تحدثت في المقالين السابقين عن بعض المشكلات والظواهر السلبية التي تفشت في البلاد وأصبحت تمثل عقبة أمام التنمية والتقدم وارتأيت أن أترك ظاهرة انتشار المخدرات لأتناولها بصورة أوسع في مقالة منفردة خصوصاً بعد أن قرأت إحصائية حديثة تشير إلى أن هذا العام شهد ارتفاعاً كبيراً في قضايا “التعاطي والاتجار بالمخدرات” بمعدل تجاوز 115 % عن العام الماضي مما يشير إلى تفشي الظاهرة في أوساط المجتمع بشكل خطير يستدعي استنفاراً أمنيا واجتماعياً.
وعلى الرغم من أن الأجهزة الأمنية تلعب دوراً كبيراً ومهماً في حربها الشرسة والمستمرة دائما ضد تجار ومروجي ومتعاطي المخدرات بكل أنواعها والتي تثمر بضبط العديد من المتعاطين ومروجي المخدرات بشكل يومي فان أعداد المدمنين وتجار المخدرات في تزايد فعدد قضايا المخدرات التي تضبط سنوياً تصل إلى 190 قضية اتجار بالمخدرات و90 قضية جلب، و700 قضية حيازة وتعاط و50 حالة وفاة بسبب الجرعة الزائدة.
وهناك عدة أسئلة تطرح نفسها وبقوة لماذا هذه الكميات الكبيرة يتم ضبطها داخل الكويت وبشكل مستمر وهل هناك من يريد تحويل الكويت إلى مخزن وسوق عشوائي لهذه السموم ومن ثم تصديرها إلى دول مجاورة ومن يقف وراء حصول بعض من يلقى القبض عليهم وبحوزتهم مواد مخدرة على البراءة وكيف تدخل هذه الكميات الكبيرة وبشكل مستمر إلى البلاد وإذا كان ما يتم ضبطه من المخدرات يثير الفزع والقلق فماذا عن الكميات الأخرى التي لا يتم ضبطها وكيف تعدم المخدرات وهل هناك تدقيق في هذا الشأن.
وفي حقيقة الأمر أنه من خلال بحثنا عن أسباب تفشي ظاهرة المخدرات في بلادنا تبين أن حالة الانفلات الأمني التي أعقبت حرب تحرير الكويت كان لها دور في ذلك حيث دخلت إلى البلاد في هذه الفترة كميات كبيرة جداً من المخدرات خلقت جيلاً من المدمنين والمتعاطين والمروجين ومنذ ذلك التاريخ بدأنا نلاحظ بشكل كبير ازدياد معدل قضايا المخدرات والوفيات التي تنجم عن التعاطي والإدمان.
ومن الأسباب الهامة التي أدت إلى انتشار المخدرات في الكويت حدود البلاد وخصوصاً المساحة البحرية الشاسعة التي تمتلكها الكويت وضعف الرقابة البحرية خصوصاً قبل إنشاء محطة الرقابة الرادارية فضلاً عن الأوضاع الأمنية المتوترة في بعض دول الجوار الأمر الذي تسبب في تنفيذ عمليات تهريب كبيرة تم ضبط بعضها ونجحت أخرى في الإفلات ومن ثم ضخ هذه المخدرات إلى البلاد وتوزيعها على مدمينيها.
أيضاً من أهم عوامل الإدمان في الكويت هو وقت الفراغ الطويل الذي يعاني منه بعض الشباب والمراهقين وغياب الرقابة الأسرية الأمر الذي يمهد الطريق أمام الإدمان لدرجة أن إحدى الإحصائيات تشير إلى أن عدد المدمنين في الكويت وصل إلى 20 ألف مدمن أغلبهم من المواطنين فالمواطن الكويتي مستهدف وبدرجة كبيرة من تجار المخدرات نظرا للدخل المادي الكبير مقارنة بشعوب المنطقة مما يجعل سعر هذه السموم أغلى بكثير داخل الكويت مقارنة بالبلدان المجاورة.
إن القضاء على هذه الآفة مهمة صعبة وتحتاج إلى تضافر جميع الجهود الحكومية والشعبية لجعل الكويت نظيفة من المخدرات والبداية يجب أن تكون من خلال مراقبة الحدود البرية والبحرية للكويت مراقبة دقيقة حتى لا يتسنى للعابثين والتجار والمروجين تهريب سمومهم داخل الكويت فضلاً عن مراقبة القادمين من طريق المطار الدولي لتضييق الخناق على المهربين كما يجب على الإدارة العامة لمكافحة المخدرات الاهتمام بالدورات التدريبية العالمية ومتابعة أحدث أساليب التهريب وسبل مكافحتها وفي الوقت نفسه يجب على المواطنين والمقيمين والمجتمع المدني والجمعيات الحقوقية والخيرية أن تساهم في مكافحة هذه الآفة الخطيرة التي تدمر عقول الشباب الذين يعتبرون الذخيرة الحقيقية للوطن ونهضته.
إن مشكلة المخدرات أصبحت كابوساً عالمياً يؤرق مضاجع جميع الدول وليس الكويت وحدها لذا علينا وضع إستراتيجية شاملة وخطة عمل تنفيذية تعيننا على تطوير وسائل الوقاية وتوحيد كل الجهود لتطويق مكامن الخطر وتجفيف منابعه لمجابهة هذه الظاهرة السلبية والحد من آثارها المدمرة على الفرد والمجتمع كما يجب على الداخلية أن تعيد النظر في إجراءات ضبط المتهمين والتي ينجم عنها بعض الأخطاء القانونية تؤدي إلى إلغاء أحكام قضائية صدرت بحق المدانين في جرائم المخدرات .. وقانا الله وإياكم من هذه الآفة الملعونة وحمى شبابنا وبلادنا منها.


أضف تعليق