“منطقه منزوعة الهدوء”
عبدالله العتيبي
[رفعت الغطاء عن وجهه، كان قد لقط أنفاسه الأخيره في مكانه الذي لم يغادره منذ أصيب بمرضه قبل سنتين، كانت ملامح وجهه جامده جدا كانه لا يزال حياً، أطلت النظر في تلك الملامح، لا يزال ذالك الشعور الوحيد ينتابني عندما انظر لتلك الملامح، أنه الخوف بمعناه الحقيقي، لم أزل أخاف من تلك التعابير وتكويناتها كانت تنصب في عظامي إذا لاحظت أي تغير في تلك الملامح حتى لو كان تغير طفيف، فأي تغيرهو رساله أني مغضوب علي، و أن نتائج أفعالي سيئه سيئه للغايه.
كم كنت أخاف منه، كم كان صوته العالي يرعبني، كم كانت كلماته مؤلمه بالنسبة لي، كانت كلماته القاسيه تبقى في ذاكرتي وتحاصر تفكيري وتبقى محور أحلامي وانا أتفزع ليلاً.
كانت كلماته تلازم شؤون حياتي الصغيره لا تفارقني، كيف ألعب كيف أدرس كيف أمازح من حولي وتلك الكلمات تلاحقني، لكني لا أنكر أن الكلمات كانت لا تقاس بتلك الملامح التي كنت أراها في وجهه، ملامح صخريه لا تستطيع ان تكتشف في أي حجر منها علامه رضا أو قبول بل كان حجر الزاويه هو الغضب التام.
كم تمنيت أن أرى فسحه لابتسامه طارئه حتى لو كانت مجهوله المصدر من وجهه الغاضب دائماً.
أطلت النظر في وجهه من جديد لم يكن أحد يشاركنا الغرفه سوى موته المفاجئ، فالجميع خرجوا وتركوني وحدي فقد جئت متأخراً بعدما أبلغوني بوفاة والدي، كنت أتسائل هل خوفي منه لا يزال على قيد الحياه أم أنه قد خرج مع روحه الذاهبه الى مقرها الأخير، نظرت إلى وجهه الضخم شاربه الكثيف ولحيته الطويله وعيناه الغائرتان ووجنتيه المنتفختين بشكل ملحوظ وجبهته العريضه التي برزت بها أثر كي نار قديم، أظن أنني لم أدقق في ملامح وجه أبي إلا في هذه اللحظه، لا أذكر أني قدرفعت عيناي بإتجاهه وهو يحدثني أو يعنفني، فعلاً كنت أخافه كل الخوف كان بشخصيته الصارمه قد أزال كل المشاعر في قلبي الضغير ولم يتبقى إلا مشاعر الخوف الغريب.
كنت مستمع جيداً لكل عبارات الشتم والتصغير الدائم، لاأعرف ما الذي كنت أفعله لأستحق كل ذالك، في الحقيقه أنني لا أتذكر شيئا إلا تلك الكلمات التي تسقط على رأسي، أجمع تلك الكلمات جيدًا في عقلي الصغير، أجمعها جيدا في عقلي لا تبقى منطقه في عقلي ألا وهذه الكلمات قد ضربت وتد التخييم فيه حتى يسنح للذاكره لعبه الالم المتجمع، تخرج كلماته تلك وانا مطأطأ رأسي الصغير أمامه طفل لم أتجاوز التاسعه من عمري منكمش الجسم أمام عملقته الكبيره وقبل أن ينتهي من كلماته تلك لا تكتمل الا بكلمته الختاميه المكرره التي يابى عقلي الا إنتظارها ” إذهب لا تريني وجهك” لكني أذهب وأريه وجههي مرة أخرى.
كان جسيم نحيل جدا كأن عصفور صغير كما كانت تردد والدتي، التي أطالت من شعر راسي بشكل ملحوظ لدرجة انه بنعومته قد غطى على جبهتي كلها وأضاع من ملامح وجههي الصغير، أذكر ذالك اليوم اذكره جيدا كان يوما حارا شديد الحراره كأن باب من أبواب جهنم فتح على منطقه كنا نسكنها لا تسكنها الجن من شده الحر، دخلت على أبي وهو في مجلسه مع أصدقاء له كان الغرفه قد توزعت به المراتب الارضيه بيضاء قد رسمت عليها بعض الزهور الزرقاء وصوت مروحه يحاول طرد الهواء الساخن، لا أعلم ما الذي حدث ؟ ما أن لامس جسدي الارض وأذا بي أسمع سيل جارف من الصراخ والعبارات القاسيه التي أعرف مصدرها، ولا أعرف ما الذي فعلته لكن لا بد أني خالفت بعض التقاليد التي لا أعرفها وأبي لا يحب مخالفه التقاليد.
