آراؤهم

حلم هاملتون نحو معبر رفح

بعد مرور ثمانية أشهر على تداعيات عملية طوفان الأقصى، والتي ترسم ليومنا هذا أبشع لوحات الاجتثاث البشري الماحقة لكل معلم حياة ضمن رقعة جغرافية محدودة، حتى جاء القصف الأخير لمخيمات النازحين في رفح دون أي جديد يذكر سوى تكرار السيناريو من تنديدات دولية صورية وبكائيات شعبوية لحظية. وفي ظل استدامة صمت الزعامات العربية -الغير مستغرب – والانهزام القومي المتصاعد طيلة الأشهر، ومع استمرار لهث العوام من الناس نحو النزعات المادية والملذات السطحية في ركب التفاهة تحت مسمى الترفيه، فلن ينبغي لأجيال القرن الواحد والعشرون – من بعد هذا كله – الاستفهام يوماً عن كيفية انتكاس الأمة، أو يتباحثوا يوما عن سببية عبث المغول ببغداد شرقا والصليبين بغرناطة غربا، ولن ينبغي لهذا الجيل الرجوع لحيثيات مطلع القرن الماضي وفك شفرة سايكس وبيكو، حتى يدركوا أن مستعمراته أولدت استقلال مشلول السيادة عبر أساليب ثقافية ناعمة وأخرى سياسية صلبة. فما تشهده الأعين في اليوم والأمس والغد من انتهاكات دينية وقومية وإنسانية صارحه وما يلحقه من ردود أفعال أقرب الى اللا أفعال تعكس المقدمات السالفة التي أنتجت ذلنا المستحق. وفي هذا الضوء البائس، ما ورد بالنص السابق ليس بجديد، بينما المستجد هو استمرارية الصوت المدني دولياً وارتفاع حدته اعلامياً، حيث جاء كامل التألق -على وجه الخصوص- من الحراك الطلابي الذي رأى نوره من قلب مدينة نيويورك بجامعة كولومبيا ضد جرائم العدوان الإسرائيلي، حتى تفاقمت هرولته الاحتجاجية الى مختلف أقطار الأرض، وهذا ما قد نعول عليه.

بالعودة الى عام 1754 ميلادي حين تأسست جامعة كولومبيا الأمريكية – اي قبيل نيل الاستقلال الأمريكي من المستعمرات البريطانية بـ 22 عاما فقط، انفردت آنذاك تلك المؤسسة التعليمية بشأن مرموق كونها الصرح التعليمي الأوحد الذي قدم مرحلة التعليم الثانوي. ومنذ ذلك الحين، عرف عنها بالعراقة التاريخية والمكانة الأكاديمية واحتضان الطلبة بنوعية فائقة وطبقية انتقائية لائقة. إلى أن تلمذ وتخرج منها أحد الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية المدعو أليكسندر هاملتون. حيث كان وقتها الحراك المدني في مجرى تبلوره الثوري، ولجامعة كولومبيا آنذاك دور فاعل في تعزيز التشاورات وتنسيق المخططات الملبية للاستقلال عن المستعمرات البريطانية. وعلى صعيد المفارقة الضمنية والزمنية، وبعد مضي قرابة قرنين ونصف من الاستقلال الأمريكي، ها هي ترددات الآباء المؤسسون تتجدد بأيادي أجيالهم ومن حيث ما انطلقت صيحاتهم الأولى نحو التحرير، وتلوح من جديد نحو أفق حاد الراية تجاه القمع الفكري المتمثل بالقضية الفلسطينية. فمنذ اندلاع شرارة الحراك الطلابي بجامعة كولومبيا في 14 أبريل الماضي، والمنددة بقطع كافة الاستثمارات الجامعية الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، انتقلت بشكل متتالي تلك العدوى لأعرق الجامعات الأمريكية في كارولينا الشمالية وبنسلفانيا وجورجيا واريزونا واوهايو وماستيوشست وغيرها. واتخذ أعضاء هيئات التدريس بجانب الطلبة درعا حصينا في مواجهة القوات الأمنية كمناهضة احتجاجية تجاه العدوان الإسرائيلي. الى أن جاء الهاجس السنوي الأكثر وقعاً اعلامياً، وهو محافل تخريج الطلبة صوتا وصورة أمام الملأ، فكانت للقضية الفلسطينية النصيب الإخباري الأكثر حضورا وترويجا. ولك أن تتخيل كيف هو الحال حين تهيمن نداءات من هم في مقتبل العمر على مجريات حفل بكامل عمادته وأعضاء تدريسه وضيوفه ورعاته ومرتاديه. بل ولك أن تطلق العنان وتعي أنه بعد حرمان جامعة هارفارد – الحاضنة الأكاديمية لأغلب القيادات – من تخريج 13 طالب نكاية باعتصامهم السلمي خلال الأسابيع الماضية، جاءت الخطابات المتلفزة -على عكس المتوقع- للخريجين في مختلف الكليات تستنكر تدني هامش حرية التعبير، مع تضمين أشد العبارات انتصاراً للطلبة المحرومين من تخريجهم خاصة، وشجباً للعدوان الصهيوني وإيقاف الإبادة الجماعية عامة، مع تشخيص تفصيلي عالي الحدة لما يحدث من جرائم حرب وهدم البنية التحتية للجامعات والمستشفيات والمدارس والمخيمات في غزة. حيث قابله منتهى الاحتواء الوجداني بهتاف داعم من غالب رواد الحفل وكأنها شرارة بداية نهاية الدعم الممنوح للكيان الصهيوني.

