جرائم وقضايا

((سبر)) تنشر الدراسة
دراسة للمحامي محمد الجاسم حول دستورية مواد المساس بالذات الأميرية

حصلت ((سبر)) على نص دراسة المحامي “محمد عبدالقادر الجاسم” يدفع فيها بعدم دستورية نص المادة 25 من القانون رقم 31 لسنة 1971 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء.. وتنشرها كما هي:-

بسم الله الرحمن الرحيم
الدفع بعدم دستورية نص المادة (25) من القانون رقم (31) لسنة 1971 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء
?
تنص مادة الاتهام، وهي المادة (25) من القانون رقم (31) لسنة 1971 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء، على التالي:
يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز خمس سنوات كل من طعن علنا أو في مكان عام، أو في مكان يستطيع فيه سماعه أو رؤيته من كان في مكان عام عن طريق القول أو الصياح أو الكتابة أو الرسوم أو الصور أو أية وسيلة أخرى من وسائل التعبير عن الفكر، في حقوق الأمير وسلطته، أو عاب في ذات الأمير، أو تطاول على مسند الإمارة“.
ويتضح من النص السابق أن مناط التجريم هو ارتكاب فعل أو أكثر من الأفعال التالية:
(أ) الطعن في حقوق الأمير وسلطته (ب) العيب في ذات الأمير (ج) التطاول على مسند الإمارة.
وحيث أنه من المقرر أن”القيود التي تفرضها القوانين الجزائية على الحرية الشخصية، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، تقتضي أن تصاغ أحكامها بما يقطع كل جدل في شأن حقيقة محتواها، ليبلغ اليقين بها حدا يعصمها من الجدل، وبما يحول بين رجال السلطة العامة وتطبيقها بصورة انتقائية، وفق معايير شخصية تخالطها الأهواء وتنال من الأبرياء لافتقارها إلى الأسس الموضوعية اللازمة لضبطها..“.
كما أنه من المقرر أن “الحق في الرقابة الشعبية فرعاً من حرية التعبير، ونتاجاً لها، فلا يجوز والأمر كذلك وضع قيود على هذا الحق على غير مقتضى من طبيعته ومتطلبات ممارسته، ومصادرة هذه الحرية أو فصلها عن أدواتها ووسائل مباشرتها، وإلا عد ذلك هدماً للديموقراطية في محتواها المقرر في الدستور..“.
لذلك فإن المتهم يدفع بعدم دستورية نص المادة (25) المشار إليها لمخالفتها نصوص المواد (6)، (7)، (30)، (32)، (34)، (36) من الدستور، وذلك للأسباب التالية:
?
السبب الأول

جاء نص المادة (25) المشار إليها مخالفا للضوابط الدستورية المقررة في التشريعات الجزائية وذلك من حيث اشتراط الوضوح والتحديد في الصياغة، وأن تكون غير مشوبة بعيب الغموض، وأن تصاغ في حدود ضيقة.
وحيث أن النص المشار إليه إذ جاء بصياغة مبهمة غامضة فضفاضة، فإنه يخالف بذلك نصوص المواد (30)، (32)، (34) من الدستور، وفي بيان ذلك نورد التالي:
تنص المادة (30) من الدستور على أن “الحرية الشخصية مكفولة“. كما تنص المادة (32) من الدستور على أن “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعمل بالقانون الذي ينص عليها“. وتنص المادة (34) من الدستور على أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع.ويحظر إيذاء المتهم جسمانيا أو معنويا“.
وحيث أن الأهداف الإجمالية المراد بلوغها في المجتمع من النصوص الدستورية السابقة إنما تتجلى في تكريس العدالة وتعزيزها، وحماية حقوق الأفراد من تعسف السلطات، وضمان تمتع الفرد، حين توجه له الاتهامات الجنائية، بمحاكمة عادلة منصفة توفر له فيها ضمانات أساسية لممارسة حقه في الدفاع عن نفسه، حماية لقرينة البراءة التي هي الأصل في الإنسان.
وحيث أن قاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون” ترتبط ارتباطا لا فكاك منه ولا تملص بالشرعية الجنائية التي هي السبيل الوحيد لضمان حقوق الأفراد في المجتمعات المتقدمة، وأنه من لوازم وأساسيات تلك الشرعية أن يكون النص الجزائي التجريم مكتوبا وواضحا ومحددا لا يكتنفه الغموض ولا الإبهام.

