لا يخفى على رجل الشارع مصطلح (مرسوم ضرورة) بالمعنى البسيط استنادًا إلى فهمه المتواضع للمادة 71 من الدستور التي تقول: “إذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حلّه -ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير- جاز للأمير أن يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون ..”، هنا يسأل المواطن العادي نفسه عن الذي أوجب الإسراع في إصدار مرسوم الصوت الواحد؟ وعن ماهية التدابير التي لم تحتمل التأخير في إصدار ذلك المرسوم؟ وغالبًا ما تأتي الإجابة الزرقاء على تلك التساؤلات البريئة – ليس في نظر السلطة – من منطلق (الشيوخ أبخص) وجاعلةً الضرورة سرًا مكنونًا لا يعرفه إلا اللوبي الحاكم، فلا يمكن للشعوب التافهة والرعية الساذجة أن ترى كل ما يراه ولاة أمورهم!
لقد اتفق الفقهاء المسلمون على أن (الضرورات تبيح المحظورات)، ولكنهم اتفقوا أيضًا على أن (الضرورة تقدر بقدرها) وقدموا في هذه أمثلة عديدة، فمن أبيحت له الميتة أكل منها بقدر ما يسد رمقه وليس حتى الشبع، ومن أبيح له التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه فيقتصر منها على ما يدفع عنه الإكراه فإن استطاع التورية لم يجز له التصريح، ومن أبيح له كشف عورته كشف منها قدر الحاجة، وأن من جازت له الغيبة فيقتصر منها على قدر ما يحتاج إليه الحال، وأن للمسلم أن يدفع المعتدي بالأخف فالأخف فإن اندفع بالصياح لم يدفع بالضرب وإن اندفع بالضرب لم يدفع بالجرح.
إن الكويت اليوم وللأسف الشديد على حدود منطقة الضرورة إن لم تكن قد تجاوزتها فعلاً، فهل حال الوطن كحاله قبل هذا المرسوم الغير ضروري؟ أليس انقسام الشعب وتفتت اللحمة الوطنية وتخوين الآخر صار مضاعفاً بعده؟ هل الاعتقالات والمحاكم السياسية كانت بهذا الشكل قبل مرسوم الصوت الواحد؟ كيف كان سقف الخطابات وحجم الاحتجاجات وزخم المسيرات قبل المرسوم وكيف أصبح ارتفاعه بعده؟! إن كانت إجاباتنا صريحة متجردة شفافة فلن نختلف على أن الأوضاع انحدرت بشكل كارثي بعد مرسوم الصوت الواحد، وصار أمامنا دربان لا ثالث لهما: إمّا أن يسقط الكويتيون في الهاوية أو أن يسقط ذلك المرسوم الذي تسبب بخَلْق حالة الضرورة ولم يصدر بسببها كما يزعم مؤيدوه.
لقد وصف حالنا هذا قبل قرابة القرن قول الشاعر العراقي معروف الرصافي رحمه الله:
علمٌ ودستورٌ ومجلس أمةٍ ** كلٌ عن المعنى الصحيح مُحرفُ
أسماء ليس لنا سوى ألفاظها ** أما معانيها فليست تُعرفُ
عبدالله الأعمش
المدونة :www.ala3mash.blogspot.com

أضف تعليق