كتاب سبر

ومازال لحديث دمّاج.. وخطر الإخوان بقية!

تكملة لما كتبناه أمس في مقال “هل أتاك حديث دماج.. وخطر الإخوان..؟” فإن تنازل المملكة العربية السعودية عن خط دفاعها الأول من حدودها للحوثيين -التابعين لإيران- يبين لنا تغيّر السياسة السعودية ودول الخليج كافة، بناء على تغيّر السياسة العالمية التي اكتشفت أن الديمقراطية في الدول العربية تعني ولا بد وصول الإسلاميين للحكم كما ذكرت مارينا أوتاوي -كبيرة الباحثين والمشرفة على برنامج التحول الديمقراطي في العالم العربي- إذ قالت: “اكتشفت الولايات المتحدة ومعها الدول الثماني الكبار أن الإستراتيجية التي وضعتها لدفع مسيرة الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي أدت إلى تقدم الإسلاميين في كل انتخابات عربية..
هذه الصدمة دفعت واشنطن وحلفاءها إلى التراجع عن رفع لواء الديمقراطية والاكتفاء بخطوات محسوبة لا تسبب الصداع لحلفائها بالمنطقة, من خلال برامج ثنائية مع كل نظام عربي على حدة”
أي أن القوى العالمية قبل أن تقرر جرّبت، فصدمت من النتائج فاتخذت قرارها وطلبت من حلفائها في المنطقة التنفيذ!
والحقيقة هي ليست الانتخابات التي أوصلتهم لهذه الحقيقة، بل أكتشف العالم إن كل دول الثورات والتي عاشت تحت ظل حكم فاسد ونشأ في عهدها جيلين حُرما حتى من ممارسة شعائرهم الدينية كما في تونس وليبيا، أن هذه الشعوب وبعد الثورات لم تتأثر بما نشأت عليه، بل فطرتهم الإسلامية قادتهم لاختيار ممثليهم وأوصلوهم للحكم، وهي الصدمة المروعة التي صدمت العالم أجمع سواء الغربي أو العربي.
لذلك لم تتأخر دول العالم العربي بالتنفيذ، بل تم تطبيق القرار بحذافيره حتى لا يكون مصيرها كمصير سابقيها من دول الثورات، فبدأت الإمارات العربية وفور إعلان فوز مرسي – من الإخوان المسلمين- بانتخابات الرئاسة في مصر عن اكتشافها خلية تخريبية تضمر الشر للإمارات وتسعى لقلب نظام الحكم فيها، ويفاجأ المتابع إن هذه الخلية تضم مصريين من جميع الاتجاهات والأفكار، حتى أن أحدهم يعمل مدير لقناة أم بي سي أطفال والذي أفرج عنه بعد شهور من الاعتقال والتعذيب، بالإضافة لإماراتيين من أصحاب الشهادات العلمية العالية ومن أصحاب مراكز مرموقة، لم يتمكن جهاز الأمن الإماراتي من اكتشاف تآمرهم على الدولة إلا بعد وصول الإخوان للحكم!
الكويت.. في العام 2012 عطل مجلس الأمة الذي أوصل أغلبية إسلامية ولا يعلم أيّ كان سبب تعطيله، قبل أن يتم إبطاله بقرار من المحكمة الدستورية في سابقة هي الأولى من نوعها التي تشهدها الكويت، وتبعتها أخرى لتبرير الأولى وتبيان أن القصد ليس الإسلاميين وإنما خطأ إجرائي من الحكومة.
الأردن أيضا سبقت الكويت في العام 2012 وغيرت نظامها الانتخابي وعطلت برلمانها واتهمت الإخوان بأنهم يريدون قلب النظام، رغم إن الأردن لم يكن حكمها يعاني من أزمة حقيقية ولا حتى برلمانها، ولكنها الأوامر تم تنفيذها.
في سوريا وبعد عام ونصف من الثورة، وبعد أن بدأ الشعب السوري الذي نشأ على البعثية وأن العرب خونة وأن الإسلام هو ما يدرّس في مدارسهم البعثية، هذا الشعب بدأ يشكل فصائله المقاتلة بأسماء الصحابة رضوان الله عليهم، وبأسماء سور القرآن، فحاول دهاة العرب التدخل لتغيير هذه العقيدة الإسلامية التي بدأت تنتشر وسط الثوار، فأقنعوا أولا مناف طلاس بالانشقاق من جيش بشار على أن يضمنوا له قيادة الجيش الحر أو عمل جيش موازي له من الجيش السني الذي سينشق عن الأسد..
وكان من مخططهم أيضا أن يكون هناك رئيسا للحكومة الانتقالية السورية ذو توجهات ليبرالية لقطع الطريق على أي محاولة من محاولات السوريين فرض شخصية إسلامية مستقبلا لرئاسة هذه الحكومة.
