فن وثقافة

بسام المسلّم يكتب عن مجموعة منى الشمري: «يسقط المطر.. تموت الأميرة».. حنين السير إلى «أمس»

«يسقط المطر.. تموت الأميرة».. حنين السير إلى «أمس”

بسام المسلّم
ها هو الكتاب الأول للكاتبة منى الشمري «يسقط المطر.. تموت الاميرة»، يأتي وكأنه يتصدى لحفظ ذاكرة الانسان والمكان، متخذا من منطقة الفحيحيل ميدانه السردي في الكويت، بعد أن هزمت الحداثة العمرانية الخرسانية المتهورة، المدينة وأهلها، كما جاء في تقديم الروائي طالب الرفاعي للمجموعة بالغلاف الخلفي. المحموعة صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون، وهي تحوي 13 نصا بقدر ما تنطلق من الحنين فانها سرعان ما تتجاوزه الى السؤال عن الهوية.  
الراوية في مجمل المجموعة طفلة يتداخل سردها أحياناً مع صوت السارد العليم، كما في قصة «نشيج بدوي» و«ما لم تره عين الصقر» و«جبريل». النص الأول للمجموعة بعنوان «السير حثيثاً إلى أمس» بدا كمقدمة تأخذ بيد القارئ إلى عتبة المجموعة ككل. «حنين خامد» و«حادث مروري سرق ذاكرتي» «دروب الأمس» «الصور العتيقة»، كلها عبارات تشي بالنوستالجيا وتهيئ المتلقي للحنين التي تفيض به القصص من الصفحة الأولى. لكن إثارة هذا الحنين ليست عبثاً. إنما لطرح تساؤلات تبدو أكثر عمقاً حول الهوية تأتي على لسان الراوية أيضا بذات الصفحة: «من أكون يا ترى؟.. كأنني لا أنتمي لرجل، ولم أخلق يوماً من ضلعه الأعوج». الشخصية المحورية في هذه القصة تعاني فقدان الذاكرة/الهوية، وتحاول أن تتعافى باسترجاع الماضي. «لكني بروح مستبشرة أتعافى»، إذاً تبدأ المجموعة حيث تنتهي القصة الأولى بالتعافي ومحاولة استرجاع الهوية عبر «مكر التذكر». 
تنزل الثروة.. يموت المكان
القصة الثانية التي عنونت المؤلفة بها مجموعتها تبدأ بمفارقة «توقف الحياة» مع هطول المطر. ويتضح أن الحكاية تدور حول فتاة مريضة اسمها «حياة»، تسوء حالتها كلما نزل المطر. الراوية طفلة ترسم صورة ذهنية عن «حياة» بأنها تعيش كالأميرات، لكنها تكتشف فيما بعد أنها تعيش في «زريبة». المشهد الأخير يصور والد «حياة»، وهو يحطم «الباب الخشبي» بكل ما يحمله للراوية من معان، ومعه تتحطم الصورة الذهنية التي رسمتها لـ«حياة».. الأميرة. عدة إسقاطات في العنوان والقصة وفي الباب الخشبي الذي انتهت صلاحيته وحل مكانه «باب حديدي أسود» وثقيل تصفه الراوية بأنه «بارد وبلا قلب». فما العلاقة التي تطرحها المؤلفة هنا بين «الباب الجديد الحديدي الأسود» وهطول المطر ومرض «حياة»؟
الأسلوب السردي.. قواسم مشتركة
