فن وثقافة

قصة قصيرة لـ حسن المسعودي
ذاكرة تشتعل

17 يناير 2009  
سأضبط الزمن عند هذا اليوم، ثم أدير ظهري لثمانية وثلاثين عاماً من الوهم، وأبدأ عمراً جديداً في مكان جديد، سأجرب أن أولد مرة أخرى وأجتاز كل مراحل النشأة الإنسانية.
وأنتم… خذوا ما تشاؤون من السنوات التي سأبقيها لكم، فتشوا محتوياتها لعلكم تجدون فيها شيئاً ذا قيمة، خذوا منها ذكرياتي… آلامي… هزائمي، احفظوا الذكريات في دفاتر يومياتكم  واجعلوا الآلام دافعاً لضحكاتكم.
وهزائمي أضيفوها إلى هزائمكم واصنعوا من مزيجها وطنا لأبنائكم، فقد عشتم زمنا طويلا بلا وطن ومن العار أن ترث الأجيال الآتية عبئا ثقيلا كهذا.
في مقابر الأحلام الجماعية تركت لكم  فائضاً من أحلام الطفولة والصبا، خذوا الفائض وخذوا الأصل… أخرجوا رفاتها ثم ابعثوا فيها الحياة، خذوا أصدقائي… لا أريد أحداً منهم… خذوا كل شيء، والزائد عن حاجتكم ألقوه في صناديق القمامة.
الثانية عشرة ليلاً ستقلع الطائرة، ما بعد هذه الساعة سأقضي يوما كاملا في الارتحال والبحث، سيتناثر أكثر ساعات هذا اليوم في الفضاء وما يتبقى منها يتوزع في بقاع جغرافية متباعدة فلا يكون ثمة رابط بين مرحلتين… 17 يناير وما قبله، 19 يناير وما بعده، وما بينهما فراغ سحيق، هوة غائرة لا تنتمي إلى الزمن، سأقذف في جوفها كل ما ظل ملتصقاً في ذهني من فصول الأمس وحكاياته، هواجسه وانتكاساته… آلامه وانكساراته.
استويت على المقعد، أوثقت الحزام، أسندت رأسي إلى الخلف… الآن انتهى كل شيء… كل شيء سقط في غيابة النسيان.
لا لا… ذلك الوهم مازال يطاردني… حسبت أنني تخلصت منه، لكنني أسمع أجراس الذاكرة تجلجل في كهوف الزمن البعيد، صوتها يضج في جمجمتي، يخيل إلىّ أن صدى اهتزازاتها بلغ آذان الركاب جميعهم، شيء من الماضي الخرب يتسلل إليّ، يجرني قسرا، فأستجيب… وأنساق… وأتذكر:
تائهيـْن كنا في بحر من السواد، فقد ضللنا الطريق إلى المنزل، كفّ والدي تطوق معصمي وأمواج الليل تتراشق، الظلام يمتزج بالظلام، كنا نسير بغير اتجاه محدد… من أعماق تلك العتمة لاح ضوء مصباح من بعيد… توجهنا إليه، وكان بيتاً من الخشب محاطاً بسور من صفائح الفولاذ، طرق والدي الباب فخرج شاب بثوب مهترئ وقدمين حافيتين، والسراج يتدلى في يده، أرشدنا إلى الاتجاه الذي نريد… ضلع الأطراف، مشينا إليه، ومنه اتجهنا يميناً ناحية مسكننا، بعد ساعات ثلاث من السير وسط الليل القاتم وصلنا المنزل، شعرت بألم في قدمي، استيقظت صباحاً ووجدت أبي قد غادر إلى العمل، إذ آثر ألا يوقظني، وألا أذهب إلى المدرسة ذلك اليوم، لما عاد في المساء قال إنه سيودعني عند أحد أصدقائه القدامى، اسمه أبو كريم، سكن “تيماء” مع جملة الذين سكنوها بداية الثمانينيات… من هناك يمكنني أن أذهب إلى مدرستي بسهولة… وأعود منها بسهولة.
تيماء… تلك المدينة التي شاخت وهي في الثلاثين ماتزال، أصبحت اليوم تغص بساكنيها… تتعاقب عليها الأجيال، فلا تجد متسعاً لاستيعاب القادمين الجدد إلا بغرف “كيربي” إضافية تلحق بأحواشها… أما في الأيام الماطرة فإن أسقفها تشاطر السماء  حزنها، فلا تحجز الماء عمن بداخلها، كان اسمها “الشعبيات” لكنهم منحوها الاسم الجديد ليقلّص مساحة القبح التي لازمتها أخيراً.
استقبلنا أبوكريم بحفاوة، وتعهد أن أكون واحداً من أبنائه، وغادر والدي مطمئناً…
رحمك الله يا أبا كريم، مازال سعالك الليلي عالقاً في ذاكرتي… يمنعني من النوم أحياناً، ومازلت أراك بعد نوبات السعال تلك تمد يدك إلى علبة السجائر وتشعل سيجارة بعد أخرى، شارد الفكر… منسحباً إلى نفسك، مستغرقاً  في ماضيك البعيد، ونحن إلى جوارك نختنق وأنت لا تبالي.
أنت أيضاً يا أبا كريم كنت تنساق إلى الماضي وتسرد علينا بين ليلة وأخرى بعض أساطيره، وكثيراً من حكاياته، وقصص آبائك الذين عاشوا حياة التشرد والتمرد  قبل أن تبتلعهم الصحراء بلا شفقة… وقبل أن يسلموا أبناءهم أمانة استكمال المهمة، وها هم الأبناء اليوم يدفعون الثمن باهظاً مقابل البقاء على قيد الحياة.
لو كنت حياً يا أبا كريم لأعدت عليك حكاية المرأة التي جنت على أطفالها عندما زعمت أنهم من صلب رجل آخر حتى تنال حريتها من زوج  تكرهه، فطلقها الزوج انتصاراً لكرامته، أما الأطفال فقد أصبحوا فيما بعد ممقوتين بين جماعتهم، والناس في “شِعيب الباطن” لا يتوقفون عن السخرية من نسبهم المجهول.
لهذه الحكاية فصول وتفاصيل أفضْتَ في سردها يا أبا كريم وكنت حينئذ تتألم لمصير الذين تنكر لهم الآخرون عندما شبوا عن الطوق، واعتبرتهم القبيلة طارئين عليها…
“نرجو ربط الأحزمة استعداداً للهبوط”.
صوت المضيفة أعادني إلى واقعي الجديد، إلى لحظة الانفصال والاتصال معاً، نزلت من الطائرة، دخلت المطار مع طابور المسافرين، موظف الجوازات أهداني ابتسامة رقيقة بعد أن ختم على الجواز، المكان يغص بوجوه من ألوان شتى، سحنات بيضاء وأخرى سوداء، قادمون ومرتحلون، كبار وصغار… لكل منهم شأنه الخاص ولكل منهم وجهته، لكن قاسمهم  المشترك في هذا المكان واحد: حرية العيش بلا قيد أو شرط.
غادرت المطار واحتواني فضاء جديد… “الحياة هنا ترتدي اللون الأبيض شتاء، وتكتسي بالأخضر في بقية الفصول”… قال لي سائق الأجرة ونحن في طريقنا إلى الفندق…
الأبيض في كل ناحية، فوق الأرصفة، على غصون الأشجار وأوراقها، فوق أسطح المنازل المتناثرة هنا وهناك.
من هنا سأخترق حاجز الحياة من جديد… وعندما تشتعل الذاكرة سأمارس الانصهار فوق جمرها، أو أهرب ناحية الثلج… فلا تنال منّي!