قرأت تغريدات للدكتورة ليلى المشاري تتناول فيها التاريخ الإسلامي الحديث…وبصرف النظر عما يُشاع بأن شهادتها (مضروبة) وأنها ليست من فرسان هذا الميدان وأنها وضعت نفسها في رتبة علمية (الدكتوراة) بغير وجه حق لتضفي على كلامها صبغة أكاديمية لعله يجد عند من تخطف عقولهم الألقاب قبولاً…أكرر بصرف النظر عن هذا كلّه ومدى صحّته أقول:
الطريقة التي تتناول فيها الدكتورة التاريخ طريقة (سرديّة) يستطيع أي مجيد للقراءة والكتابة أن يفتح كتاباً ويقتبس منه كلاماً ويعرضه بالشكل الذي عرضت فيه الدكتورة كلامها ثم يضع المصادر التي أخذ أسماءها من الكتاب (الوحيد) الذي قرأة -دون الرجوع لها حقيقة-تكثّراً وإيهاماً للقرّاء بأن المادة مستقاة من عدّة مصادر…ولكن المرجو من الدكتورة المتخصصة والمهتمة أن تتناول التاريخ بطريقة تحليلية وتقف عند بعض الأحداث التي كثر عليها الكلام وتساهم مع من ساهموا في حل بعض طلاسمها…لاسيما وأننا الآن نستطيع قراءة التاريخ قراءة جديدة ودقيقة لكثرة ووفرة المصادر التي عانى السابقون من شحّتها…؟!
وليت الدكتورة التي تزعم العقلانيّة وتعيب بكثرة على الناس التقليد تخرج من عباءة (معلّميها) فرج فودة وعلي الوردي وغيرهم من ذوي التوجه العلماني وتقرأ الأحداث خصوصا فيما يتعلّق بتاريخ الدولة العثمانيّة وبدعوة الإمام محمد الوهاب بعقليّة متجرّدة من القناعات المسبقة حتى لا تجد نفسها مضطربة بين ما قرأته في كتب (معلّميها) وبين ما وقعت عليه من حقائق…فكل من قرأ التاريخ بعين الانصاف أدرك بأن الدولة العثمانيّة أضافت للتاريخ الإسلامي أمجاداً عظيمة لا زال المسلمون إلى الآن يفاخرون بها متجاوزين بذلك عقدة القومية العرقية التي أضعفت الدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة…!
وأعلم كما يعلم غيري بأن الدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة عانت من تفشّي الفساد والظلم…ولكن الخلاف بيننا وبين الليبراليين…أنهم فرحوا بسقوطها وإقامة أتاتورك ركائز العلمانية الملحدة على أنقاضها ونحن كنّا نتمنى إصلاحها وتقويم اعوجاجها في ظل الشريعة الإسلامية وليس بالخروج منها…!
أمّا دعوة الإمام محمد عبدالوهاب فكل من قرأها قراءة منصفة عرف مدى قرب تعاليمها من الإسلام الصافي…ولم تكن دعوة توسعيّة دموية بالمعنى المادي كما حاولت الدكتورة ايهام الناس من خلال التركيز على بعض الأحداث دون بعض وإغفال أسبابها…فهذا طه حسين من رواد التغريب في الوطن العربي كتب مقالاً في مجلة (الهلال) عدد مارس (1933م) الموافق ذي الحجة (1351هـ) تحت عنوان (الحياة الأدبية في جزيرة العرب) وجاء فيه:
«إن الباحث عن الحياة العقلية الأدبية في جزيرة العرب لا يستطيع أن يُهمل حركة عنيفة نشأت فيها أثناء القرن الثامن عشر فلفتت إليها العالَم الحديث في الشرق والغرب، واضطرته أن يهتم بأمرها، وأحدثت فيها آثارًا خطيرة هان شأنها بعض الشيء ولكنه عاد فاشتد في هذه الأيام وأخذ يؤثر في الجزيرة وحدها، بل في علاقاتها بالأمم الأوروبية أيضًا، هذه الحركة هي حركة الوهابيين التي أحدثها محمد بن عبد الوهاب شيخ من شيوخ نَجد.
نشأ محمد بن عبد الوهاب في بيت علم وفقه وقضاء، تثقف على يد أبيه، ثم رحل إلى العراق، فسمع من علماء البصرة وفقهائها، وأظهر فيها آراءه الجديدة القديمة معًا، فسخط عليه الناس وأُخْرِجَ من البصرة، وكان يريد أن يذهب إلى الشام فحال الفقر بينه وبين ذلك، فعاد إلى نَجد وأقام مع أبيه حينًا يُناظر ويدعو إلى آرائه حتى ظهر أمره وانتشر مذهبه، وانقسم الناس فيه قسمين فكان له الأنصار، وكان له الخصوم، وتعرضت حياته آخر الأمر للخطر، فأخذ يعرض نفسه على الأمراء ورؤساء العشائر ليجيروه ويحموا دعوته حتى انتهى به الأمر إلى قرية الدرعية، وهناك عرض نفسه على أميرها محمد بن سعود فأجاره وبايعه على المعونة والنشر، ومن ذلك اليوم أصبح المذهب الجديد مذهبًا رسميًا يعتمد على قوة السياسة تؤيده وتحميه بل تنشره في أقطار نَجد بالدعوة اللينة حينًا وبالسيف والحرب في أكثر الأحيان، وعن هذا التحالف بين الدين والسياسة نشأت في الجزيرة العربية دولة سياسية عظم أمرها واشتد خطرها».