تشترك نصوص المجموعة في العديد من السمات، أبرزها الأسلوب السردي المتمثل بضمير المتكلم (الطفلة الراوية). في «تجلو ثأرها» ـــ وهي إحدى أربع قصص تكون الراوية فيها امرأة لا طفلة ـــ تتشابه شخصية الأخرس مع شخصية «حياة» بالقصة الثانية من حيث الصورة الذهنية التي ترسمها الراوية وفقاً للمعطيات الظاهرية للشخصيتين، لتكتشف بالنهاية صورة واقعية مغايرة لكل منهما. في «نمش يختفي وصفرة تتمدد» تتكرر ذات الحبكة حينما تكتشف بطلة القصة أن «سعاد» الفقيرة «أم القمل»، أصبحت صاحبة الصالون الذي ترتاده. «الأيام تبدو وكأنها قطعة نقود معدنية تلف وتدور في جيوب الآخرين أعواماً لتعود إلى جيوبنا من جديد دون أن ندرك»، هكذا تصف الراوية تجدد لقائها مع الأخرس بعبارة أيضاً تنطبق تماماً على قصة «سعاد» صاحبة الصالون.
ثنائية الحنين والمرض
من أبرز ما يميز نصوص المجموعة أيضاً هو الحضور الطاغي لمعاناة المرض بدءاً من مرض فقدان الذاكرة الذي تبدأ به المجموعة انتهاء بـ«سعود الذي مرض مرضاً شديداً» في قصة «عناء الظهيرة»، مروراً بمنصور الذي أصابته «جلطة في القلب ستمتدّ آثارها عليه العمر كله»، كما في قصة «جبل واره». ويبدو حضور المرض بالمجموعة ككل مناسباً للجوّ العام المفعم بالحنين. فثمة علاقة بين النوستالجيا والحنين كحالة مرضية، ومنها يأتي على سبيل المثال مصطلح Homesickness لوصف الحنين للوطن بالإنكليزية بكلمة مركبة من: الوطن/المكان والمرض. تتميز المجموعة كذلك بتوثيق تفاصيل العديد من جوانب الحياة الكويتية في حقبة معينة، كالإشارة إلى «المعلمة الفلسطينية» (صفحة 13) (ومعلوم مغادرة المعلمين الفلسطينيين بعد غزو الكويت)، و«قصص المكتبة الخضراء» (صفحة 16) التي كانت حاضرة بالمكتبات المدرسية فيما مضى، «وعلبة الماكنتوش» (صفحة 19) التي كانت في يوم من الأيام هدية مميزة، إضافة إلى «الأضواء الملونة» (صفحة 48) التي تتسلق بيت العريس واللعب «بكرات التيل الزجاجية» (صفحة 64).
الطفلة والسارد العليم
بمقالة تناولت رواية «العافور» (2004) للروائي عبدالعزيز محمد، طرح الناقد عبدالكريم المقداد تساؤلاً مثيراً: «كيف لمجنون أن يتحدث بذلك المنطق، وتلك الفصاحة التي تحدث بها المجنون (مبايعي)؟»، تساؤل شبيه قد يتوارد للذهن في بعض مواضع مجموعة «يسقط المطر تموت الأميرة». في صفحة 14 مثلاً تتبادل الطفلتان حواراً بتعبيرات تتميز بمنطق وفصاحة، ربما تسبق طفولتهما، مثل وصف الكستناء بأنها «تخلع صندوقها الخشبي» فتجيبها صديقتها «كل يوم نعيش في صحوة الظلام». أضف إلى ذلك ارتقاء الطفلة الراوية في بعض النصوص من كونها شخصية داخل الحدث إلى مرتبة السارد العليم، وربما ذلك ما ذهبت إليه القاصة باسمة العنزي في مقالها عن المجموعة: «أحياناً تبدو الطفلة الراوية ذات الوعي الحاد وكأنها تسرق الضوء لمصلحتها من أبطال الحكايا».
انطلاقة
الروائي طالب الرفاعي وصف المؤلفة في تقديمه بأنها «قاصة متمكنة من أدواتها الفنية، قادرة على خلق قصة قصيرة تعلق بذاكرة القارئ». أما الأديبة ليلى العثمان فتصف العمل بأنه «مجموعة قصصية رائعة برأي جميع من قرائها». لذلك يحق لنا أن نهنئ المشهد القصصي والسردي بالانطلاقة الملفتة للمؤلفة منى الشمري عبر رائعتها الأولى: «يسقط المطر.. تموت الأميرة».