كتاب سبر

أتاتورك الوشيحي…؟!!

أثار الكاتب محمد الوشيحي عبر حسابه في تويتر موضوع مصطفى كمال أتاتورك وأشاد بإنجازاته وبطولاته العسكرية وترسيته لقواعد الدولة الحديثة ودعا إلى قراءة سيرته قراءة جديدة متجرّدة وخالية من تأثير القناعات المسبقة عنه وتمنى أن تكون المادة المكتوبة عنه بأقلام غير المتضررين منه…!
وكالعادة تزاحم الناس للرد بين مؤيد ومعارض…فمنهم من وافق أبا سلمان ومنهم من عارضه…ولكن هناك شيء مهم غفل عنه الفريقان…وهو أن الخلاف ليس في ثبوت (الأعمال) التي قام بها أتاتورك…بل الخلاف الحقيقي في تفسير هذه الأعمال…فدعاة الدولة المدنيّة بمفهومها الغربي يقرأون سيرة أتاتورك بعيونهم وخلفيّتهم الثقافية التي تجعلهم يشيدون به وبإنجازاته…بينما يراه أرباب الثقافة الإسلامية المنحازون لتطبيق شرع الله طاغوت مجرم جرَّ بلاءً عظيماً على المسلمين بتنحية شرع الله ولازال المسلمون يعانون من هذا البلاء إلى الآن…لاسيما وهو القائل في افتتاح البرلمان التركي عام 1923:”نحن الآن في القرن العشرين لا نستطيع أن نسير وراء كتاب تشريع يبحث عن التين والزيتون”…!
فالذي يقرأ كتب التاريخ يرى بأن تصنيف أتاتورك كمصلح أو طاغوت راجع إلى القلم الذي كتبت به سيرته وخلفيّة صاحبه الثقافية…وخذ أمثلة مقتبسة من كتب كتبت بأقلام متعددة المشارب ليتضح لك الأمر:
فهذا الأمير شكيب أرسلان يصف حكومة تركيا الكمالية العلمانية بقوله:
(ليست حكومة دينية من طراز فرنسا وإنجلترا فحسب، بل هي دولة مضادة للدين كالحكومة البلشانية في روسيا سواء بسواء، إذ أنه حتى الدول اللادينية في الغرب بثوراتها المعروفة لم تتدخل في حروف الأناجيل وزي رجال الدين وطقوسهم الخاصة وتلغي الكنائس).
ويقول الأستاذ أنور الجندي:
(إن أتاتورك في الحقيقة لم يكن مجاهدا ولا مصلحا، وإنما كان تتمة الاتحاديين لقد أخروا دوره في المرحلة الأولى قبل الحرب ليتولى الدور الثاني.
فالاتحاديون أسقطوا الدولة العثمانية بأن أدخلوها الحرب لتصفي ماليتها ووجودها.
وجاء أتاتورك ليفرض عليها اللون الغربي، وينقلها نقلة واسعة عن دولة الخلافة الإسلامية إلى دولة علمانية تكتب بالحروف اللاتينية، ويقضي على الإسلام تماما، ومعاهدته السرية المعروفة التي عرفت بمعاهدة لوزان تكشف ذلك في وضوح.
وقد استطاع أتاتورك إخفاء وجهه الحقيقي حتى يؤدي دوره كاملا فخدع المسلمين في المرحلة الأولى بالصلاة وإمساك المصحف، وطلب الدعاء منهم.
أما دوره في الجهاد في أزمير فقد كشفت الوثائق أنه كان زائفا، وأن غيره هو الذي قام بدور البطولة، وأنه استلب منهم هذا المجد وحطمهم ونسبه إلى نفسه.
ولقد كان أتاتورك عميلا غربيا كاملا، وعميلا صهيونيا أصيلا، وقد أدى دوره تماما، وأقام تلك التجربة المظلمة المريرة التي تركت آثارها من بعد على العالم الإسلامي كله، والتي كشفت الأحداث في الأخير فسادها، وتبرأ الأتراك المسلمون من تبعتها، وكانت ظاهرة عودتهم إلى الأصالة مرة أخرى دليلا على أنها كانت تجربة زائفة مضادة للفطرة ولطبائع الأشياء، والدليل ان المسلمين لم يتقبلوها بل رفضوها، وقد كشف أكثر من مستشرق وفي مقدمتهم (هاملتون جب) أن العرب لن يقعوا في براثن هذه التجربة التي خرجت بهم عن الأصالة وعن الذاتية الإسلامية.
ولقد كان من أكبر معالم اضطراب كمال أتاتورك أنه عندما أحس بدنو أجله أن دعا السفير البريطاني ليتولى بدلا منه رئاسة الدولة التركية، كعلامة من علامات الخسة والنذالة والخيانة!!