وبالعودة إلى نص المادة (25) المشار إليها، يتضح أن معالم الجرائم الواردة فيها غير منضبطة وغير محددة، فعبارة (حقوق الأمير) لم تتضمن بيانا واضحا للمقصود بكلمة (حقوق)، وما إذا كانت تعني (اختصاصاته) أم (مزاياه المالية). وإذا كان المقصود (اختصاصات الأمير)، فهل هي الاختصاصات التي يباشرها منفردا والمتصلة بشؤونه الخاصة أو بشؤون أسرة الصباح، أم أنها الاختصاصات التي يباشرها من خلال الوزراء. 
كذلك الأمر بالنسبة لتجريم الطعن (بسلطات الأمير)، فلم يوضح المشرع المقصود بسلطات الأمير، وهل هي مرادف لكلمة (حقوق) أم لها دلالة أخرى.
فضلا عن ذلك، فإن الدستور استخدم كلمة “صلاحيات” وليس حقوق أو سلطات الأمير، إذ نصت المادة (176) من الدستور على أنه “صلاحيات الأمير المبينة في الدستور لا يجوز اقتراح تنقيحها في فترة النيابة عنه“، وبالتالي فإن استخدام المشرع لكلمتي “حقوق وسلطات” من شأنه تعييب النص ووصمه بعدم الدستورية.
كما أن مادة الاتهام لم تبين المراد بكلمة “عاب“، وهل تعني كل انتقاد لأعمال الأمير أم أنها تعني السب والقذف والإهانة. فكلمة “عاب” من الاتساع بحيث تشمل كافة درجات إبداء الرأي في أعمال الأمير، وهي بذلك تكون بمثابة فخ منصوبة للخصوم السياسيين يتم اصطيادهم. فحين يقال “أخطأ الأمير في كذا..”، فهل هذه العبارة تتضمن عيبا في ذات الأمير؟ وحين يخالف الأمير نصوص الدستور ويتم تنبيهه إلى عدم جواز ذلك وأنه ليس من حقه مخالفة الدستور، فهل يعد هذا عيبا في ذاته؟
كما أن عبارة (تطاول على مسند الإمارة) عبارة فضفاضة غير ذات دلالة محددة يمكن معها معرفة نطاق الجريمة، وهل المقصود بمسند الإمارة شخص الأمير أم منصب رئيس الدولة أم المقصود شيء آخر.
إن النص السابق هو في حقيقة الأمر مجرد نموذج لنص عقابي عبارة عن فخ نصبتها السلطة السياسية لاصطياد من تريد اصطياده من خصومها.. ولعله من المهم معرفة أن هذا النص جاء ضمن قانون أقره مجلس الأمة في العام 1970 وهو مجلس جاء إثر تزوير مفضوح لنتائج الانتخابات العامة كما أجمع كل المراقبين السياسيين.
وأيا ما كان وجه الرأي في الأصل التاريخي للشرعية الجنائية، ولوجوب صياغة النصوص التجريمية صياغة دقيقة منضبطة، فإن للقرآن الكريم فضل السبق في تقرير هذه القاعدة. ويستفاد هذا التقرير من الآية الكريمة (55) من سورة (الأنعام) إذ يقول الحق تبارك وتعالى: 
(وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ).
وجاء في تفسير “الطبري” لهذه الآية الكريمة: “قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ” وكذلك نفصل الآيات”، وكما فصلنا لك في هذه السورة من ابتدائها وفاتحتها، يا محمد، إلى هذا الموضع، حجتَنا على المشركين من عبدة الأوثان، وأدلتَنا، وميَّزناها لك وبيَّناها، كذلك نفصِّل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حقّ ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل غيرهم،فنبينها لك، حتى يبين حقه من باطله، وصحيحهُ من سقيمه“. 
وجاء في تفسير “ابن كثير“: “يقول تعالى: وكما بَيَّنَا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد، وذم المجادلة والعناد، (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ) أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل”.
وجاء في تفسير “الجلالين”:(وكذلك) كما بينا ما ذكر (نفصل) نبين (الآيات) القرآن ليظهر الحق فيعمل به (ولتستبين) تظهر (سبيل) طريق (المجرمين) فتُجتَنب”.
وفي التفسير “الميسر“: ومثل هذا البيان الذي بيَّنَّاه لك -أيها الرسول-نبيِّن الحجج الواضحة على كل حق ينكره أهل الباطل; ليتبين الحق، وليظهر طريق أهل الباطل المخالفين للرسل”.
وفي تفسير “السعدي“:{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} أي: نوضحها ونبينها، ونميز بين طريق الهدى من الضلال، والغي والرشاد، ليهتدي بذلك المهتدون، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه. {تَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} الموصلة إلى سخط الله وعذابه، فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت، أمكن اجتنابها، والبعد منها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل”.

