الشجاعة في عرف الجبان طيش وتهور. والانفاق في عرف الشحيح سفه وإسراف. والاصلاح في عرف المفسد أو الداعي الى الفساد يعد انقلاباً، لأن كل ذلك عند كل أحد من هؤلاء مخالف لما جبل عليه، وما تدعوه نفسه إليه. ولإن كان للجبان ملتمس في خوفه من الموت، أو كان للبخيل ملتمس بكون الشح جبلةً وطبعاً في الانسان، فإني لا أجد أي معنى في كون الإصلاح انقلاباً على المنصوح به، إلا ما تزينه له نفسه وبطانته من المستفيدين من هذا الفساد.
إن قلب المقاصد والتلبيس على العامة، ليس بالأمر الجديد في عالم الإصلاح، فمقولة إنما ” البيع مثل الربا “، ” وإني أخاف أن يبدل دينكم آو أن يظهر فى الأرض الفساد “، ” وما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد “، إنما هي مقولة المفسد التى يقابل بها الإصلاح والمصلح، ليقلب بها المراد.
لا أعلم أين الوجهُ من كون الإصلاح انقلابا ممن يروجونه اليوم، إلا بفساد خبيئة هذا القائل.
إن هذا القائل كلما اقترب أمثاله من السلطان،كلما استقى السلطان من ثقافته،وصدر عن رأيه، فأبعده عن الحق،وباعد بينه وبين الواقع ومسؤليته كحاكم.
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:”لوأن بغلة عثرت في أرض السواد لسئل عمر عنها”..،عمر في المدينة،وأرض السواد هي العراق.
أنظرالمسافة،بين الحدث والمسؤلية!!
رغم ذلك يرى نفسه مسئولاً،لاعن صاحب الدابة فحسب،بل عن الدابة نفسها.
لقد بين عمر فلسفة العلاقة بين الحاكم والمحكوم التي تقوم على:”تعب الحاكم يعني راحة المحكوم،وراحة الحاكم تعني تعب المحكوم”.وهي فلسفة كون الولاية تكليفاً،لاتشريفاً،ولاشك أن راحة الحاكم لا تطول حينما يطول شقاء المحكوم..ولن أحتاج للتدليل مادمنا نعيش الدليل..ولذا من كان يظن أنه سيظل ثابتاً أمام شعبه حينما يعاند شعبه فقد وهم،بل أوغل في الوهم،ومن كان يظن أنه يستطيع أن يتدارك خطأه متى أراد، فقد أغرق في الخطأ،لأن ماكان اليوم صواباً،ربما لن يكون غداً كذلك حينما يسبقه الحدث،ومن كان يظن أن أصحاب الشعارات بنافعيه،وأنهم سيكونون له سنداً فإنما يتكاذب مع نفسه،لأنهم من وراء مصلحة الشعار،فاليوم يكذبون لك،وغداً يكذبون عليك،ومن كان يظن أنه يستطيع الاستمرار بمخادعة شعبه،إنما هو بذلك يخادع نفسه.
إن الإصلاح مناط بصلاح نية الحاكم والمحكوم،بل الحاكم هو الأشد احتياجاً لها.
أليس مقاليد الحكم بيده؟واختيار البطانة بيده؟وأن القرار بيده؟
أليس قد قيل:إن الله ليزع بالسلطان مالايزع بالقرآن.
روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذا أراد الله بالأمير خيراً، جعل له وزير صدق إن نسيَ ذكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك، جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكَّره، وإن ذكر لم يعنه… أو كما قال.

أضف تعليق