في الخطوة القادمة التي سيقوم بها سيده، ولم يطل الوقت بعدما ارتشف شيئاً من فنجانه حتى رأيته يقترب مني ويفاجئني بسؤاله: “كيف تجرأت وفتحت فمك اللعين أيها الكلب؟”، وبلا تفكير صرخت وبدأت مرافعتي عن نفسي: “أنا.. أنا.. كيف؟ متى؟ أين؟ أقسم يا سيدي لم أنبس بكلمة واحدة، صدقني يا سيدي، أرجوك يا سيدي، فمي مطبق منذ سنوات”. كان يستمع لي ويده ممسكة برقبتي ويشد حتى يكاد يخنقني: “أعرف أيها الكلب الأجرب فمك المطبق لسنوات أصبحت رائحته كريهة، وكلما فتحته تصل إلي تلك الرائحة التي لا أحتمل شمها، وقد زاد من قرفي ولم يحتمل أنفي وصولها إلي وأنت تتثاءب بين لحظة وأخرى أيها اللعين، لقد كرهتك وكرهت رائحتك وكرهت وجودك أيضاً”.
لم يعد عقلي يستوعب ما يحدث أمامي، أدركت أنه عزم على إهلاكي، وبدأت أصرخ لعل أحداً ينقذني من يديه، فقد قطع أنفاسي ولم أعد أشعر بشيء، وأنا أحاول التمسك بالحياة، أوشك على خنقي وإذا بالباب يفتح وكأنه الفرج، فبدخوله توقف عن خنقي وتركني ملقى على الأرض.
رجل في السبعين من عمره بثوب أبيض ناصع، كان وجهه الدائري ولحيته البيضاء كأنها القمر المضيء، ورائحته الزكية ملأت المكان، وبصوت دافئ بدأ يسأل: “ما الذي يحدث هنا؟”، أحسست بالحياة تعود إلي من جديد، تراجع معذبي خطوتين خلفي وهو صامت، اعتدلت في جلستي، ورفعت يدي لمنقذي أستحثّه على الإسراع بإنقاذي وهو يتساءل من جديد بصوت عذب وبلغة سليمة ذات إيقاع يشبه الحياة: “ألم يأن لهذا الأمر أن ينتهي؟”. 
رفعت يدي باتجاهه ليأخذها ويخرجني، فلم أشعر إلا بصفعة على خدي الأيمن وهو يصرخ بي: “وإن جلد ظهرك، وإن جلد ظهرك، أيها اللعين”. سقطت على الأرض ووجهي ملتصق فيها والدم يسيل من فمي بصفعة من يدٍ طاهرة بين أصابعها عود أراك.