ما الذي يحتاجه الإخوان حتى ينتهوا من “طبخة” الدستور؟، الآن أصبح الأمر مهيئا لهم، وأصبح أمامهم فرصة تاريخية لإنجاز الدستور بعد أن منحتهم المحكمة فترة مواتية ليتمكنوا من الانتهاء من كتابة الدستور.
هل هذا يعني أن السادة أعضاء حزب الحرية والعدالة وأعضاء اللجنة سيكفوا عن التصريحات المستفزة حول دستور الدولة المدنية، وينصرفوا إلى وضع دستور يحافظ على هوية مصر، ومدنيتها؟ لا أعتقد. فمن يدخل مطبخ الدستور الذي يعد الآن، سيكتشف أن كل المقادير في هذه الطبخة غير متوازنة، وأن الدستور الذي يجري تسويته الآن على نار هادئة لن يكون مناسبا لمصر وتاريخها وحضارتها.
لكن ما يجرى الآن فى كتابة الدستور الجديد للبلاد لا يمكن إلا وصفه بأنه سلق للدستور.. فهناك محاولة حثيثة من اللجنة التى تقاد من خارجها لإنهاء مشروع الدستور «المجهّز سابقًا» ولعل ما يجرى من جلسات ومناقشات.. وجلسات استماع.. وزيارات إلى المحافظات كانت هناك مقاطعات من قوى سياسية كثيرة فى تلك الزيارات.. هو جزء من المسرحية.. فكل شىء معد سابقا.. وأن ما يجرى هو من الضحك على الذقون.
ولعل ما يتسرب من داخل اللجنة والبنود المقترحة للدستور لا ينبئ أبدًا بأن يكون دستورًا يعبر عن بلد يسعى إلى الديمقراية وبناء مجتمع حديث.. ولعل فى بعض المواد المقترحة أسوأ مما جاء فى دستور 71 غير المأسوف عليه.. فلا يعقل مثلا أن تكون مواد الحريات هى أسوأ مما جاء فى دستور 71.. بل ويصل الأمر فى شأن الصحافة عودة إلى الوراء والنص على الحبس فى قضايا النشر فى جرائم السب والقذف «نص المادة (21) فى باب الحقوق والحريات»، وهو الذى تم إلغاؤه فى عهد النظام الديكتاتورى السابق بعد معركة بين الصحفيين وأركان نظام مبارك الفاسدين المفسدين.. أيعقل أن الحبس فى قضايا النشر والتى تطالب الجماعة الصحفية بإلغائها من قوانين العقوبات وناضلوا من أجل ذلك عبر سنوات طويلة فى ظل الحكم الاستبدادى.. فيأتى الدستور الجديد بعد الثورة لينص عليها فى الدستور؟
طبعًا يحدث ذلك.. وهناك أعضاء فى اللجنة من الكتاب والصحفيين مثل أيمن نور ووحيد عبد المجيد.. فضلًا عن نقيب الصحفيين، وواضح أنه مُغيّب تمامًا.. أو لا يدرك شيئًا من ذلك، واكتفى بما قدمته نقابة الصحفيين من مقترحات فى هذا الشأن.. ويهتم هذه الأيام بتغيير رؤساء تحرير الصحف الحكومية ويساند عددًا ممن يجلبون الإعلانات ويعملون مستشارين لمؤسسات ليتولوا رئاسة التحرير معتمدًا فى ذلك على علاقته الناشئة بالحاج فتحى شهاب صاحب لجنة اختيارات رؤساء التحرير.. وعلاقته القديمة بتنظيم الإخوان والذى كان ينكرها دائمًا.. فالسيد النقيب لا تهمه الحريات.. بقدر ما يهمه أن يأتى بصديقه «السمسار» على رأس إحدى الصحف..
وبالطبع ماذا تنتظر من لجنة تدار من خارجها وفى نفس الوقت تضم شخصيات تدعو دائمًا إلى مصادرة الحريات؟! وماذا تنتظر من لجنة بين أعضائها مَن لا يعترف بالسلام الجمهورى للدولة، وماذا تنتظر من أعضاء فى اللجنة لم يتحدثوا مطلقًا مع هذه الشخصيات التى لم تحترم السلام الجمهورى للدولة! لقد أصبنا بخيبة أمل كبيرة فى شخصيات كنا نعتقد أنها تسعى إلى دولة ديمقراطية حديثة.. فإذا بهم يلتفون ويدورون.. ويسيرون على نهج من يكوش على السلطة!
