وكأن شيئا لم يتغير في مصر، وكأن الأمور عادت كما كانت قبل الثورة، وكأن موقعة الجمل تتكرر مرة اخرى بحذافيرها، ما حدث في ميدان التحرير يوم الجمعة الماضية من محاولة ميليشيات الإخوان الاعتداء على القوى المدنية لا لشيء سوى لأنهم يريدون محاسبة الرئيس يؤكد أن شيئا لم يتغير.
تماما كما كان يفعل نظام مبارك عندما كان يرسل البلطجية لضرب المتظاهرين من أعضاء حركة كفاية أو 6 إبريل، فعل الإخوان يوم الجمعة عندما أرسلوا ميليشياتهم، وحشدوا أنصارهم لتحطيم منصة القوى المدنية، ومحاولة طردهم من الميدان.
ما لا يدركه الإخوان أن الرئيس محمد مرسي فشل في تنفيذ خطة المائة يوم، تماما كما فشل في أن يوحد القوى المدنية حوله، تماما كما فشل في أن يبعد النائب العام عن منصبه، كما فشل من قبل في أن يعيد مجلس الشعب وكأنه جاء فقط لكي يتعدى على دولة القانون.
ما الذى يريده الرئيس من السلطة القضائية؟ من الواضح الآن أن خطة تعدى السلطة التنفيذية على السلطة القضائية أصبحت واضحة المعالم، والتى بدأت فور وصول الرئيس إلى منصبه بمحاولة إعادة مجلس الشعب فاقد الشرعية، على الرغم من رفض كل القوى السياسية الثورية ذلك.
لكن الرئيس أصر، وبالمخالفة للقانون وللأعراف القضائية، وبالعند فى المحكمة الدستورية وقضاتها، وقتها، على أن يعلن إعادة مجلس الشعب، إرضاء للنواب الإخوان والسلفيين، وهو ما أدى إلى غضبة من المحكمة الدستورية أدت إلى انعقادها فى اليوم التالى لرفض التعدى على القضاء، وعلى هيبة أحكام القضاء، وعلى أحكام المحكمة الدستورية.
اليوم يعود الرئيس إلى تعدى السلطة التنفيذية على السلطة القضائية بقراره بتعيين الدكتور عبد المجيد محمود النائب العام سفيرًا لمصر لدى الفاتيكان، وإبعاده عن منصب النائب العام، على أن يقوم أحد مساعدى النائب العام بمهام المنصب إلى حين تعيين نائب عام جديد.
ورغم أن مؤسسة الرئاسة أجابت عن سؤال حول ما إذا كان القرار مرتبطًا بشكل مباشر بحكم البراءة الصادر فى قضية موقعة الجمل بإن المشهد العام فى مصر متشابك ولا يمكن فصل أى جزء منه عن بعضه، ومن ثم فلا يمكن لأحد أن يقول إن القرار لا علاقة له بقضية موقعة الجمل، فهذا غير حقيقى لأن النيابة العامة ليست هى التى قامت بالتحقيق فى قضية موقعة الجمل على وجه الخصوص، وبالتالى لا يمكن اتهام المستشار عبد المجيد محمود بأنه وراء ما حدث فى مهرجان البراءات فى موقعة الجمل.
الرئيس لم يكتفِ بإقالة النائب العام، بل قام بعمل أزمة دستورية جديدة، مثل تلك التى صنعها فى أثناء أزمة محاولته إعادة مجلس الشعب، حيث أدى قراره إلى رفض النائب العام عبد المجيد محمود قرار تعيينه سفيرًا لدى الفاتيكان، بل وغضب القضاة جميعا، وهو الأمر الذي انتهى بانتصار القضاء وتراجع مرسي.
الأزمة أيضا لا تتوقف على محاولة مرسى الإطاحة بالنائب العام، إذا كان يراه غير صالح، فمن يرى شخصًا غير صالح لا يكافئه بالعمل فى مكان آخر، بل إن هذا من شأنه أن يخلق مشكلات كبيرة مع الدول التى يمكن أن نرسل إليها سفراء غير صالحين للعمل إذا كان مرسى قد اتخذ هذا القرار قبل مليونية الحساب التى دعت إليها قوى سياسية لمحاسبته على ما لم ينجزه خلال الأشهر الماضية، فهذا ليس معناه أن يتعدى على القضاء ليصرف الأنظار عن محاولة مطالبته بما وعد به.
لقد قمنا بالثورة للمحافظة على استقلال القضاء والفصل بين السلطات، وليس من أجل أن تتعدى سلطة على الأخرى، وتُوهم المواطنين أنها فعلت هذا من أجل مصلحة الوطن.
ما يجب على مرسي أن يدركه أن نظام مبارك سقط لأنه لم يحترم دولة القانون، وما حدث في مصر خلال الأيام الماضية، يؤكد أن مصر لن ترجع إلى الوراء، ولن نسمح بالتعدي على السلطة القضائية.
——————
إبراهيم منصور
رئيس التحرير التنفيذي لجريدة التحرير المصرية


أضف تعليق