قضايا كثيرة أثيرت حول الأحداث السياسية الساخنة التي حصلت مؤخرا في الكويت تناولتها أطراف داخلية وأخرى خارجية، يسودها الجهل في جانب، والتأجيج في جانب آخر،واستثارة السلطة ضد كل تحرك، و كانت الادعاءات تنطلق من عدة من القضايا منها، لا حكم إلا لآل الصباح، وأن الأمير هو الشيخ صباح، وأن هذا خروج عن الحاكم و السمع والطاعة، و أن هذا عبث في أمن الوطن، وغير ذلك من الأمور المتداولة المعلومة.
و لعل من المثير أن تخرج فيديوهات تريد تصوير الأمر على أنه ثورة على الحكم يقودها الإخوان المسلمون بتمويل قطري و تدبير أمريكي!
و مامن شك أن هناك استثمارا لكثير من النصوص الإسلامية التي وظفت في خضم الأحداث لتبرير حتى عملية الضرب و الاعتداء!
و القضية ليست كذلك تماما! نعم نحن نرفض أي تطاول أو سوء أدب أو أي أمر آخر من شأنه أن يقلل من هيبة الحكم أو يفقده سطوته وقانونه، و كذلك نرفض تصوير الأمور على غير حقيقتها وتضخيمها لتصب في غير الصالح العام، ونكون لقمة سائغة في فم من يصطاد بالماء العكر.
نريد أن نأكد أولا أننا دولة لا تحتكم إلى الشرع في كثير من القضايا، وأن الاحتكام إنما هو للدستور فقط،(وهذه قضية لا بد من تحريرها لا حقا وتناول قضية القانون والدستور والشريعة)، و أن الحكم في الكويت وراثي وفق مواد الدستور، فلا يمكن لأي كان أن يدعي أنه يحق له الحكم، ولكن الدستور كذلك لم يعط الحاكم مطلق التصرف، وإن كانت هناك مواد في الدستور لا بد من مراجعتها في هذا الشأن، بل قيد سلطته وحد من أي تغيير لا يتوافق مع توسيع الحريات والمشاركات السياسية.
هذا من الناحية الدستورية، ومن الناحية الشرعية-و إن ليس للشرع سلطان، ولكن البعض استخدموه-فليس هناك نص لا يجيز الاعتراض على سياسة الحاكم أو يعطيه مطلق الحق في التصرف، بل الشرع يقف مع العدل والحريات والمساواة، بل ويوجب مناصحة الحكم إن زاغ، أو رآه الناس كذلك، هذا التاريخ يحدثنا، وهذه النصوص، أما قضية الخروج على الحاكم وأن الاحتجاج السلمي و المظاهرات هي خروج على الحاكم ، فهذا إنما يقوله صاحب هوى لا يفقه من نصوص الشرع شيئا ولا يتعرف على مسيرة التاريخ الإسلامي، فإن إنكار الصحابة منذ العهد النبوي الشريف وحتى في أوائل الدولة الأموية وأجزاء من العباسية كان الإنكار ماضيا ولم يتوقف، و من يراجع التاريخ يجد ذلك مبثوثا معلوما، بل حتى في القرون المتأخرة إلى زمن النووي والعز بن عبدالسلام وابن تيمية وغيرهم!
و طرق الإنكار اليوم اختلفت تماما عن طرق الأمس، فما كان مستهجنا بالأمس فهو مستساغ معمول به، مثل التجمهر والمظاهرات السلمية، لأنها حق مكتسب لكل الشعوب إلا الحكومات الديكتاتورية التي لا ترى في هذا إلا فسادا و منكرا، أما في الدول المتقدمة فهو حق مكتسب لا بد أن يراعى، وهو أمر طبيعي جدا، وهي وسائل للتعبير قد كفلها الدستور، وتورثتها الأجيال وتعود عليها حكام الكويت منذ النشأة الأولى، فقد كانت فترة الستينيات فترة غنية بخروج الشعب من خلال المظاهرات للتعبير عن رأي له، وكانت تحت مرأى ومسمع الحكم، فإذا رضي الحكم بخروج الجماهير في قضية لصالحه، فلا يحق له منع التظاهر في قضية هي ضده لأننا نتحدث عن المبدأ.
وأما الذين يتناولون القضية من خلال التعرض لمسألة الفتن وظهورها، إنما يريدون أن يدجنوا الشعوب ويجعلوها أسيرة للوهم والضعف، من خلال فهم معين لبعض النصوص، و إلا لا شأن لأي فتنة في قضية إنكار شعب على أمر من خلال التجمهر والتجمع.
ثم هناك أمر آخر لا بد أن نتفطن له وهو أن الحاكم يبقى حاكما بشرا، يخطئ ويصيب، و لم يقل أحد بعصمته، وبل لم يقل هو بعصمة نفسه، و هذا أمر معلوم مشهور!
و أما مصطلح السمع والطاعة لولي الأمر فالأمر فيه تدليس كبير، فالكويت وكل ديار المسلمين، ليس فيها ولي أمر للمسلمين، لأن هذا المصطلح يحتاج تحريرا، فالشريعة معطلة، و الجهاد مرفوض وغيرها من الأمور العظام لا توجد، وأيضا لم يكن حكام العرب اليوم يبايَعون على الحكم بالكتاب والسنة مطلقا، ولا شيء من ذلك تحقق، وإنما القسم والعمل كله على حفظ الدستور، والعمل وفق مواده، فكيف يكون ولي أمر وتجري عليه أحكامه؟ إن هذا المصطلح الملتبس بحاجة إلى تحرير وتحقيق، فمن هنا لا يمكن أن تنطبق نصوص السمع والطاعة هنا، بل ينبغي أن نقول أن هناك عقدا بين الحاكم والمحكوم على الجميع احترامه، ومن يخالف ذلك لا بد من توجيهه، ولا دخل للسمع والطاعة لولاة الأمور!
ثم ختاما نقول إن من حق الشعب أي شعب أن يعبر عن نفسه وفق إرادته دون تدخل من أحد أو ضغط، و القضية ليست ثورة وإنما تعبير عن احتجاج لتعديل مسار!

أضف تعليق