انتشر مؤخرًا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي و بين الناس -معظمهم من الشباب- مصطلح “درنفيس ماعندك؟!” والدرنفيس هو مايعرف بـ(مفك البراغي) ولم أكن أعرف المعنى المراد من المصطلح إلى أن سألت أحد الأصدقاء وقال لي “لازم تشوف المقطع!” بحثت عن صاحب الدرنفيس واكتشفت بأن اسمه حميد وبعد مشاهدتي للمقطع كاملاً -وهو لمزارع أو راعي أغنام نعجته تحتضر أمام عينيه ويريد أن يذبحها قبل موتها- لم أفهم سر اقتباس كلمة”درنفيس ماعندك؟!” إلا أنني اكتشف أن السبب مجرد ظرافة الموقف الذي شاهده الجميع إضافة لوقع الكلمة حتى أصبحت كلمة للسخرية والإهانة! ولكن هل تصدق أنني قمت بالبكاء لما رأيت حميد الباحث عن الدرنفيس؟
حميد كشف لنا مدى الانحدار البشري والإنساني الذي يعاني منه كل من تعامل مع هذا المقطع على أنه نكتة أو شيء مضحك، الانهزام النفسي والمعنوي لهؤلاء الشباب دفعهم لأن يكون شغلهم الشاغل هو التنكيت وصناعة الضحك على أنقاض خيباتهم، تمامًا كالطفل الذي يضرب إخوته الصغار بعد أن تلقى ضربًا من أبيه ليعوض شعور الانهزام والذل، ومن شدة هذا المنحدر لم أجد عند حميد مايضحك أصلا أو ماقد يضحك!
سألت أكثر من شخص ممن يصنفهم المجتمع بالمثقفين هل تعرف لماذا كان يبحث عن درنفيس؟ أو حديدة؟ أو كزازة (قطعة من الزجاج) كما ورد في المقطع؟ فلم يعرف أحد منهم ما السر وراء الدرنفيس!
لو شاهدت المقطع كإنسان وليس كأي مخلوق آخر لاكتشفت كيف أن حميد أفقه ممن يسخرون منه فهو أراد ذبح نعجته قبل موتها ليستطيع أكلها فالإسلام يحرم أكل الميتة! ولو كان حميد مواطنًا غربيًا لكان هذا المقطع من أشهر مقاطع اليوتيوب عند الغرب ولتناقلت الحدث وسائل الإعلام! هل تعرف لماذا؟
حميد أرانا كيف تختلط مشاعر الحب مع الحواس لتنتج أفعالاً، فهو يحب نعجته ولايريد فراقها ولو عشت يومًا واحدًا عند فلاح لأدركت ماقيمة هذه الأشياء بالنسبة إليه، اختلط عنده الحب و الفقر، فحزن وبكى ودفعه فقره ليذبح حبه ليأكل اللحم هو وأهله قبل أن يضيع منه هو الآخر، لاحظ كيف كان يبحث طوال الوقت عما يذبح به نعجته ليأكل حلالاً ويبكي ألمًا، وعندما وجد “كزازة” كانت نعجته قد ماتت وأكمل عملية الذبح وأخبره أصدقاءه بأنها ماتت ولم تعد صالحة للأكل شرعًا إلا أنه أصر وأكمل وقال سآكلها وسآخذها معي إلى المنزل، هو لايزال يؤمن بأن أكل الميتة حرام ولكنه لايزال ينكر موتها بالرغم من يقينه بهذا! في نهاية المقطع استسلم وأدرك!
الحب والحاجة والجوع والطاعة والتنزه عن الحرام.. مدرسة في الأدب الإنساني نقلتها لنا معاناة حميد وهو من شدة الألم كان ينكر مايرى وهذه من مرحلة من خمس مراحل نفسية يمر بها الإنسان عندما تصبه مصيبة وهي مرحلة الإنكار!
هل تذكر ماذا قال سيدنا عمر عند وفاة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام؟ أنكر الوفاة و هدد بقتل كل من يقول بأن محمدًا قد مات.. وهذا مثال ولكل موقف قدره وعظمته طبعًا التي تناسبه ولكن العامل البشري متشابه في الحالتين!
لكل من يقول “درنفيس ماعندك” أقول: هل تحب حقًا وهل تعبر عن ما تشعر بصدق كحميد؟ متى آخر مرة قمت بتقبيل أختك أو ضم أمك ومعانقتها تعبيرًا لهم عن حبك أو متى قمت بشراء هدايا لهم؟ متى قلت لأفراد عائلتك أحبكم بصدق؟ متى قلت لأخيك كلامًا يشعره بالعلاقة الأخوية بينكم؟
درنفيس ماعندك.. قالها ليأكل حلالاً وأنت تقترف خطيئة باسم الإنسانية والدين مستخدمًا درنفيس ماعندك؟ لا أقول لك في هذه الحالة إلا: والله سالفة ماعندك!
@DrNawras


أضف تعليق