كان البعض يظن أن الجمعية التأسيسية كانت على وشك لمّ أوراقها على غرار ما حدث فى «التأسيسية» الأولى، والتى تم إبطالها بحكم المحكمة الإدارية، لكن هذه المرة منحت المحكمة الفرصة للجمعية التأسيسية لإنجاز مهامها بتأجيلها نظر القضية إلى 24 سبتمبر، وهى قضية تتعلق برد المحكمة التى تنظر قضية بطلان «التأسيسية»، مما يعنى أن هناك فرصة أخرى من الوقت إلى ما بعد شهر سبتمبر للحكم فى القضية.. وهو ما يتيح لأعضاء «التأسيسية» الانتهاء من مواد الدستور.. بل قد يكون جاهزًا للاستفتاء عليه، حسبما صرح عضو اللجنة صبحي صالح من أن الرئيس سيعلن الاستفتاء عليه قبيل نهاية شهر سبتمبر.
الأسئلة المطروح على الإخوان في اللجنة كثيرة: هل يكون أعضاء الجمعية التأسيسية على مستوى الحدث، وهو كتابة دستور أمة انتصرت على الاستبداد والديكتاتورية وقهرت الظلم.. وخرجت بثورة ضد الفساد من أجل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية؟، هل يراعى أعضاء اللجنة قيم الحرية والعدالة والكرامة ويتم ترجمتها فى كتابة الدستور بشكل بسيط وواضح ودون مواربة، وهل يخلع أعضاء اللجنة انتماءهم السياسي والديني، ويعملون لصالح الوطن والناس ومستقبل الأمة فى الدستور الجديد؟ وهل يحترم أعضاء اللجنة حريات الآخرين وعقيدتهم وأن يعملوا من أجل مجتمع حر، لا من أجل رؤيتهم الضيقة؟ فلا يعقل حتى الآن أن يكون هناك جدل حول المادة الثانية، ودخول تعبيرات غريبة على المادة وذلك لصالح فئة معينة فقط وعلى حساب المجتمع كله، ولا يعقل أن يكون الأزهر كهنوتا، ولا يعقل أن يكون من بين أعضاء الجمعية بعض ممن لا يحترمون الدولة وسلامها الجمهورى، ولا يعقل أن تكون هناك مادة فى باب الحريات تعادى حرية الرأى والصحافة والتى نصت على أنه لا يجوز توجيه الاتهام فى جرائم النشر بغير طريق الادعاء المباشر ولا توقع عقوبة سالبة للحرية فى هذه الجرائم باستثناء ما يتعلق منها بالنيل من سمعة الأشخاص أو أعراضهم أو سبهم أو قذفهم أو الحث على العنف أو التمييز.
وهنا ينص الدستور على عقوبة الحبس في قضايا النشر فى السب والقذف، وهو الذى تم إلغاؤه فى فترة الديكتاتور مبارك.. وكيف يكون هناك نص أساسًا فى الدستور بهذا الشكل، فالدساتير معروف عنها أنها تتضمن قيمًا عاملة، ويمكن لأعضاء اللجنة الرجوع فى ذلك إلى دساتير الدول التى تقدمت.. وأصبح لها شأن فى الديمقراطية بين الأمم، أى نعم مطلوب جدل عام حول كل القضايا.. ولكن لا بد أن يكون فى النهاية هناك تصور بسيط وواضح حول أبواب الدستور، وأن تكون كل المواد مرتبطة بالحرية.
فلا حاجة إلى مثل المادة المقترحة بالصحافة.. طالما هناك صياغة خاصة بأن حرية الصحافة مطلقة وكذلك حرية الرأى والتعبير.. وهكذا فعلت كثير من الدول.. لأن هناك مرحلة أخرى من الصراع ستتم على القوانين خصوصًا ترسانة قانون العقوبات المكبلة للحريات.. وهى تراث سنوات من القهر والديكتاتورية وترزية قوانين كانت تعمل فى خدمة فرد واحد.
لقد أُصبنا بخيبة أمل كبيرة فى المستشار حسام الغريانى الذى يرأس اللجنة التأسيسية.. كما أُصبنا فيه من قبل بخيبة أمل عندما رأس مجلس القضاء الأعلى بعد الثورة وبفضل الثورة.. وتخيلنا أنه سيطهر القضاء ويمنحه استقلالًا دعت الثورة إليه.. وكان هو على رأس تيار استقلال القضاء فى نادى القضاة إبان أزمة النادى مع السلطة فى عام 2005.. ولكن لم يحدث شىء فى القضاء، وليتسلم اللجنة التأسيسية مع خيبة أمل كبيرة.
أيضًا أُصبنا بخيبة ألم كبيرة فى المستشار محمود الخضيرى الذى كان يناضل من أجل الديمقراطية فى ظل نظام مبارك الفاسد المستبد.. وكأنهم كانوا شخصيات ضمن خلايا نائمة! وما زالت هناك شخصيات فى اللجنة.. نرجو أن لا يخيب ظننا فيهم..
فلا نريد دستورًا مسلوقًا مفصلًا على مقاس جماعة.. وإنما من أجل مستقبل أمة تريد أن تنهض بالديمقراطية.


أضف تعليق