ذكر تقرير الشال الاقتصادي الاسبوعي انه لا يبدو أن منطقتنا معنية كثيراً بتدهور الحالة الأوكرانية، ولكن إن تطورت الأمور إلى الصدام المسلح، وهو أمر مستبعد جداً، فسوف تتأثر قطعاً إمدادات النفط والغاز الروسي وذلك قد يعني اضطراباً مؤقتاً في سوق النفط. وحتى دون حدوث صدام مسلح يبقى الأثر النفسي المؤقت أيضاً مؤثراً، فقد ارتفعت أسعار النفط وهبطت كل مؤشرات بورصات العالم والإقليم بداية الأسبوع الفائت، ثم عادت للتذبذب بين الصعود والهبوط وفقاً للقراءة في تطورات الأزمة.
وبين التقرير أن روسيا في هـذا النزاع على المدى القصير تبدو في الموقف الأقوى مقارنة بالغرب، والتفويض السريع الذي حصل عليه بوتين من برلمانه باستخدام القوة العسكرية في أوكرانيا لا يعدو كونه إضافة إلى أوراق القوة المتوفرة أصلاً بأيدي الرئيس بوتين.
وتتفوق روسيا على الغرب في معظم أوراق الصراع المحتمل، فأوكرانيا في الحديقة الخلفية لروسيا بما يرجّح ورقة الجغرافيا لديها، وأوكرانيا منقسمة وأكثر قليلاً من نصف سكانها من أصول روسية ويتكلمون الروسية في الشرق الملاصق لروسيا بما يوفر لها حجة التدخل أو حتى يقدم ورقة إثنية بمطالبة الأوكران الروس لها بالتدخل لإنقاذهم. ولدى روسيا قاعدة بحرية وأسطول في البحر الأسود في أوكرانيا بما يمنحها التفوق العسكري، فهي حالياً ليست بحاجة لتحريك قوات عبر الحدود وإنما تحريك أو التهديد بتحريك قواتها داخل الحدود. ولديها ورقة الاقتصاد، فهي دائنة لأوكرانيا بنحو 15 مليار دولار أميركي والأخيرة عاجزة عن السداد ويبدو أنها طلبت مساعدات عاجلة بنحو 4 مليارات دولار أميركي من الغرب، وبينما قرار بوتين بمنح تلك المساعدات سريع، يظل القرار متردداً وطويلاً للترويكا الغربية شاملة صندوق النقد الدولي، وتلك الأخيرة لا تبدو مستعدة لتقديم سوى نحو 50% من المساعدات العاجلة المطلوبة، ومعظم تجارة أوكرانيا مع روسيا وكذلك الكثير من العمالة الأوكرانية فيها وتحويلاته تأتي منها.
وتزود روسيا أوكرانيا باحتياجاتهـا مـن الطاقـة والغـاز تحديـداً، وسـوف تتجمد أوكرانيا لو مُنعت عنها تلك الإمدادات في شتائها قارس البرودة. وأخيراً، تستخدم روسيا خبرة حاضرة في إدارة مثل هذا النوع من الصراع، فإلى جانب نجاحها في عزل الغرب عن الأزمة السورية، حققت نجاحاً في عام 2008 في فصل إقليمين من جورجيا رغم عاصفة صياح الغرب. وقد قدمت المفوضية الأوروبية في 5 مارس وعوداً بتقديم حزمة هبات وقروض لأوكرانيا تصل لنحو 15 مليار دولار أميركي، وتبقى تلك الوعود مرهونة بتطور الأوضاع السياسية في أوكرانيا.
وذلك يعني أن روسيا سوف تتفوق على الغرب على المدى القصير، ولكنه على المدى المتوسط إلى الطويل لن يكون نجاحاً دون تكاليف قاسية عليها أيضاً، فالغرب سوف يستنسخ أدوات الحرب الباردة مع تحديث وفقاً للحالة الإيرانية. ولدى بوتين في الداخل الكثير من العداء الكامن، وضمن روسيا أقاليم تنزع إلى الانفصال، كما أن روسيا ليست بعيدة عن الضغوط على مصادر دخلها الأجنبي من النفط والغاز، فاقتصادها مازال بدائياً، والقريبون من السلطة أثرياء يخافون على مصالحهم الشخصية من العقوبات المحتملة.
وبمعنى آخر، أن أسوأ الاحتمالات هو القبول بتقسيم أوكرانيا، وسوف يحاول الغرب تقديم نموذج مماثل لنموذج ألمانيا الغربية أو كوريا الجنوبية في أوكرانيا الغربية بما يعنيه ذلك من أنه قد يخسر معركة في الزمن القصير، ولكنه يراهن على المدى المتوسط إلى الطويل بالإضرار بطموحات بوتين ببناء الإمبراطورية السوفييتية من جديد، وذلك بزعزعة الاستقرار الداخلي، وربما المراهنة على قناعة الشرق الأوكراني بالالتحاق بنموذج الغرب الأوكراني الناجح، أي إفشال مشروع التقسيم. ولأن خيار التجزئة أو الانفصال لن يكون بلا تكاليف قد تؤدي إلى خسارة روسيا للحرب، ربما تنتهي الأزمة باتفاق معدل على اتفاق 21 فبراير بين المعارضة والرئيس السابق، أي اتفاق يحفظ تماسكاً هشاً لأوكرانيا حتى تتجاوز مشكلاتها الاقتصادية الخانقة بعون غربي وروسي مشترك.
ولسنا معنيين في تقريرنا بشكل مباشر بما يحدث في أوكرانيا، ولا نحن من أفضل من يكتب في تحليل أوضاعها، ولكن ما يحدث فيها له علاقة غير مباشرة وقوية بما يحدث أو قد يحدث في منطقتنا أو ربما لدينا في الكويت، فهذا المصير السيئ الذي ينتظر أوكرانيا يحدث لسببين. الأول هو أن أوكرانيا أسوة بروسيا البيضاء والبوسنة والهرسك مثلاً، خرجت من ربيعها لتعود إلى سابق عهدها الفاسد خلافاً لما حدث في بولندا وبلغاريا وهنغاريا والتشيك… الخ، ويماثل هذا التطور في منطقتنا النموذج التونسي مقابل كل ما عداه من دول الربيع العربي. والثاني هو فشل أوكرانيا الذريع في سياستها الاقتصادية والذي أدى إلى انفجار ميدانها بعد أن أفشل رئيسها السابق بارقة أمل لدى شعبها بلحاقها ببرنامج التعاون مع الاتحاد الأوروبي تحت الضغط الروسي، وبعض دول الإقليم الغنية وضمنها الكويت، تتبنى سياسات اقتصادية بائسة وتراهن على الوقت الذي قد لا يسعفها.


أضف تعليق