كتاب سبر

المشير لا يعرف معنى الثورة

استطاع المجلس العسكري، ورئيسه المشير حسين طنطاوي، أن يحول انتباهنا جميعا، من المطالبة بالخروج العادل، ومحاسبة المسئولين عن الجرائم التي ارتبكت طوال عام ونصف بداية من ماسبيرو مرورا بمحمد محمود وقصر العيني وبورسعيد، إلى مطالبة العسكري بالرحيل وقد نسينا كل ما حدث.
فعلها المجلس العسكري بذكاء، ذكاء الموظفين وترزية القوانين، الذين وضعوا الشعب المسكين في خيار صعب ما بين الدولة العسكرية والدولة الدينية، واستطاع صرف الجميع عن الحديث عن ضرورة معاقبته على الجرائم التي ارتكبها طوال عام ونصف في حق الثورة.
وما هي الثورة بالنسبة للمجلس العسكري، الثورة هي رفض النظام الذي يمثله طنطاوي، الثورة هي الفن الذي يتجلى في لوحات الجرافيتي، التي يشتكي منها  المشير حسين طنطاوى أن الأخير، حيث يقول في اجتماعاته: «أنا باتشتم على الحيطان»، يقول ذلك وهو منزعج جدا.. وربما حاول بعض المسؤولين إزالة هذه الرسوم ومحوها.. لكن يعود فنانو الثورة إلى رسم إبداعات أكثر ورسوم أكثر، وبتعبير أكثر وضوحا عما وصل إليه حال البلاد على يد جنرالات معاشات المجلس العسكرى، برئاسة مشيرهم طنطاوى.
 إن تلك الرسوم التى يعتبرها المشير طنطاوى وجنرالاته فى المجلس العسكرى شتائم.. لن تمحى أبدا من سجل التاريخ.. فستظل موجودة ومرتبطة بأداء هؤلاء الجنرالات، فى حكمهم للبلاد..
 ستظل موجودة تنتقد ما يحدث من هؤلاء الجنرالات الذين يديرون البلاد بفشل.. وهم مع هذا يصرون على استمرارهم فى إدارة البلاد، مع أنهم كلهم معاشات، والذى لم يكن فيهم كذلك، مع قيام الثورة، أصبح على المعاش الآن، إلا أن المشير طنطاوى «الحاكم بأمره» يستبقيه فى المجلس العسكرى.
 ينزعج المشير طنطاوى من الرسوم على الجدران.. ولا يدرى هذا المشير كم دفع هذا الشعب من أرواح الشهداء والدماء فى ثورته العظيمة، التى رفع فيها شعار «سلمية سلمية»، فأبهر العالم كله بها.. وكانت نموذجا عظيما لثورة تتخلص من ديكتاتورية فاسد مستبد، وعصابة شيطانية تجذرت فى الأرض، قابلت مظاهراتنا بالرصاص الحى والمطاطى والخرطوش.
 ويفاجأ الشعب بعد كل تلك الدماء الطاهرة، أنه لم يتحقق شيئا من أهداف ثورته.. فوجد البراءة لقتلة المتظاهرين.. وعودة رجال أعمال النظام المخلوع إلى السيطرة من جديد.. وعدم محاسبة الفاسدين الذين اعتبروا البلاد مرتعا للفساد وأفسدوا الناس.. ومزيدا من الشهداء، كما جرى فى أحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وشارع قصر العينى ومحيط وزارة الداخلية وأحداث العباسية، وهذه المرة على يد قوات المشير طنطاوى.
يرى أمامه محاولات إفساد الثورة.. وكله عن طريق مجلس المشير العسكرى.. مرة بالدخول فى صفقات مع قوى سياسية، ومرة أخرى بالصراع مع تلك القوى.. وبالتحديد مع جماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم «ودعك من موقف الإخوان الحالى، فهو مؤقت».
 يدير مجلس المشير العسكرى شكلا من العبث العام، حتى فى الانتخابات التى أجراها لتبدو فى الشكل الديمقراطى النزيه.. لكن فى النهاية فى ظل مناخ ومسار ديمقراطى مشكوك فيه.. لتكون الحصيلة فى النهاية حل البرلمان وانتخابات رئاسية غير محسومة ومشكوك فى نتائجها، خلافا للاختيارات المرة بين متنافسين لا يعبران عن الثورة ومطالبها.
 ويخلف وعده.. فهؤلاء جنرالات المجلس العسكرى والمشير طنطاوى.. هم الذين وعدوا بأنهم سيسلمون السلطة بعد ستة أشهر من المرحلة الانتقالية، لتطول الفترة لعام وستة أشهر، وها هم يسيرون نحو أن تظل السلطة فى أيديهم أبدا.. ويحولون البلاد تحت رحمتهم ورحمة حكمهم.. وبدؤوا فى سيناريو الرعب والترهيب، على غرار ما كان يحدث أيام ثورة 25 يناير.. لينشروا رجالهم ودباباتهم ومدرعاتهم، وهم أنفسهم الذين شاهدوا حجم المدرعات وجنود الأمن المركزى الذين لم يستطيعوا أن يقفوا أمام قوة وصلابة وإصرار الشعب، فى إسقاط النظام يوم 28 يناير 2011، لكنهم لا يفهمون ولا يدركون شيئا.. فهم من أصحاب المعاشات الذين لا يدركون أن إصرار الشعب أقوى من المدرعات.. هل يتذكرون ماذا فعل الشعب عندما كانت طائرات «إف 16» تحلق على مستوى منخفض فى ميدان التحرير.. إن الناس كانت تضحك وتقول فى صوت واحد: حسنى.. اتجنن 
 لقد ادعى المجلس العسكرى أنه حمى الثورة، لكنه الآن يسرقها فى عز الظهر.. لا يريد تسليم السلطة.. وإن سلموها كما يدعون حافظوا على وجودهم.. ومنحوا أنفسهم سلطات أكثر، وكأنهم أصحاب الثورة وأصحاب البلد، لقد تخلص الشعب من حاكم مستبد فاسد، كان يدعى أنه حاكم مدنى.. فإذا به يفرض عليه حاكم عسكري.
المشير لا يعرف معنى الثورة، حتى لو ادعى هو ومجلسه العسكري أنه حمى الثورة، دون أن يقول أنه حماها من الثوار، وأعطاها لنظام مبارك، لكي يسرقوها علانية.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.