وقفت مفزوعاً أمامه وهو يكمل عباراته تلك التي أحفظها جيدا، أذكر أن رأسي قد زاد في طأطأته امامه كان جسمي يرتجف أمامه والعرق يتصبب من كل جسدي كنت خائف كنت أنتظر كلمته المعهوده ” أذهب لا تريني وجهك” لكنها تأخرت هذه المره، كنت أسترق النظر لكل من كان حولي كانت نظراتهم لي قد مزقت وجههي الصغير، أعتقدأني كنت مثير للشفقه، فأدركت هنا شئ جديد أن النظرات الصامته قد تكون طريقه سباب جديده تصنف لما ألاقيه وان الكلمات ليس لوحدها الكلمات هي المؤلمه بل النظرات أيضًا.
أخيرًا سمعت الكلمه الاخيره فهرعت مسرعاً وانا أركض لاأعلم إلى أين ؟ لكن إلى مكان بعيد عن تلك الكلمات والنظرات المؤلمه التي سرقتها من وجوه أصدقائه، هربت لأرتاح من تلك الكلمات والنظرات ولم أجد نفسي إلا وأنا في وسط حضن والدتي وأنفاسي شبه مقطوعه وانا واضعا راسي على صدرها وقد أغمضت عيناي بالكامل والصمت المطبق هو حالي وانا أشتم رائحة والدتي كأني أشتم رائحه نجد كلها في ثياب والدتي التي تركتني قليلاً ثم رفعت رأسي بيديهاالناعمتين ونظرت الي وانا أحاول أحبس دموعي وقالت لي : ماذا بك؟ فعدت سريعا إلى صدرها وانا أقول لا شئ..لا شي يا أمي ! كنت أتحشرج بكلماتي تلك، لم أستطع أن أبوح بشكواي لها كنت أخاف أبي حتى في غيابه كنت أظن أن الهواء سوف ينقل لأبي شكواي كنت فعلاً أخافه وأيضا لم أرغب في نقل خسائري في معركتي مع أبي لمنطقة والدتي، أمي منطقة الهدوء الخضراء في حياتي.
رفعت رأسي باتجاهها مره أخرى وقالت : والدك مرة أخرى أليس كذالك؟ كانت عيناها الواسعتان قد أغرقت بالدموع وهي تنظر إلي فلم أستطع تحمل ذالك فعدت الى صدرها وانا أشتم رائحه الهدوء في عالم لا أسمع فيه الا الصراخ.
كبرت وكبر خوفي معي ذالك الشعور الموحش بالرغم من هرم ابي لكن الشعور لا يزال باقي حولي، قد طالت المسافات بيننا وكثر الحواجز الاسمنتيه التي وضععها أبي وأنا إستسلمت لصلابتها، حاولت أن أقترب منه قليلا لكن كل رهاناتي كانت تحت رماد نار قد اشتعلت في داخلي، اعترف لقد خطف الهدوء الذي كان في داخلي واصبحت الان وانا أقترب من سن الثلاثين ممزق من الداخل اقوم بدراسه جدوى لكل فعل لي او سلوك أريد القيام به لكن تأتي النتائج خاسره فاتراجع سريعاحتى لا يشاهدني احد وانا أترقب خسائر جديده.
لم يتبقى الا ذالك اللقاء الغير متوقع كنت في السنوات قد غيرت مواعيد ذهابي وقدومي لمنزل موحش يجمعنا بعدما قلت كلماته وزاد صمته وبعدما اغلقت في حياتي تلك المنطقه الخضراء ولم أعد أشتم رائحه والدتي من جديد، كنت أتعاقب مع موعد نومه أذهب وهو نائم وأعود وهو نائم هكذا أريحه من مشاهدة وجههي، لكنها النهايه التي أراد إن يرسمها هو فأنتظرني في موعد قدومي للمنزل ولم تكن هي عادته، كان جالسًا في طرف صاله منزل اصبحت مظلمه بعد غياب من كانت تهتم بكل شي في هذا المنزل، لأول مره أرى التردد في ملامح وجهه قال لي: إذا…إذا اردت أن تغادر المنزل فخذ زوجتك وطفلك وغادر، أذا أردت !!! كانت عباره التخيير تلك بصيغه الأمر، بالرغم من صدمه الموقف والسؤال الذي رأيته أمامي الآن وأنا أحدث نفسي: أين أذهب أنا وزوجتي وطفلي الرضيع لكن كان هناك بصيص من ضوء راحة لي كنت اجهله طول تلك السنين ورأيته بعرضه علي بأن أغادر وفعلا لم أنتظر كثيراً فغادرت من ليلتي تلك التي فاجأت زوجتي وصراخ طفل رضيع. ولم أعد الا بعد سنتين وانا أتلقى اتصال يخبرني بوفاته.
أحسست بالوحشه تجتاحني وأنا في غرفه ضوئها خافت ولا يشاركني بها إلا رجل قد مات ولم يمت خوفي منه، مات وقد بقى صراخه علي في داخلي يطوقني من حيث ذهبت وسؤال بقى في داخلي أردت أن أوجهه لجسده المغادر : لماذا لم تستطع أن تكلمني بهدوء بهدوء فقط؟؟
قمت بتغطيه وجهه ووقفت لأغادر مكان كانت لي فيه أذن تسمع فقط الصراخ أغلقت مصباح الغرفه وعندما هممت لاغلق الباب لك كاني سمعت صوته من جديد ” لا تريني وجهك!

أضف تعليق