ما أن تصدر حركة احتجاجية شبابية تطالب بإصلاح مشهد فاسد، فالدولة إلا وتسمع أن هؤلاء الشبان قد غرر بهم وقد غسلت أدمغتهم وتم زرع هذه الأفكار الهدّامة في أعشاش عقولهم، وللأسف أن بعض من يشن هذه الهجمات الشرسة هم بعض مشائخ الدين والمثقفين والأكاديميين وهم المناط بهم مسؤولية التنوير ومهاجمة مظاهر الفساد ونشر الوعي في أوساط المجتمع.
هل المغرر به من يطالب بتكافؤ الفرص ومبادئ العدل والمساواة، وأنه لا تمييز بين كرامة إنسان وإنسان آخر وأن الجميع خاضع لسلطة القانون، متى ما أخطأ وأن توفّر الضمانات الشخصية التي تتيح له محاكمة عادلة؟!
هل المغرر به من يطالب بالإعمار والتنمية وأن لا يحرم من فرصته في التعليم بالجامعة الحكومية بسبب المقاعد المحدودة، أم أن المغرر به من يطالب بسرير يحظى عليه برعاية طبية كاملة، ولا يجده لأن المقاعد أيضًا محدودة أم أنه ذلك الشاب الذي يؤجّل فكرة الزواج كي لا يصطدم بالمشكلة الإسكانية ويعيش في منزل والده إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
لابد أن المغرر به هو ذلك الشباب الذي يطالب بوظيفة بعد أن يتخرّج تناسب اختصاصه، لا أن يجلس سنة أو سنتيّن في انتظار أن تتعطّف عليه الدولة وتمنحه شيئًا من ضماناته، أم أن المغرر به هو ذلك المسرّح عن العمل الذي تركته الدولة تحت مطرقة القطاع الخاص وسندانها؟!
أم أن المغرر به هو ذلك الشاب التي تطارده الدولة لمجرد تعبيره عن رأيه، ورغبته في أن يعيش في وطن كريم يصون حقوقه وكرامته وطن لا يحتضن الظلم والفساد والمفسدين؟!
فالحقيقة إن المغرر بهم هم أؤلئك الذين يمنحون الحاكم صفات الرب من التنزيه والكمال والعصمة، ومن صُوِّر لهم المشهد أن هؤلاء الشبّان خارجين عن القانون والدين، وأنهم ما خرجوا إلا يريدون إسقاط النظام.
المغرر به هو من ما زال يعتقد أن ما يقتضيه من مرتّب أو تعليم أو طبابة أو سكن، هو منحة وهبة من الحاكم لا حق قد كفله له الدستور ليتولى للصلاة في محاريبهم والدعاء لهم بطول البقاء لأن الرزق ارتبط بوجودهم.
المغرر به.. هو من سلّم عقله للسلطة وإعلامها ليمرجحوا أفكاره كيفما شاؤوا، متناسيًا أن ينظر حوله ليرى دولة يقتات عليها شيوخ وتجار فاسدين من ثروته هو وأبنائه، هل سأل نفسه هذا من أين أتى الشيوخ بهذه الأموال أو لما لا يحظى بهذه الأموال من الشيوخ من ليس في السلطة!؟
المغرر به.. من يستسلم لمقولة “الله لا يغيّر علينا”، ويكتفي بأن يستلم مرتبه اليوم، ولا يدري أن كان سيستلمه غدًا، إن الأنعام فقط هي من تسأل عن طعامها ولا يهمها ما عدا ذلك فهل تساوى حالك وحال البهيمة.
المغرر به.. من استولى على عقله بعض مشائخ الدين التي تعد كل مطالبة بإصلاح خروج على الحاكم، وكل رفض للفساد تعدي على صلاحيات ولي الأمر.
المغرر به.. من غادر ببقايا لُبّه بعض مدّعين الحريات التي اقتصرت الحرية لديهم على أخذ المرأة لحقّها السياسي، ومحاربة قانون منع الاختلاط والتشنيع بلجنة الظواهر السلبية.
عزيزي القارئ.. لا أطلب منك إلا أن تجعل هذه المقارنات أمام عقلك، وتسأل نفسك عن سبب وحيد يجعلك تقف مع السلطة وتدعمها، سبب يغفر لها خطاياها وينقيها من الدنس؟!
سعد السريّع
@alsrye3


أضف تعليق