وقال كذلك:
“إن هذا المذهب الجديد قديم، والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر؛ لأنه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية، هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي خالصًا لله وحده، ملغيًا كل واسطة بين الله وبين الناس، هو إحياء للإسلام العربي وتطهير له مما أصابه من نتائج الجهل ومن نتائج الاختلاط بغير العرب، فقد أنكر محمد بن عبد الوهاب على أهل نجد ما كانوا قد عادوا إليه من جاهلية في العقيدة والسيرة، كانوا يعظمون القبور ويتخذون بعض الموتى شفعاء عند الله ويعظمون الأشجار والأحجار، ويرون أن لَها من القوة ما ينفع ويضر، وكانوا قد عادوا في سيرتهم إلى حياة العرب الجاهليين فعاشوا من الغزو والحرب ونسوا الزكاة والصلاة، وأصبح الدين اسمًا لا مُسمى له، فأراد محمد بن عبد الوهاب أن يَجعل من هؤلاء الأعراب الجفاة المشركين قومًا مسلمين حقًّا على نحو ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأهل الحجاز منذ أكثر من أحد عشر قرنًا.
«ومن الغريب أن ظهور هذا المذهب الجديد في نَجد قد أحاطت به ظروف تذكر بظهور الإسلام في الحجاز، فقد دعا صاحبه إليه باللين أول الأمر فتبعه بعض الناس، ثم أظهر دعوته فأصابه الاضطراب وتعرض للخطر، ثم أخذ يعرض نفسه على الأمراء ورؤساء العشائر كما عرض النبي نفسه على القبائل، ثم هـاجر إلى الـدرعية وبايعه أهلها على النصر كما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولكن ابن عبد الوهاب لم يرد أن يشتغل بأمور الدنيا فترك السياسة لابن سعود، واشتغل هو بالعلم والدين، واتخذ السياسة وأصحابها أداة لدعوته، فلما تم له هذا أخذ يدعو الناس إلى مذهبه، فمن أجاب منهم قبل منه، ومن امتنعَ عليه أغرى به السيف وشب عليه الحرب، وقد انقاد أهل نَجد لهذا المذهب وأخلصوا له وضحوا بحياتهم في سبيله على نحو ما انقاد العرب للنبي صلى الله عليه وسلم وهاجروا معه.
«ولولا أن الترك والمصريين اجتمعوا على حرب هذا المذهب، وحاربوه في داره بقوى وأسلحةٍ لا عهد لأهل البادية بها لكان من المرجو جدًّا أن يوحد هذا المذهب كلمة العرب في القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة كما وحد ظهور الإسلام كلمتهم في القرن الأول، ولكن الذي يعنينا من هذا المذهب أثره في الحياة العقلية والأدبية عند العرب، وقد كان هذا الأثر عظيمًا خطيرًا من نواح مُختلفة، فهو أيقظ النفس العربية ووضع أمامها مثلاً أعلى أحبته وجاهدت في سبيله بالسيف والقلم والسنان، وهو قد لفت المسلمين جميعًا وأهل العراق والشام ومصر بنوع خاص إلى جزيرة العرب». اهـ
فانظري وصفه لها بالقرب من روح وتعاليم الإسلام وتشبيهه أحداث فجر الرسالة المحمدية بأحداثها…!!!
ويقول كذلك الكاتب الكبير عباس محمود العقاد في كتابه (الإسلام في القرن العشرين) (ص85- 86) :
«النهضة في مصر بدأت عند أوائل القرن التاسع عشر ولكنها بدأت في الجزيرة العربية قبل ذلك بنحو ستين سنة بالدعوة الوهابية التي تُنسب للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبدأت نحو هذا الوقت في اليمن بدعوة الإمام الشوكاني صاحب كتاب (نيل الأوطار) وكلاهُما يُنادي بالإصلاح على نهج واحد وهو العود إلَى السنن القديم، ورفض البدع والمستحدثات في غير هوادة.
وإنما تسامع الناس بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وظلت الدعوة الشوكانية مقصورة على قراءة كتب الفقه والحديث؛ لأن الوهابيين اصطدموا بجنود الدولة العثمانية في إبَّان حربها مع الدول الأوربية التي اتفقت على تقسيمها……إلَى أن قال العقاد: ولم تذهب صيحة ابن عبد الوهاب عبثًا في الجزيرة العربية ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه فقد تبعه كثير من الحجاج وزوار الحجاز وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأعجب المسلمين أن سمعوا أن علة الهزائم التي تعاقبت عليهم إنما هي في ترك الدين لا في الدين نفسه، وإنهم خلقاء أن يستجدوا ما فاتهم من القوة والمنعة باجتناب البدع والعودة إلى دين السلف الصالح في جوهره ولبابه». اهـ
فالحاصل أن قراءة الدكتورة (السرديّة) للتاريخ وتركيزها على الجوانب السلبية فقط ومحاولة إبرازها على حساب الجوانب الايجابية لا تليق بدكتورة تزعم الحياديّة وبأن الحقيقة هي رائدها في مشوارها الثقافي…!!!
عبدالكريم دوخي الشمري
تويتر:a_do5y


أضف تعليق