ومن بعد القرآن الكريم، نوضح الاجتهاد الوضعي العالمي في أصول صياغة النصوص الجزائية التجريمية وضوابطها.
فقد قررت المحكمة الدستورية العليا في مصر أن:
القيود التي تفرضها القوانين الجزائية على الحرية الشخصية، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، تقتضي أن تصاغ أحكامها بما يقطع كل جدل في شأن حقيقة محتواها، ليبلغ اليقين بها حدا يعصمها من الجدل، وبما يحول بين رجال السلطة العامة وتطبيقها بصورة انتقائية، وفق معايير شخصية تخالطها الأهواء وتنال من الأبرياء لافتقارها إلى الأسس الموضوعية اللازمة لضبطها. وما تقدم مؤداه أن النصوص العقابية لا يجوز من خلال انفلات عباراتها أو تعدد تأويلاتها أو انتفاء التحديد الجازم لضوابط تطبيقها أن تعرقل حقوقا كفلها الدستور، لذا تعين ألا تكون هذه النصوص شباكا أو شراكا يلقيها المشرع متصيدا باتساعها أو بخفائها المتهمين المحتملين ليكون تصنيفهم وتقرير من يجوز احتجازه من بينهم عبئا على السلطة القضائية لتحل إرادتها بعدئذ محل إرادة السلطة التشريعية وهو ما لا يجوز أن تنزلق إليه القوانين الجنائية باعتبار أن ما ينبغي أن يعنيها هو أن تحدد بصورة جلية مختلف مظاهر السلوك التي لا يجوز التسامح فيها على ضوء القيم التي تبنتها الجماعة واتخذتها أسلوبا لحياتها وركائز لتطورها“.
(حكم المحكمة الدستورية العليا في 1/10/1994 ق 20 س 15)
كما قررت المحكمة الدستورية العليا في مصر:
إن غموض النص العقابي يعني أن يكون مضمونه خافيا على أوساط الناس باختلافهم حول فحواه، ومجال تطبيقه وحقيقة ما يرمي إليه، فلا يكون معرفا بطريقة قاطعة بالأفعال المنهي عن ارتكابها، بل مجهلا بها ومؤديا إلى انبهامها ومن ثم يكون إنفاذه مرتبطا بمعايير شخصية قد تخالطها الأهواء، وهي بعد معايير مرجعها إلى تقدير القائمين على تطبيقه لحقيقة محتواه، وإحلال فهمهم الخاص لمقاصده محل مراميه التي غالبا ما يجاوزونها التواء بها أو تحريفا لها لينال من الأبرياء. وبوجه خاص فإن غموض النص العقابي يعوق محكمة الموضوع عن إعمال قواعد صارمة جازمة تحدد لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لا لبس فيه. وهي قواعد لا ترخص فيها وتمثل إطارا لعملها لا يجوز اقتحام حدوده. كذلك فإن غموض النص العقابي يحمل في ثناياه مخاطر اجتماعية لا ينبغي التهوين منها. ويقع ذلك لأن تطبيقه يكون انتقائيا منطويا على التحكم في أغلب الأحوال وأعمها، ولأن المواطنين الذين اختلط عليهم نطاق التجريم، والتوت بهم مقاصد المشرع، يعقدون عادة، حذر العقوبة وتوقيا لها، عن مباشرة الأفعال التي داخلتهم شبهة تأثيمها، وإن كان القانون بمعناه العام يسوغها. بل أن الاتجاه المعاصر والمقارن في شأن النصوص العقابية يؤكد أن الأضرار المترتبة على غموضها لا تكمن في مجرد التجهيل بالأفعال المنهي عنها، بل تعود، في تطبيقاتها، إلى عنصر أكثر خطرا وأبرز أثرا يتمثل في افتقارها إلى الحد الأدنى من الأسس اللازمة لضبطها والتي تحول كأصل عام بين القائمين على تنفيذها وإطلاق العنان لنزواتهم أو سوء تقديراتهم“.
(حكم المحكمة الدستورية العليا في 12/2/1994 ق 105 س 12)

كما قررت المحكمة ذاتها أنه:
انبهام النص العقابي أو الانحراف عن الأغراض الاجتماعية التي يتوخاها، يجمعها التجهيل بحقيقة الأفعال المنهي عنها، وهو ما يناقض ضرورة أن تكون القيود على الحرية الشخصية التي تفرضها القوانين الجزائية محددة بصورة يقينية لا التباس فيها، ذلك أن هذه القوانين تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها، كي يدافعوا عن حقهم في الحياة وكذلك عن حرياتهم تلك المخاطر التي تعكسها العقوبة. ومن ثم كان أمرا مقضيا أن تصاغ النصوص العقابية بما يحول دون انسيابها أو القياس عليها أو تباين الآراء حول مقاصدها“.
(حكم المحكمة الدستورية العليا في 12/2/1994 ق 105 س 12)

وقررت المحكمة ذاتها أيضا:
إذا كان الأصل في النصوص العقابية هو أن تصاغ في حدود ضيقة لضمان أن يكون تطبيقها محكما، فقد صار من الحتم أن يكون تميعها محظورا، ذلك أن عموم عباراتها واتساع قوالبها قد يصرفها إلى غير الأغراض المقصودة منها، وهي تحض دوما على عرقلة حقوق كفلها الدستور، أو تتخذ ذريعة للإخلال بها وفي مقدمتها حرية التعبير“.

