خدعتني نفسي ربما، لا أعرف كيف استسلمت لها بهذا الشكل، كيف سيطر ذلك الشعور علي، حياتي ليست طويلة، وعيناي ترتقبان الموت، أجدهما شاخصتين للأعلى دائماً، كأنهما سيلتقطانه وهو يهوي، صوتي المتحشرج ينبّئ كل من يسمعه بأنني سوف يحدث لي شيء، الأفكار ها هي أتت تتلصص من الشتات العقلي، ما إن تسنح فرصة للسرحان حتى تغزوني، حياتي ليست طويلة، والموت أشتمُّ رائحته من بعيد، أأواجهه وحدي؟ أيأتيني منفرداً؟ هل أستطيع فعل شيء معه؟ في النهاية ماذا عساه يكون مفزعاً أم مؤلماً؟لم يعد هناك مكان تطرد هذه الأفكار عني، فقد سيطرت علي بالكامل: حياتي ليست طويلة منذ أجبت بذلك الجواب اللعين.
أعود من عملي الحقير إلى منزلي الكريه، يجمعني بزوجة لم تترك أي معنى للكره والاحتقار إلا وعبرت عنه، بدأت أخاف منها، ومللت من خسائري في معاركها، كما سئمت هي من همسات جاراتها وهن يبثثن في مخيلتها كل الصور الذهنية التي خزنت في عقولهن وهن يشاهدن منظري المقيت وأنا أترنّح ليلاً قادماً من ليلة فسق عبّرتُ فيها عن كل مجوني، ولم يبق إلا نوافذ نساء الحي تعلن انتهاء إحدى الليالي التي فقدت قواي العقلية وقواي الداخلية بها، فلم يبق أمام زوجتي إلا أن تشتمّ من بعيد رائحة ألف ساقطة في ثيابي.
في حالة شبه اغتصاب نتج عن علاقتي مع زوجتي جاءت طفلتي الصغيرة مريم، آه يا مريم! أنت أجمل شيء صنعته بحياتي، بل أنت حياتي كلها، كم كنت أشيح عنها بوجهي الأسمر المقيت الذي زاد من سوئه ضربة سكين قطعت حاجبي الأيسر وشوهت منظر عيني، كنت دائماً لا أدقق في وجهها حتى لا أخدش نضارتها الخلابة، لكن في ذلك اليوم أتيت بكل ملامحي تجاهها، كانت حزينة، لا بد في الأمر شيء، ضممتها وعيناها دامعتان ولم تستطع كبت ما بها كثيراً، “لقد مات والد صديقتي هدى يا أبي”، وبإجابة تافهة وأنا أضمها لصدري من جديد غير آبهٍ بنظرات زوجتي الحقيرة التي استكثرت أن ترى فيَّ بواقي للخير: “لا تحزني يا حبيبتي هذه حال الدنيا، كل الناس سوف تموت”، وليتني لم أنطق بذلك، وقفتْ مريم متسمّرة وأطلقت سؤالاً من العيار الثقيل هزني: “وأنت يا أبي هل ستموت، هل ستموت وتتركني؟”، بكلمات سريعة حاولت أن أنهي خوفها المفاجئ: “لا لا يا حبيبتي أنا لن أموت لن أموت”.
أرخى الليل سدوله وأنا أقف في فناء منزلي، مضت أيام منذ أجبت بذلك الجواب اللعين، يضيق صدري بهذا التفكير، بدأت أرسم نهايتي دراماتيكياً، ما الذي سيحلُّ بمريم بعدي؟ وأي زوج حقير سيكون بعدي ليتفنن في تعذيبها؟”.
اقترب الصباح، واقتربت خطواتي من قصر أحمد، هو مدير مصرف كبير في مدينتنا، تجمعني معه علاقة كانت محل استغراب لكل من حوله، دخلت القصر ودخل معي أثر ضربة السكين في حاجبي الأيسر، كانت ثمناً لدفاعي عن أحمد عندما التفّ حوله بعض الذئاب التي حاولت كثيراً النهش منه، ووجدت نفسي مدافعاً عنه، كنت دائماً أقدم إلى القصر بعد عودة أحمد من رحلاته من أوروبا أحمل الهدايا التي يجلبها لمريم وظرفاً صغيراً فيه بعض المال بعدما نزعت الحياة كثيراً من ماء الحياء الذي كان في وجهي.
كيف سأفاتحه بشعوري الغريب؟ ماذا عساني أن أنطق به، لكني نطقت أمامه بكل ما أريد، لم أعد أطيق أن أتحمل هذا الشعور وحدي، أصفرَّ وجهه، لا أنكر أنه تفاجأ بما صرحت به، لم يزل يخاف علي، لم يزل يحبني إلى الآن، لم أفقد تميّزي الغريب لديه، لا أنكر أني لمحت بريق دموعه وهو يحدثني: “ما هذا الكلام الغريب الذي تقوله؟ الأعمار بيد الله، لا تستسلم لأفكارك الغريبة”، ثم ختم حديثه بعبارة ضاحكة لينهي حديثاً لا يريد أن يستمر فيه: “إذا أحسستَ بالموت فاكتب وصيتك”.
نعم عدت سريعاً إلى بيتي وأغلقت باب حجرتي، وبدأت أكتب وصيتي كأني أهرب بوصيتي إلى راحتي وكتبت:
“إلى صديقي أحمد، إن الموت يتناوشني، وإن لم يدركني الآن فقد أدركني منذ بدأ التفكير به، أحمد لا تنس موقف الوداع وأنت تسمع بخبر موتي، ذلك الموقف احملْهُ كله لمريم، تمهل في دموعك فبين يدي مريم بكاء طويل، إني راحل، أشعر بأني راحل، فإن كانت هذه وصية فإني أوصيك بمريم، أرجوك يا أحمد، مريم.. فقط مريم”. وضعت وصيتي في ظرف وكتبت عليه لا يفتح إلا بعد موتي، ونمت…
قصة قصيرة بقلم عبدالله العتيبي

أضف تعليق