ولكن كلا المخططين فشلوا في تنفيذهما لذا استمرت الثورة السورية دون حل ليومنا هذا ولن تحل إلا عند ضمانهم أن من سيأتي بعد الأسد لن يكون من الإخوان المسلمين وتحديدا ليس إسلامي.
في لبنان لا يحتاج القارئ للعودة للخلف كثيرا لقراءة التاريخ، بل يكفيه العودة لأسبوعين فقط في حادث تفجير الوزير الأسبق محمد شطح والتفجير الذي تلاه، فكل ما على المتابع هو العودة لأرشيف قناة حزب الله وهي تقول إن من يقف خلف تفجير الضاحية الجنوبية هو من فجر في بيروت وقتل الوزير شطح!
سبحان الله، حزب الله الذي يعلن أن تفجيراته دائما هي من تدبير الصهاينة..
حزب الله الذي اتهم شطح بالعمالة لإسرائيل، وأن 14 آذار تنفذ مخطط صهيوني، تقول قناته الإعلامية إن التفجيرين نفذتهما جهة واحدة..
فمن تكون إن كانت تتهم 14 آذار وشطح بالصهيونية؟
الأكيد أنهم الإسلاميين “التكفيريين”!
ناهيك عن المعونة السعودية الكريمة للجيش اللبناني والبالغة 3 مليار دولار لشراء أسلحة، رغم أن من يسيطر على هذا الجيش إما منتمي لحزب الله أو موالي له من المسيحيين!
في اليمن كانت كل المؤشرات تدل على أن من سيحكمها في حال سقط صالح وجرت انتخابات رئاسية سيكون الإخوان المسلمين الذين تسيّدوا الساحات، ولكن وبما أن اليمن قريبة من المحيط الخليجي تدخلت كل الدول الخليجية ورمت بثقلها لإقناع صالح بالخروج من المشهد مع وعود له بالعودة مرة أخرى بعد تدمير الإسلاميين فيها.
لذلك ولو فكر عاقل لماذا بلد الثورات مشتعلة واليمن يعمها الهدوء؟
الجواب بسيط: لأنها الدولة الوحيدة التي تمكن الخليج من فرض إرادته فيها وسارت كما يريد قادة الخليج، لذا فهي لم تخرج عن مشورتهم ولم تسقط بحض خصومهم الإسلاميين بعد.
بعد تغيير قادة الاستخبارات السعودية، وإعادة تعيين بندر بن سلطان على رأسها كان هدفه الأول هو محاربة الإسلام “السياسي” كما يسمونه، ومحاولة القضاء على وصول الإخوان للحكم في أي دولة ومهما بلغت التنازلات التي ستقدمها المملكة لخصومها، وبما أن اليمن على حدود السعودية فإن خطر الإخوان سيكون أكبر على المملكة من أي دولة أخرى، لذا قررت السعودية التضحية في دمّاج مقابل خوض الحوثيين حرب تدمير الإخوان المسلمين في اليمن دون أن تكون المملكة السعودية في الواجهة، والحقيقة قد يكون تفكير بندر منطقي جدا كونه سيتخلص من أحد الغريمين أو يضعف كليهما، لذا فإن تضحيته بدماج ورغم كلفتها العالية إلا أنه يعتقد بإمكانية استعادتها بعد انتهاء مشروعه.
لذا دعم بندر بن سلطان الحوثيين بعد أن التقى القيادي الحوثي البارز صالح الهبرة في المملكة، حيث كتب ديفيد هيرست مقالا في الغارديان بتاريخ 21 نوفمبر 2013 قال فيه “أن القيادي الحوثي صالح الهبرة زار السعودية بعد أن غادر اليمن بالطائرة وتوجه إلى لندن ومنها للمملكة العربية السعودية للقاء رئيس الاستخبارات الأمير بندر بن سلطان “.
ولمن تابع الأخبار اليوم سيجد أن هناك اتفاق آخر وقع برعاية الحكومة اليمنية بين قبائل دهم والحوثيين بالجوف، ويشمل الاتفاق إخلاء كافة مواقع تمترس المسلحين ورفع النقاط المستحدثة والمسببة للنزاع في جميع مناطق التوتر بمديرية خب والشعف وإحلال ضباط وأفراد من منتسبي القوات المسلحة في تلك المواقع، وكل ذلك حتى يتفرغ الحوثيين للمهمة الموكلة لهم.
هي إذاً الحرب على الإسلام يخوضونها بالخفاء عبر محاربة كيان سياسي إسلامي قائم، فكم من حروب شنت باسم القضاء على حركات “إرهابية” تم فيها تدمير بعض البلدان الإسلامية، وتحجيم أخرى؟ ولا ننسى إن حرب أمريكا على “القاعدة” قال عنها بوش الابن “حرب صليبية”..
واليوم يخوضون حربهم ضد الإسلام بذريعة محاربة التكفيريين والإرهابيين “الإخوان المسلمين”، والغريب أن كثير منا يصفق لانتصارات خصوم الإسلام!

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.