(حكم المحكمة الدستورية العليا في 12/2/1994 ق 105 س 12)
وقررت أيضا:
وحيث إن الدستور أعلى قدر الحرية الشخصية، فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة في النفس البشرية، الغائرة في أعماقها، والتيلا يمكن فصلها عنها، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها، وبما لا إخلال فيه بالحق في تنظيمها، وبمراعاة أن القوانين الجنائية قد تفرض على هذه الحرية -بطريق مباشر أو غير مباشر-أخطر القيود وأبلغها أثراً. ويتعين بالتالي أن يكون إنفاذ القيود التي تفرضها القوانين الجنائية على الحرية الشخصية، رهناً بمشروعيتها الدستورية. ويندرج تحت ذلك، أن تكون محددة بصورة يقينية لا التباس فيها. ذلك أن هذه القوانين تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها كي يدفعوا عن حقهم في الحياة، وكذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التي تعكسها العقوبة. ومن ثم كان أمراً مقضياً، أن تصاغ النصوص العقابية بما يحول دون انسيابها أو تباين الآراء حول مقاصدها، أو تقرير المسئولية الجنائية في غير مجالاتها عدواناً على الحرية الشخصية التي كفلها الدستور.
وحيث إن العدالة الجنائية في جوهر ملامحها، هيالتي يتعين ضمانها من خلال قواعد محددة تحديداً دقيقاً، ومنصفاً، يتقرر على ضوئها ما إذا كان المتهم مداناً أو بريئاً، ويفترض ذلك توازناً بين مصلحة الجماعة في استقرار أمنها، ومصلحة المتهم في ألا تفرض عليه عقوبة ليس لها من صلة بفعل أتاه، أو تفتقر هذه الصلة إلى الدليل عليها. ولا يجوزبالتالي أن تنفصل العدالة الجنائية عن مقوماتها التي تكفل لكل متهم حداً أدنى من الحقوق التيلا يجوز النزول عنها أو التفريط فيها، ولا أن تخل بضرورة أن يظل التجريم مرتبطاً بالأغراض النهائية للقوانين العقابية.
وحيث إن الأصل في النصوص العقابية، أن تصاغ في حدود ضيقةnarrowly tailored تعريفاً بالأفعال التي جرمها المشرع، وتحديداً لماهيتها، لضمان ألا يكون التجهيل بها موطئاً للإخلال بحقوق كفلها الدستور للمواطنين، كتلك التي تتعلق بحرية عرض الآراء وضمان تدفقها من مصادرها المختلفة، وكذلك بالحق في تكامل الشخصية، وأن يؤمن كل فرد ضد القبض أو الاعتقال غير المشروع. ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة، وتقرير أحوال فرضها، مما يدخل في إطار تنظيم الحقوق، ويندرج تحت السلطة التقديرية للمشرع، إلاأن هذه السلطة حدها قواعد الدستور. ولازمها ألا تكون النصوص العقابية شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها، أو بخفائها، من يقعون تحتها، أو لا يبصرونمواقعها..“.
(المحكمة الدستورية العليا برقم 49 لسنة 17 قضائية “دستورية” 15/ 6/1996)
وفي الاتجاه ذاته، قررت المحكمة الدستورية في مملكة البحرين أنه:
وحيث إن الدستور قد بوأ مبادئ العدل والحرية والمساواة مكاناًعلياً بين نصوصه وحرص على تصدرها المقومات الأساسية للمجتمع الواردة بالباب الثانيمنه، فنص في المادة (4) على أن “العدل أساس الحكم، والتعاون والتراحم صلة وثقىبين المواطنين ، والحرية والمساواة والأمن والطمأنينة والعلم والتضامن الاجتماعيوتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة”، ثم أورد المواد (19) و(20) و(31 ) من الدستور  لتفصل تلك المبادئ والمقومات الأساسية المتعلقة بكفالةالحرية الشخصية وصون الحقوق والحريات العامة، تأكيداً منه على عدم جواز أن ينالتنظيمها أو تحديدها من جوهرها، وعدم جواز التجريم والعقاب إلا بناء على قانون،والحرص على تقرير مبدأ افتراض البراءة، باعتباره يتفق مع الفطرة التي فطر الله – عز وجل – الناس عليها، مما مؤداه افتراض براءة المتهم حتى تثبت إدانته في محاكمةقانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع في جميع مراحل التحقيقوالمحاكمة. ومما يدل على سمو مبادئ الحرية والمساواة وعلو شأنها بين نصوص الدستور،أَنْ قرنها الدستور بالمبادئ التي لا يجوز اقتراح تعديلها بأي حال من الأحوال معالمادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريعومع النظام الملكي ومبدأ الحكم الوراثي، ونظام المجلسين، فنص في الفقرة (ج) منالمادة (120 ) على أنه “لا يجوز اقتراح تعديل المادة الثانية من هذا الدستور، كمالا يجوز اقتراح تعديل النظام الملكي ومبدأ الحكم الوراثي بأي حال من الأحوال ،وكذلك نظام المجلسين ومبادئ الحرية والمساواة المقررة في هذا الدستور“.
 وحيث إن الفقرة (أ) من المادة (20) من الدستور بنصها على أَنْ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعملبالقانون الذي ينص عليها” قد دلت على أن لكل جريمة ركنها المادي الذي يدور معها فيوجودها وفي شرعية عقابها، فلا قوام لجريمة بغير هذا الركن الركين، ولا شرعيةلعقوبة بدون هذا المحور الذي عليه مدار التأثيم. وهو ما أكدته الفقرة المذكورة بحظرالعقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعمل بالقانون الذي ينص عليها، بما مؤداه حصردائرة العقوبة في إطار الأفعال أو الامتناع عنها بالمخالفة للقانون. وبهذا النصيفصح الدستور عن أَنَّ أساس التجريم الذي ينبني عليه أي نص عقابي في زواجرهونواهيه   ابتداءً– هو مادية الفعل المعاقب على ارتكابه، إيجابياً كان هذاالفعل أم سلبياً، ذلك أن المسائل التي ينظمها قانون العقوبات في مجال تطبيقه علىالمخاطبين بأحكامه محورها الأفعال ذاتها في علاماتها الخارجية ومظاهرها الواقعيةوخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي تقبل الإثبات والنفي، وهيالتي يتم بها التمييز بين الجرائم بعضها عن بعض، وهي التي تقدر محكمة الموضوع علىأساسها طبيعة الجرم ومقدار العقوبة المناسبة له. بل إن محكمة الموضوع، وهي بصددتقدير توافر القصد الجنائي، لا تعزل نفسها عن ركن الجريمة المادي والفعل محلالاتهام الذي يجب إقامة الدليل عليه ابتداء بصورة قاطعة، فتجيل بصرها فيه منقبةمن خلال عناصره عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكاب الفعل المعاقب علي.فالركن المادي هو الذي يكشف بعناصره المادية عن الركن المعنوي، وبهما معاً تقدرمحكمة الموضوع دور الجاني في الجريمة، فيأتي تقديرها للعقوبة في حدودهما متناسباًمع تورط الجاني في ارتكاب الجرم. وبالتالي لا يتصور وفقاً لأحكام الدستور أن توجدجريمة في غيبة ركنها المادي ولا إقامة الدليل على توافر العلاقة السببية بين ماديةالفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه. ولازم ذلكأن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية لا تعتبر واقعة في منطقة التجريم إلا إذاكانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعالأحدثتها إرادة مرتكبها، وإنما مجرد نوايا يضمرها الإنسان في أعماق ذاته، ولم يتمالتعبير عنها خارجياً في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.

