كتاب سبر

الشيخ الدكتور والحكم الرشيد

الدكتور الشيخ محمد الصباح شخصية محبوبة وقريبة للناس وزادها احترامًا ابتعاده عن الدخول في المهاترات والصراعات وترفعه عن سفاسف الأمور.. وقد يكون أيضًا لبساطته وتواضعه سببًا آخرًا، وهذه قد تكون جينات وراثية بالأصل لوالده طيّب الذكر، ولكن لشجاعته في تقديم استقالته وابتعاده عن المنصب بعد الفضيحة المدوية في قضية التحويلات المليونية سببًا آخرا في زيادة قيمته لدى المواطنين الشرفاء. 
محمد الصباح من الجيل الذي كان يعد للقيادة منذ الصغر وقد تعب على نفسه كثيرًا، وجدّ واجتهد حتي تفوّق في المجاليّن السياسي والاقتصادي، ولم تكن شهادته لكونه شيخ.. ولكن في بلاد لا تعتمد علي الكفاءة لا بد أن تنسي هذه الشخصيات المتميزة، والوقت كفيل بوضعها في المكانة التي تستحقها، قريبًا جدًا.. والناس تعرف قيمة هؤلاء الذين خلقوا ليكونوا في دفة القيادة. 
هناك من أقصى المغرب العربي ومن منتدى أصيلة السنوي الذي عادة ما يجتمع فيه أصحاب الفكر والأدب ليطرحوا به الأفكار والرؤي المتنوعة، والتي يزيدها جمال أصيلة وتراثها الخالد وهوائها العليل، وهي التي قال فيها الشعراء والأدباء مالم يقله مالك في الخمر.. عرفت وتابعت مهرجانات أصيلة من سنوات طويلة حبًا في الطيب صالح رحمة الله عليه ذلك الأديب الرائع. 
من هناك أرسل الدكتورالشيخ الذي لم تعرف بلاده قيمته الحقيقية، أرسل الرسائل السابقة لزمانها وأبدى تخوّفه من المستقبل بقراءة رائعة، ناقش الربيع العربي وتعقيداته وأسباب حدوثه، ووضع النقاط علي الحروف، فكان أحد أهم الأسباب هو الحكم الرشيد الذي يجر بعده كل الأسباب الأخرى، إيجابية كانت أم سلبية.. فالحكم الرشيد هو حجرالأساس لنجاح الأمم واستمرار تطورها وإبداعها، فكم من الأمم تملك من الثروات الشيء الكثير، ونرى تخلّفها الرهيب وما عانته شعوبها من الذل والهوان والفاقة والتخلّف البشري والمادي. 
 
إن العدل أساس الملك، فإن اختل توازن الميزان ولم يعدله الحكم الرشيد ضاعت الحقوق وغلب الفجّار الدهاة أصحاب الحجج الباطلة على الأخيار البسطاء، وهم دائماً الأغلبية الساحقة.. فالعدل اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، وصفة من صفاته، وقد قال تعالى: (وإن حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). 
أعجبني جدًا إسقاط الدكتور الجميل بأن الشعور بالحيف وعدم الإنصاف بتوزيع الدخل يؤدي إلى الانفجار والاحتقان، وهذا هو لب ثورات الربيع العربي التي اجتاحت دولًا وحكامًا لم تكن شعوبهم تحلم بزوالهم بهذه السرعة، ولكنها أنظمة الكرتون يا سيدي. 
فنحن في الكويت حبانا الله بربيع دائم في ظل أنعام الله التي أسبغها علينا، ما دام حقل برقان ينتج يوميًا ملايين الجالونات من النفط الخام، وما دام هناك شعب حي وأسرة حاكمة منهم وفيهم.. ولكن هذه النعمة تحتاج أولًا للحمد والشكر لله سبحانه وتعالي الذي من علينا بها، وحكومة رشيدة تعرف ماذا تريد بعيدًا عن مصالحها الذاتية الضيقة، وشعب يعرف التسامح والتعايش ونكران الذات.. فالنعم لا تدوم وهناك اختلال في التوازن ورعاة للفساد همهم دائمًا الكسب غير المشروع، واستباحة المال العام، وإفساد الذمم ورعاية البيئات الحاضنة للفساد من أجل استمرار جريان نهر الخير يسير في الاتجاه الموافق لهواهم فقط. 
  
أن الكويت ليست بعيدة عن الهزّات ولا نريد أن نكذب علي أنفسنا، فكل المنطقة فوق صفيح ساخن، ونحس بحرارته ولكن هناك من يسطّح الأمور دائمًا، وعلينا أن نعتبر من التاريخ وزلازله فوالله لن يدوم رغد العيش ما دمنا لا نعرف للقانون هيبة وللوقت قيمة ولا للإنسان معنى. 
سئل يوما ما بعض شيوخ بني أميه عقب زوال الحكم عنهم عن الأسباب التي سرعت بزوال حكمهم بعد تعاقب أربعة عشر حاكمًا.. فقالوا: شغلنا بلذاتنا وأولادنا وجوارينا، وظلمنا رعيتنا فيئسوا من إنصافنا وتمنّوا الراحة منّا، وأهملنا خراجنا (المال العام) فخلت بيوت أموالنا، ووثقنا بوزرائنا فأثروا مرافقهم علي منافعنا، وأخفوا أمورًا دوننا، وقرّبنا من ينافقنا من أراذل القوم، وأبعدنا ناصحنا من كرام القوم، وكنّا لا نحب أن نسمع إلا ما يوالمنا، وكان استتار الأخبار عنّا من أوكد أسباب زوال ملكنا. 
مرة أخرى.. شكرًا بوصباح على هذا الطرح الراقي الذي استثارني أن اكتب هذا المقال من قلب مخلص ومحب لوطنه وأهل وطنه.. عساها ان تصل.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.