هل يعقل أن يتعرض الصحفي، أي صحفي، في مصر بعد ثورة من أجل الحرية والتغيير والديمقراطية للحبس، والتنكيل به؟ هل يعقل أن نعود لنطالب بحرية الرأي والتعبير وحرية الاختلاف، بعد أن حطمنا كل الأصنام التي أقامها النظام السابق؟
قد نختلف سياسيا، لكن هذا لا يعني أن يكون مقابل الخلاف هو التكفير أو التنكيل أو الحبس، لأن ما حدث اليوم مع أحد الصحفيين أو الإعلاميين قد يتكرر اليوم مع غيرهم، طبعا حسنًا فعل الرئيس محمد مرسى، بإلغاء الحبس الاحتياطى فى تهمة إهانة الرئيس، لكن هذا ليس كافيا فى مصر بعد الثورة.
فهم الكثيرون من هذا القرار، الذى أصدره الرئيس مرسى مستغلا سلطته التشريعية – التى نقلها لنفسه فى 12 أغسطس 2012، بإصدار إعلان دستورى جديد، ألغى الإعلان الدستورى المكمّل، الذى كان يمنح سلطة التشريع للمجلس العسكرى، بسبب حل مجلس الشعب- أن الأمر يتعلق بإلغاء الحبس الاحتياطى فى جرائم النشر.. فليس هناك حبس احتياطى فى كل جرائم النشر، اللهم إلا جريمة واحدة، هى إهانة رئيس الجمهورية، الموروثة من الأنظمة البائدة، ومنذ إهانة الذات الملكية.. وقد جعلوها الذات الجمهورية، لذا بدا مرسي وكأنه يمن على من أخطئوا في ذاته بالعفو عنهم، ولم يصدر قرارا بإلغاء الحبس في جميع تهم الحبس.
وقد أصر ترزية قوانين مبارك على الإبقاء على الحبس الاحتياطى فى تهمة إهانة الرئيس، بعد أن استطاع الصحفيون فى انتفاضاتهم ضد قانون اغتيال الصحافة، الذى أصدره مبارك عام 1995 (قانون 93)، إسقاطه وإلغاء الحبس الاحتياطى فى مواد تم استحداثها فى القانون.. وأصبح اتهام «إهانة رئيس الجمهورية» هو الوحيد الذى يجيز الحبس الاحتياطى فى قضايا النشر، أى أن الحبس الاحتياطى فى جرائم النشر مُلغى منذ عام 1996، فيما عدا إهانة رئيس الجمهورية، لكن لا يزال الحبس فى جرائم النشر قائمًا.. وعلى رأس ذلك تهمة إهانة رئيس الجمهورية.
يعنى إذا كان قد تم الإفراج عن الزميل إسلام عفيفى من قرار رئيس محكمة جنايات الجيزة، بحبسه احتياطيًّا، فإنه لا يزال معرضًا للحبس وفق الاتهامات الموجهة إليه، وعلى رأسها إهانة الرئيس، يعنى أيضا ما زال الحبس مسلطا على الكتاب والصحفيين.
الغريب أن كل مرشحى الرئاسة كان فى برنامجهم إلغاء الحبس فى جرائم النشر.. وإطلاق الحريات.. وكلام جميل عن الحرية.. والحق فى الإعلام.. واستقلال الإعلام.. ولكن يبدو أن كلام البرامج والحملات الانتخابية شىء.. والواقع شىء آخر.
لقد قامت الثورة من أجل الحرية والتخلص من الاستبداد والقهر.. فليس من المعقول أن نحتفظ بقوانين وقرارات العهد السابق، التى تكبل الحرية وتكمم الأفواه.
أى نعم فشل مجلس الشعب المنحل خلال شهور عمره القليلة فى إلغاء أى قوانين سيئة السمعة، أو وضع قوانين تعظم من الحريات.. وتركوا الأمور على سيئاتها.
وسيقول قائل الآن: احمدوا ربنا على قرار الرئيس مرسى، بإلغاء الحبس الاحتياطى فى تهمة إهانة الرئيس فقط، وليس جرائم النشر، لأنها ملغاة أصلا.
والرد: إن الثورة هى التى جعلت من محمد مرسى وغيره يفكرون فى أن يرشحوا أنفسهم للرئاسة.. وهو نفسه (أو غيره) لم يكن يستطيع أن يفكر فى ذلك أيام مبارك.. فالشعب يطلب الحرية كاملة وليست على أقساط، فلماذا اكتفى مرسى بإلغاء الحبس الاحتياطى فى تهمة إهانة الرئيس فقط؟
ولماذا لم يلغ الحبس فى جرائم النشر كلها.. وهو مطلب عام للصحفيين والكتاب والقوى السياسية.. وناضل الجميع من أجل الحصول عليه أيام مبارك، ونجحت جزئيًّا وأخفقت مرات أخرى، مع إصرار نظام القهر والاستبداد على إرهاب الصحفيين وجعل عقوبة الحبس مسلطة دائما على الرقاب.
يعنى الرئيس محمد مرسى تحرك، واستخدم سلطته التشريعية لأول مرة، والتى نقلها لنفسه، لإلغاء فقط عقوبة الحبس الاحتياطى فى تهمة إهانة الرئيس.. طب يا راجل كنت ألغيته من تهمة إهانة الرئيس نفسها.. فلم يعد معقولا فى دولة ديمقراطية أو دولة يتم بناؤها ديمقراطيًّا أن تكون هناك تهمة اسمها «إهانة رئيس الجمهورية».
ولم يعد معقولا فى دولة قامت بها ثورة ضد الظلم والاستبداد ومن أجل الحرية.. أن تظل هناك تهمة اسمها «إهانة رئيس الجمهورية».
فلم يعد معقولا أو مقبولا فى دولة تجرى فيها انتخابات حرة على منصب رئيس الجمهورية، ويتعرض فيها أى مرشح لذلك المنصب لنقد لاذع، كما جرى مع الرئيس محمد مرسى «الإستبن».. أن تظل هناك تهمة اسمها إهانة رئيس الجمهورية، فقد انتهى هذا الزمن الذى فيه رئيس الجمهورية مقدسًا ومؤلهًا.
يا أيها الذين فى قصر الرئاسة.. هل وصلتكم الرسالة؟!


أضف تعليق