وحيث إن المادة (19) من الدستور بتأكيدها على كفالة الحريةالشخصية قد جعلتها أصلا من الأصول والمقومات الدستورية الأساسية، بما مؤداه أنسلطة المشرع في تنظيمه لها مقيد بالحفاظ على وجودها، وألا ينال التنظيم أو التحديدمن جوهرها، وألا يضع عليها من القيود ما يعصف بها، وهو ما قررته المادة (31) منالدستور. 
 وحيث إن القوانين العقابية تفرض على الحرية الشخصية أخطر القيودوأبلغها أثراً، فإن الدستور قد وضع على تلك القوانين قيوده الصارمة وضوابطه الواضحة، حتى لا يتخذها المشرع وسيلة للذهاب بجوهر الحرية. ومن أهم هذه الضوابط ضرورة أنتكون درجة اليقين التي تنظم أحكام القوانين العقابية في أعلى مستوياتها، وأظهر فيهذه القوانين من أية تشريعات أخرى. ويتعين بالتالي – ضماناً لهذه الحرية-أن تكونالأفعال التي تؤثمها محددة بصورة قاطعة بما يحول دون التباسها بغيرها، وأن تكونجلية واضحة في بيان الحدود الضيقة لنواهيها، ذلك أن التجهيل بها أو انبهامها في بعضجوانبها لا يجعل المخاطبين بها على بينة من حقيقة الأفعال التي يتعين عليهم تجنبها. كما أن غموض مضمون النص العقابي يؤدي إلى أن يُحال بين محكمة الموضوع وبين إعمالقواعد منضبطة، تُعَيِنُ بموجبها أركان كل جريمة، وتُقَرِرُ بها عقوبتها بما لاخفاء فيه أو لبس، وهي قواعد لا ترخص فيها، وتمثل إطاراً لعملها لا يجوز تجاوزه. ذلك أن الغاية التي يتوخاها الدستور هي أن يوفر لكل مواطن الفرص الكاملة لمباشرةحرياته في إطار من الضوابط التي قيدها بها. ولازم ذلك أن تكون القيود على الحريةالتي تفرضها القوانين العقابية محددة بصورة يقينية، لأنها تدعو المخاطبين بها علىالامتثاللها لكي يدافعوا عن حقهم في الحياة، ويدفعوا عن حرياتهم تلك المخاطر التيتعكسها العقوبة، بحيث لا يجوز تجاوز الحدود التي اعتبرها الدستور مجالاً حيوياًلمباشرة الحقوق والحريات التي كفلها، وهو ما يخل في النهاية بالضوابط الجوهريةالتي تقوم عليها المحاكمة المنصفة وفقاً لنص المادة (20/ج) من الدستور.

