آراؤهم

ثلاثة وثلاثون يوما في الجنة

أعترف لك يا سيدتي بأنني عرفت نساءً كثيرات قبلك، ولكنهن لم يعرفنني مثلك.. وكتبتهن قصصاً بينما أنت من كتبتني.. تسأليني دائما مالفرق بينك وبين الأخريات؟ فأجيبك بأنكن كالأشجار وإن كنّ وارفات الضلال فأنت المثمرة الوحيدة بينهن.. أنت التي تهب بلا منّة.. ألا أستحق أن أمنح بعض الوقت؛ لأعيش في هذه الحياة أقل بكثير مما ينبغي أن أعيش.
لماذا عرفتك متأخراً.. قلت لك لو عاد الزمان عشرين سنة أو أكثر لكنتُ لك وكنتِ لي، ولكن عقبات كثيرة تحول بيننا.. يكفي بأن أقول لك بأني (بدون) أعلم بأنك لا تعين معنى تلك الكلمة وإن بدت صغيرة لديك فهي قاصمة الظهر بالنسبة إلي.
كل يوم تأتين بالمصحف الشريف، وتقولين أقسم بأنك لن تنساني ما حييت، وكأن في داخلك شيئ يقول لك لن يعود.. وأقسم وأعلم بأني سأصطدم بالواقع المرير الذي هو أكبر منا جميعا حين تؤطرنا القوانين والأنظمة وتأبى لنا أن نخرج من الدائرة.
هل سأطوي الصفحة وأنسى كما نسيت الأخريات.. هل أملك الأمر أم الأمر يتملكني.. بحق الله يا وطني أريد أن أعيش كالآخرين.
عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة بعد منتصف الليل, موعد العزومة التي أقمتها للرفاق دون أن نحدد وجهة نغشاها.. قلت للسائق الذي بمعيّتي أن يحملنا لمكان به (فرفشة).. حيث لا أعرف الكثير في أبو ظبي، ولأنها الزيارة الأولى وربما الأخيرة، حيث جواز السفر الذي أحمله ما يسمى بمادة (17) لا يسمح له بالسفر إلى دول الخليج العربي إلا بفيزا وطبعا الحصول على الفيزا ممكن أن يضاف إلى غرائب العالم التي قالتها العرب الغول، والعنقاء، والخل الوفي، أضف إليها الفيزا.. شاء قدري أن أحصل على فيزا لعمل مسلسل درامي لم يشأ له أن يكتمل، وجاءت الفيزا على هيئة أبو ظبي للثقافة والإعلام، ومهما يكن من أمر حصلنا على الفيزا.
الساعة الآن تشير إلى الثانية صباحا، ربع السهرة قد انتهى.. هرج ومرج وطرب وصخب ودخان شيشتي يملأ المكان والشاي بالنعناع ما إن ينتهي كوب حتى يجيئون بآخر.. لا يزال بعض الرفاق بكامل قواهم العقلية وقد غيّب عن الوعي البعض الآخر..
تراشق الرفاق بالنكات، وانتشى بعضهم طربا مع غناء المطرب، وقد سبقته الراقصة التي هزت قوامها الممشوق بالرقص الشرقي، فتمايلت معها الأجساد واهتزت الأكتاف وصفقت الكفوف.. كانت ليلة لا تنسى وإن كانت الليلة العاشرة لي تقريبا، لكنها الأولى في هذا المكان وما شابهه.. فكنت خجولاً في خطواتي السابقة ولولا العزومة لما جئت هنا ولاحقا تندمت كثيرا أنني جئت هنا ولقيت ما لقيت فأي قدر ينتظرني..
ساعة أخرى تمر.. الرفاق يضحكون ملء البطون.. دمعت الأعين من شدة الضحك.. فجأة ومع إيقاع جديد وبدء أغنية أخرى تنبري من بين الحضور.. أين كانت ومن أين جاءت.. أخذت أرقبها مذ قامت. رقصت.. عادت.. قعدت.. نظرت باستحياء وشحت بنظري عنها.. ولكن لم أسيطر على رغبتي بالنظر إليها، ولكني تمالكت قواي وقررت ألا أنظر نحوها..
هنا التقينا.. لن أتحدث عن تفاصيل اللقاء.. قلت لها بأني أعرفك منذ.. وسكت، فقالت منذ متى قلت منذ كنت جنينا في بطن أمي.. أنت التي كنت في حلمي.. حدقت بها مليا.. نعم أعرفها جيدا.. بل أحفظ تقاسيم ذلك الوجه.. نعم أنت التي تأتين لي كل يوم بشكل مختلف، فيوم قصة ويوم قصيدة ويوم مقال ويوم سيناريو.. أي اسم أناديك به، فقالت.. نعيمة.. أي نعيم ساقه القدر إلي.. لم أعرف للحياة طعما إلا معك، ولم أرَ بها لذة إلا حين رأيتك، ولم تكن لي بها رغبة إلا حين عرفتك.. نعم سأجيبك الآن على سؤالك مالفرق بينك وبين الأخريات.. أنت عطاءً لن ينضب بينما الأخريات يفكرن بالأخذ فقط أنت من أحببتني بينما أنا من أحببتهن، وهنا تكمن المعادلة ..
ذات يوم أغضبتك وبكيتي كثيرا إذ ذكرتك بالمكان الذي التقينا به أول مرة وقلت لك إنك مجرد.. يا لقسوتي وكأني أنتقم لسنوات الذل والامتهان التي لقيتها من حكوماتنا الرشيدة المتعاقبة فيك.. قلت لي حرام عليك يا سعد أنا إنسانة لماذا تعاملني هكذا؟.. لا أدري صدقيني لا أدري.. ربما لأول مرة أشعر بأن هناك من يحبني لذاتي دون أية مآرب.. وسألتك لم أحببتني.. فقلت لأنك أيقظت الإنسان الكامن فيّ. 
Copy link