وقد صفع المؤرخ العالمي آرنولد توينبي التجربة الكمالية التي يفخرون بها ويمجدونها الآن بعد أن رفضها أهلها وحكموا بفسادها. يقول توينبي: إن الأتراك كانوا عالة على الحضارة الغربية، وأنهم تغربوا ولم يقدموا أي شيء إلى هذه الحضارة، فكانوا عاجزين عن الإبداع في أي مجال من مجالات الإنتاج.
والواقع أن مصطفى كمال أتاتورك لم يكن كما يدعي المدعون شيئا جديدا، ولكنه كان حلقة في المؤامرة بدأها مدحت، وكان وسطها رجال الاتحاد والترقي للقضاء على السلطان والدولة العثمانية. ثم ختمها أتاتورك بالقضاء على الخلافة الإسلامية، ولا ريب أن انتقاص قدر الدولة العثمانية وحكامها مجاف لواقع التاريخ، وهو من عمل أتباع التغريب والشعوبية، وقد جرى ضمن مخطط يرمي إلى إثارة الخلافات والخصومة بين عناصر الأمة الإسلامية، وكان دعوة للوقيعة بين العرب والترك والفرس، وهم عناصر الأمة الواحدة التي جمعها القرآن وقادها محمد – صلى الله عليه وسلم – وآمنت بأنه لا إله إلا الله مهما كانت هناك خلافات فرعية فإنهم جميعا أمة واحدة، ولو كان هناك قليل من الإنصاف والأمانة التاريخية لدى كتابنا المزيفين لراجع الكاتب ما كتبه أستيورت وهو غربي في كتابه “حاضر العالم الإسلامي قبل أربعين عاما”، وكيف تحدث عن عظمة الدولة العثمانية ودورها الذي قامت به في وجه الصليبية الغربية.
– أما صيحة العناصر والأجناس التي حاول كاتب أخبار اليوم أن يجعلها قضية فإنها لم تكن كذلك في ذلك الوقت، وإنما هي المؤامرة التي عمد النفوذ الأجنبي بها إلى استغلال صيحة القوميات لتفكيك عرى الدولة العثمانية، أما المسلمون فلم يكونوا يعرفون مصرية وسورية وجزائرية وغيرها ولا كلمة العروبة نفسها، ولكنهم كانوا مسلمين فحسب، وإنما ظهرت هذه الدعوات إلى الإقليميات والقوميات بتحريض عناصر غير مخلصة لتفكيك عرى الوحدة، وهدم هذه الجامعة الإسلامية التي كان الغرب يخشاها، ولإقامة قومية زائفة هي القومية الصهيونية.
ولا ريب أن الأسلوب الذي اتخذ في إسقاط السلطان عبد الحميد هو أسلوب لم يعرفه النظام الإسلامي في تاريخه كله وهو من صنع المؤامرة الصهيونية التلمودية التي استطاعت أن تحمي وتحرك هذا الخداع عن طريق قوة عسكرية تتحرك هاتفة باسم السلطان خدعة ثم تكون في نفس الوقت متآمرة عليه لخدمة هدف غامض على كل الذين قاموا به، ولا يعرفه إلا القليل وهو إعادة اليهود إلى فلسطين.
كذلك فإن ما قام به أتاتورك لم يكن نصرا عسكريا أو سياسيا وإنما كان هناك إشارة بقبول التوجيه الغربي: وتوقيع ملحق معاهدة لوزان وهو الذي فتح الطريق إلى كل شيء، وبه حلت جميع المشاكل، وانسحبت كل الجيوش، وتحقق ما يسمى النصر والاستقلال، وكتبت على أثر ذلك آلاف الكتب في تمجيد البطل الذي لم يكن إلا عميلا من عملاء الخيانة لحساب الصهيونية العالمية والنفوذ الغربي والشيوعية أيضا، فإن الشيوعيين هم أول من عاونه لقاء موقفه من عداء الإسلام) بينما تجد الأقلام ذات المشارب الأخرى تشيد به…فهذا توينبي يثني على أعماله بقوله:
(إن الدولة القومية التركية التي أقامها مصطفى كمال على النسق الغربي تبدو -وقت كتابة هذه السطور- عملا ناجحا لم يتحقق مثله حتي ذلك الوقت في أي بلد إسلامي آخر)
-وامتدحه كذلك ولفرد كانتول سمث قائلا:(رأينا تركيا في سبيل رفعة شأنها وخلق مثل عليا جديدة لم تتردد في سحق السلطات الدينية وألغت تعاليمها وحررت الإسلام وكشفت النقاب عن الدين الحق القويم).
ومن أراد الاستزادة فليراجع كتاب أعلام وأقزام للعفاني.
فالحاصل أن (أتاتورك الوشيحي) ليس مغايراً (لأتاتورك الفريق الآخر) ولكن الخلاف في نظرتهم له ناشئ من الخلفية الثقافية و(البُعد) الذي ينظرون له منه…!!!
عبدالكريم الشمري

تويتر:a_do5y

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.