 وحيث إن إعلاء الدستور من قدر الحرية الشخصية في المادتين (19) و (31) مؤداه أن الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية في شأن دستوريةالنصوص العقابية يتعين أن تضبطها مقاييس صارمة ومعايير حادة تلتئم وطبيعة هذهالنصوص في اتصالها المباشر بالحرية الشخصية، مما يفرض على المشرع الجنائي أن ينتهجالوسائل القانونية السليمة، سواء في جوانبها الموضوعية أو الإجرائية لضمان أن لاتكون العقوبة أداة عاصفة بالحرية، ولكي تكون العقوبة التي يفرضها في شأن الجريمةتبلور مفهوما للعدالة يتحدد على ضوء الأغراض الاجتماعية التي تستهدفها، فلا يندرجتحتها مجرد رغبة الجماعة في ملاحقة المتهم، كما لا يسوغ للمشرع أن يجعل من النصوصالعقابية شباكاً أو شراكاً يلقيها ليتصيد باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أويخطئون مواقعها. ولا يعد الجزاء الجنائي مبرراً إلا إذا كان واجباً لمواجهة ضرورةاجتماعية لها وزنها ومتناسباً مع الفعل المؤثم، فإن جاوز ذلك كان مفرطاً في القسوةمجافياً للعدالة، وأساس ذلك أن شرعية الجزاء – جنائياً كان أم مدنياً أم تأديبياً – مناطها أن يكون هذا الجزاء متناسباً مع الأفعال التي أثمها المشرع أو حظرها أوقيد مباشرتها. فالأصل في العقوبة هو معقوليتها، فكلما كان الجزاء الجنائي بغيضاًأو عاتياً أو كان متصلاَ بأفعال لا يسوغ تجريمها أو مجافيا بصورة ظاهرة للحدود التييكون معها متناسباً مع خطورة الأفعال التي أثمها المشرع، فإنه يفقد مبررات وجودهويصبح تقييده للحرية الشخصية اعتسافاً”.

(حكم المحكمة الدستورية البحرينية الصادر في الدعويين المقيدتين بجدول المحكمة الدستورية برقم د/3/04 و  د 4/04 لسنة 2 قضائية بتاريخ 26/6/2006)