كلمحة أمل نحو القادم، تُحلق القضية في سماء العالم الغربي بحيز غير مسبوق. فالجامعات الأمريكية بتاريخها العريق وتأثيرها المتأصل لم يسبق أن تشهد انتفاضة لقضية خارجية بهذا الحجم – بل حتى الاحتجاجات الطلابية المنددة بالحرب الفيتنامية الأمريكية لم تأخذ هذا الأفق كماً ونوعاً. ففي المخاطرة بمسيرتهم الأكاديمية دلالة على صرامة القضية، وفي ملامح هتافاتهم حرقة صادقة تعكس ولادة وعي راسخ للأجيال القادمة، وهذا قد يكون الفارق الرئيسي الذي سيلعب محورا فاعلا في المستقبل القريب. أي أن أصحاب الوظائف المؤثرة في المجتمعات الغربية كالمُعلم والقانوني والسياسي والمهندس ورجل الأعمال هم من سيحمل لواء نصرة القضية على أقل تقدير. وهذا سيتزامن عكسيا مع تذبذب رواية المعتدي التي غيبها الإعلام الخارجي لسنوات طوال. حيث أن سمة العالمية سرعان ما ستطغي على كل مستجد ورأي وقرار. فمسيرة طلابية في لوس أنجلوس تؤثر على جماهير رياضية في دبلن، ولقاء اعلامي في لندن يحرك اعتصام مدني في طوكيو، ودعوى قضائية من جنوب أفريقيا تلفت انتباه العالم أجمع. ولطالما أن رأس مال ديموقراطيات الأنظمة الغربية هو رأي الناخب الذي يسهل تشكيله خلال فضاء اعلامي مفتوح، والذي من خلاله يبدي اهتماما لاذعا لقضايا البلاد داخليا وخارجيا، فإن سلسلة التأثير استهلت حلقاتها الأولى. وعلى سبيل البدايات، ابتدأت بعض المكاسب الدبلوماسية تنمو شيئا فشيئا كاعتراف إسبانيا والنرويج وايرلندا بدولة فلسطين مؤخراً.

أما وبعد التطهير العرقي في المخيمات للصغار قبل الكبار، وما بين عالمين أحدهما ناطق وأخر شبه ناطق، تضع رفح عينيها تجاه العالمين بلمحتين، فالأولى أمل الإنصاف الدولي والأخرى خيبة الانتماء الأممي. وتتساءل التخيلات برجاء متسامي وهاجس حالم. هل تصبح المظاهرات الحقوقية في المؤسسات التعليمية عقيدة كل أمريكي بقادم الأيام، وهل سيتناسب الاعتصام الجماهيري طرديا بتزايد عدوانية الاحتلال، وهل ستتسع رقعة التجمهرات الطلابية لشرائح مجتمعية أخرى، وهل ستنتقل التنديدات الصوتية لرؤى سياسية تؤثر على تشريعات برلمانية. وهل استقالات شاغلي المناصب الحكومية دافع لتحجيم دعامات الكيان. وأخيراً، ومن باب أن معظم النار من مستصغر الشرر، هل يبادر طيف جامعة كولومبيا أليكسندر هاميلتون ركبه نحو التحرير أم تبقى فلسطين هي الاستثناء..

براك البراك