تقول الرواية : ان رجلاً مسناً أصابه داء (الفريّ) فأقعده، ويوماً بعد يوم أصبح الشيخ مكتئباً منزوياً في بيته لا شيء يرضيه أو يترس عينيه، لحوحاً في طلباته، كثير التذمر، مبالغا في الشكوى، يتدخل فيما يعنيه وما لا يعنيه .. إن جاع أزعج بناته بصراخه، وإن شبع أزعج أولاده بآلام معدته، يقضي معظم أوقاته في (شيلوني منا وحطوني مناك) .. ولا يكتفي بذلك وحسب، وإنما يحقق مع الطالع : (وين رايح؟) .. ويستجوب الداخل : (من وين جاي؟).. إلى أن ابتكرت عائلته طريقة لتسليته، وإشغاله عنها، فاستأجروا راويا يسرد عليه القصص لتسليته وإشغاله عنهم، فكان المطلوب منه، أن يسرد للشيخ الحكايات، ويقص عليه البطولات طيلة النهار، مقابل نصف دينار عن كل يوم .. وبالفعل أبلى الراوي بلاء حسناً مع الشيخ المفريّ طوال ثلاث سنوات إلى أن أخذ الله أمانته !
وبعد ذلك بوقت قصير، حدث أن رجلاً آخر في القرية، أصيب بداء (الفريّ) فأقعده هو الآخر، وكان كثير الكلام قليل السكوت، لسانه لا يدخل فمه إلا عند النوم، ولأن أولاده منشغلون في أعمالهم ووظائفهم، ولا يملكون وقتاً لسماع (ثرثرة) الوالد المفريّ، اضطروا لإستئجار ذات الراوي الذي كان يسلي (المرحوم) .. ولكنهم طلبوا منه هذه المرة .. أن يصغي لأبيهم فقط، وبنفس الأجر السابق، نصف دينار عن كل يوم .. وافق الراوي أن يكون راوياً مصغياً صامتاً معتقداً أن الجهد في هذه المرحلة أقل، والمهمة أسهل .. الشاهد .. جلس الراوي بجوار المفريّ، وبدأ يستمع إليه ويهز رأسه بينما المفريّ يدخل في موضوع ويخرج من موضوع فيعود للموضوع الأول ليقفز منه إلى الثالث أو الرابع في غالب الأحيان، يسرد قصصاً ملطوشه أو ملفقة النهاية، ويتلو أخباراً لا طعم ولا نكهة لها، وبين كل جملة والأخرى يسأله : (وين كنا يا ولد) و (أنت تسمع مني) و (صل على النبي وأذكر الله) و (شلك بطول السالفه) إلى أن قرف الراوي نفسه.. ولعن الساعة التي وافق بها على هذه المهمة المقيتة .. فنادى زوجة المفريّ الثرثار ليقول لها :
عمتي منو قال : ان سعر السكوت بنفس سعر الكلام؟ .. أخذوا رادوّكم وأنا رزقي على الله ..
***********
فلكل رواد ساحة الإرادة الذين عزفوا عن الخروج احتجاجا على رد قانون المسيء للذات الإلهية والنبوية، وقرروا الخروج بالأمس احتجاجا على العبث بالدوائر الانتخابية .. لكل الذين يصغون إلى رواة (الفريّ) السياسي في البلد .. ويسمحون لهم بالتنظير وسرد بطولات رفع سقف المطالب الوهمية، ويجيّروننا على سماع مشاريعهم وخططهم وتطلعاتهم الملفقة النهاية أقول .. اقطعوا الحديث عليهم الآن .. الآن على وجه الخصوص والدقة، فثمن السكوت سيكون أغلى بكثير من سعر الحكي الفارط !
***********
كان خروج النفر القليل احتجاجا على رد قانون المسيء للذات الإلهية والرسولية .. بمثابة الخروج في سبيل الله، ومع ذلك استغرب عزف الكثيرين ممن يركعون صلاتي المغرب والعشاء خلف سماحة الإمام وليد الطبطبائي في ساحة الإرادة، عن السعي في هذا السبيل السامي، بينما أرى إلحاحهم وإصرارهم على الخروج في سبيل مصالح دنيوية تفتقر في صميمها إلى العدالتين السماوية والوضعية .. فهُمّ مدركون جيداً أن العدالة لا تتم إلى عن طريق الدائرة الواحدة، ومع ذلك يصرون على عدم العبث بالدوائر .. هل الكويت دائرة انتخابية واحده؟ أم هُمّ يعيشون في كوكب آخر؟
***********
تناتيف ..
الله .. الدستور .. الرسول .. الرئيس .. الإرادة .. القدس .. الكويت .. الجنة .. الجهاد .. المبيت .. الكفار .. القبيضة .. المنافقين .. المؤزمين .. الخوارج .. مقتحمي المجلس .. بن ملجم .. راعي اليوكن .. بن سلول .. المهري .. معاوية .. مسلمّ …….. !


أضف تعليق