أما المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، فقد قررت:
إن الجريمة يجب أن تكون محددة بوضوح في التشريع”. كما قرر المجلس الدستوري الفرنسي أنه من الضروري أن يعرّف المشرع الجرائم في عبارات واضحة ومحددة بطريقة كافية وذلك لاستبعاد التحكم.
(للمزيد، يمكن قراءة: القانون الجنائي الدستوري، أحمد فتحي سرور، دار الشروق، الطبعة الثانية، 2002)
أما المحكمة الدستورية الكويتية، فقد قررت:
ولا يتصور أن يكون قد قصد الدستور من ذلك أن يتخذ من هذا التنظيم ذريعة لتجريد الحق من لوازمه، أو العصف به، وإطلاق سلطة الإدارة في إخفات الآراء بقوة القانون، أو منحها سلطة وصاية تحكيمية على الرأي العام، أو تعطيل الحق في الحوار العام، وذلك من خلال نصوص تتعدد تأويلاتها، مفتقدة التحديد الجازم لضوابط تطبيقها، مفتقرة إلى عناصر الضبط والإحكام الموضوعي، منطوية على خفاء وغموض مما يلتبس معناها على أوساط الناس، ويثار الجدل في شأن حقيقة محتواها بحيث لا يأمن أحد معها مصيرا، وأن يكون هذا التجهيل موطئا للإخلال بحقوق كفلها الدستور كتلك المتعلقة بالحرية الشخصية وحرية التعبير وحق الاجتماع، وضمان تدفق الآراء من مصادرها المختلفة، فسلطة التنظيم حدها قواعد الدستور، ولازمها ألا تكون النصوص شباكا أو شراكاً يلقيها القانون متصيدا باتساعها او بخفائها من يقعون تحتها ولا يبصرون مواقعها، لا سيما وقد تعلقت هذه النصوص بنصوص جزائية لا غنى عن وجوب أن يكون المخاطبون بها على بينة من حقيقتها والوقوف على مقصودها ومجال تطبيقها فلا يكون سلوكهم مجافيا لها بل متفقا معها ونزولا عليها، فلا تنال النصوص من بريء، ولا يضار منها غير آثم أو مخطئ أو مسيء، والحاصل أنه وإن كان غموض النصوص التشريعية عامة يعيبها، إلا أن غموض النصوص لا سيما المتعلقة منها بنصوص جزائية خاصة يصمها بعدم الدستورية، لما يمثله ذلك من إخلال بالحقوق الجزائية، وبقيمها، وضوابطها، وأهدافها وقواعدها الإجرائية والتي تعتبر وثيقة الصلة بالحرية الشخصية والتي تكفل لحقوق المتهم الحد الأدنى من الحماية الجزائية بما تؤمنه له المادة (34) من الدستور من نظام يتوخى بأسسه صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه الأساسية ويحول بضماناته دون إسادة استخدام العقوبة بما يخرجها عن أهدافها..“.
(الحكم الصادر في الطعن رقم (1) لسنة 2005 دستوري بتاريخ 1 مايو 2005)
كما قررت:
وحيث إن هذا النعي سديد، ذلك أن النص في المادة (30) من الدستور على أن “الحرية الشخصية مكفولة” وفي المادة (32) منه على أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون…” وفي المادة (33) منه على أن “العقوبة شخصية” يدل – وحسبما جرى به قضاء هذه المحكمة – على أن مبدأ شرعية الجريمة والعقوبة الذي يخول المشرع بموجب سلطته التقديرية – التي يمارسها وفقاً للدستور – الحق في إنشاء الجرائم وتحديد العقوبات التي تناسبها، وأن اتخذ هذا المبدأ من كفالة الحرية الشخصية بنياناً لإقراره، وأساساً لتأكيده إلا أن هذه الحرية ذاتها هي التي تقيد محتواه ومضمونه، بحيث لا يكون إنفاذه إلا بالقدر اللازم الذي يكفل صونها، ولازم ذلك أنه يجب أن تكون الأفعال المؤثمة محددة بصورة قاطعة بما يحول دون التباسها بغيرها، وأن تكون واضحة في بيان الحدود الضيقة لنواهيها حتى يكون المخاطبون بها على بينة من حقيقة تلك الأفعال التي يتعين عليهم اجتنابها وذلك تحقيقاً لهدف المشرع من العقوبة وهو الزجر الخاص للمجرم جزاءً وفاقاً لما اقترفته يداه من جرم، والردع العام لغيره لحمله على الإعراض عن إتيان الجرم، كذلك فإن مراعاة الحرية الشخصية تقتضي عدم إعمال نصوص عقابية يساء تطبيقها بالنسبة إلى المراكز القانونية القائمة للمخاطبين بها“.
(المحكمة الدستورية، الطعن رقم 6 لسنة 2007 دستوري، جلسة 22 ابريل 2008) وفي المعني ذاته (الطعن رقم 1 لسنة 2009 دستوري -جلسة 7 من يونيو 2009)
لما كان ذلك وكان نص المادة (25) من القانون رقم (31) لسنة 1970 قد جاء مخالفا للنصوص الدستورية المشار إليها، ولما استقر عليه القضاء الدستوري، فإن الدفع بعدم دستوريته يضحى دفعا جديا وهو ما يوجب على المحكمة الموقرة وقف نظر الدعوى وإحالة الدفع إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه.
السبب الثاني
تنص المادة (6) من الدستور على أن “نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور”.كما تنص المادة(7) من الدستور على أن “العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع..“. كما تنص المادة (36) من الدستور على أن “حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما وذلك وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون“.
وجاء في المذكرة التفسيرية للدستور:
ومن وراء التنظيم الدستوري لمسئولية الوزراء السياسية،توجد كذلك وبصفة خاصة رقابة الرأي العام التي لا شك في أن الحكم الديمقراطي يأخذبيدها ويوفر مقوماتها وضماناتها، ويجعل منها مع الزمن العمود الفقري في شعبيةالحكم. وهذه المقومات والضمانات في مجموعها هي التي تفي، على المواطنين بحبوحة منالحرية السياسية، فتكفل لهم – إلى جانب حق الانتخاب السياسي –  مختلف مقوماتالحرية الشخصية (في المواد 30، 31،32، 33، 34 من الدستور) وحرية العقيدة(المادة 35) وحرية الرأي (المادة 36) وحرية الصحافة والطباعة والنشر (المادة 37)،وحرية المراسلة (المادة 39) وحرية تكوين الجمعيات والنقابات (المادة 43) وحريةالاجتماع الخاص وعقد الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات (المادة 44) وحق تقديمالعرائض إلى السلطات العامة (المادة 45) وفي جو مليء بهذه الحريات ينمو حتما الوعيالسياسي ويقوى الرأي العام، وبغير هذه الضمانات والحريات السياسية، تنطوي النفوسعلى تذمر لا وسيلة دستورية لمعالجته، وتكتم الصدور آلاما لا متنفس لها بالطرقالسلمية، فتكون القلاقل، ويكون الاضطراب في حياة الدولة..“.
أما المحكمة الدستورية الكويتية، فقد قررت في أحد أحكامها المشهورة:
وحيث أن الدستور أفرد بابا خاصا هو الباب الثالث منه للحقوق والواجبات العامة إكبارا لها وتقديرا لأهميتها وإعلاء لشأوها، وأحاطها بسياج من الضمانات كافلا صونها وحمايتها، وقد جمع هذا الباب نوعين من الحقوق: الأول: المساواة، والثاني: الحريات المختلفة، وقرن إلى ذلك بعض ما يرتبط بهما من أحكام، ويستخلص من النصوص التي جاءت في هذا الشأن أنها وضعت في جانب منها قيدا على سلطة المشروع فيما يسنه من قوانين تنظيما لها، بألا يجاوز الحدود والضوابط التي فرضتها هذه النصوص، أو ينال من أصل الحق أو يحد من ممارسته، أو يحيد عن الغاية من تنظيمه على الوجه الذي لا ينقض معه الحق أو ينتقص منه..“.
كما قررت:

“وحيث أنه متى كان ما تقدم جميعه، وكان الأصل أن حريات وحقوق الإنسان لا يستقل أي مشرع بإنشائها، بل أنه فيما يضعه من قواعد في شأنه لا يعدو أن يكون كاشفا عن حقوق طبيعية أصيلة، ولا ريب في أن الناس أحرار بالفطرة، ولهم آراؤهم وأفكارهم، وهم أحرار في الغدو والرواح، فرادى ومجتمعين، وفي التفرق والتجمع مهما كان عددهم ما دام عملهم لا يضر بالآخرين، وقد غدت حريات وحقوق الإنسان جزءاً من الضمير العالمي واستقرت في الوجدان الإنساني، وحرصت النظم الديموقراطية على حمايتها وتوفير ضماناتها، كما درجت الدساتير على إيرادها ضمن نصوصها تبصيراً للناس بها، ويكون ذلك قيداً على المشرع لا يتعداه فيما يسنه من أحكام، وقد تطورت هذه الحريات فأضحت نظاماً اجتماعياً وحقاً للأفراد ضرورياً للمجتمعات المدنية لا يجوز التفريط فيه أو التضحية به إلا فيما تمليه موجبات الضرورة ومقتضيات الصالح المشترك للمجتمع، والحاصل أن الحريات العامة إنما ترتبط بعضها ببعض برباط وثيق بحيث إذا تعطلت إحداها تعطلت سائر الحريات الأخرى، فهي تتساند جميعاً وتتضافر ولا يجوز تجزئتها أو فصلها أو عزلها عن بعضها..”.

وقررت أيضا:

“وإذ كان الأمر كذلك، وكان مبدأ السيادة الشعبية، جوهر الديموقراطية وعمادها،لازمه أن يكون للشعب، ممثلاً في نوابه بالمجلس النيابي، الكلمة الحرة فيما يعرض عليه من شؤون عامة، وأن يكون لأفراد الشعب أيضاً رقابة شعبية فعالة يمارسها بالرأي الحر، مما يغدو معه الحق في الرقابة الشعبية فرعاً من حرية التعبير، ونتاجاً لها، فلا يجوز والأمر كذلك وضع قيود على هذا الحق على غير مقتضى من طبيعته ومتطلبات ممارسته، ومصادرة هذه الحرية أو فصلها عن أدواتها ووسائل مباشرتها، وإلا عد ذلك هدماً للديموقراطية في محتواها المقرر في الدستور..”.
(الحكم الصادر في الدعوى رقم 1 لسنة 2005 دستوري بتاريخ 1 مايو 2006)
وحيث أن مفاد ما سبق أن التضييق على حرية التعبير الرأي بحجة تنظيمها يتنافى مع الأصل الذي قام عليه نظام الحكم في الكويت وهو أنه نظام ديمقراطي السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا، بما في ذلك سلطة الأمير، كما أنه يتعارض مع ما ورد في نصوص الدستور والمذكرة التفسيرية للدستور وما ورد أيضا في حكم المحكمة الدستورية المشار إليه.
وحيث أن نص المادة (25) من القانون رقم (31) لسنة 1970 قد جاء قيدا غير لازم على حرية التعبير، مفرغا تلك الحرية من جوهرها، ملتفا على حق الإنسان الطبيعي في التعبير عن رأيه، معيقا لحرية التعبير باسم حماية (حقوق) الأمير و(سلطاته) و(مسند إمارته)، على الرغم من أن النظام الدستوري الكويتي هو نظام شبه برلماني تتكون فيه السلطة التنفيذية من الأمير ومجلس الوزراء، ومن المقرر أن السلطات التي يقررها الدستور للأمير إنما هي سلطات اسمية يمارسها مجلس الوزراء، باستثناء بعض السلطات التي يختص بها الأمير فعليا.
 لذلك كله، فإن نص المادة (25) المشار إليه يضحى غير دستوري، مما يحق معه للمتهم أن يدفع بعدم دستوريته، ويطلب من المحكمة الموقرة وقف نظر الدعوى وإحالة الدفع إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه.