آراؤهم

محمد البشري ومن معك.. إلى الجنة!

من شدّة الصدمة يتوقع الواحد أنها قصة ليس لها مثيل, هي من أكثر القصص الواقعية تأثيرًا في حياتي, ولا أتمنى قطعًا أن يكون لها مثيل -فيمن أحب- في اللاحق, القصة مُلخَّصة:- رحلوا خمسة فلذات أكباد والديهم وهم بالقرب منهم, بعد مجيئهم من رحلة قصيرة تخللت في الإجازة الدراسية وهم عائدين من الإمارات إلى السعودية ( برًا ), أثر حادث مروري مروّع وبشع ماتوا فيه ثلاث من الأبناء واثنتين من البنات, لا شكّ موقف يدخل إلى القلب من أوسع باب إلا تلك القلوب التي أبوابها من حجارة أو أشدّ قسوة!
 
الزميل محمد من ضمن أبناء د. إسماعيل البشري الذين توفوا في الحادث المروري, كُنت أتحدث أنا وزميلي حوفان الشمراني عنه وعن تفاصيل الحادثة بشكل عام, كُنا نتبادل عبارات العزاء والموعظة في فقيد كان بالأمس يدرس معنا في نفس الحرم الجامعي واليوم تحت الثرى, لم يخلو حديثنا من توجيه النصائح المرورية ومن الدعاء لموتى المسلمين أجمعين  .
 
كان رحيلهم صدمة لا يتحمّلها إلا المؤمن الحقيقي, وإن شاء الله أن والدهم ووالدتهم من أهل الإيمان والصبر, وما حل هذا البلاء العظيم عليهم, إلا لقدرتهم على الصبر والتحمّل, وبإذن الله مأجورين مشكورين في النهاية, صُدمنا بحجم كبير بخبر رحيل محمد وتفاصيل وداعه الأخير للدنيا لأنه أخونا في الإسلام ولأنه زميلنا في كليات الرياض, ولكن هذا قدر ولا بد من الصبر والرضا على مُرّ الأقدار, سبحان الله بيّن لنا بعد هذا الرحيل وهو في ريعان شبابه وقوة أحلامه وطموحاته, قذارة الدنيا وأنها لا تسوى (فعلاً) عند رب العالمين جناح بعوضة فما بالك عند المؤمنين بربهم؟!!
 
تفاعل الآلاف الناس مع الحادثة في مواقع التواصل الاجتماعي, خصوصًا في “تويتر” يوضح بأننا مجتمع مُتماسك ومتربي على تعاليم الدين الحنيف, منهم من يقدم الدعاء ومنهم من يقدم العزاء ومنهم من يواسي ومنهم من ينثر صدمته وغرابته من هول المصيبة, التي ستهون على كل مؤمن يؤمن بأن الله لا يقدّر ولا يعطي عبده إلا كل خير.
 
أحيي هذا التفاعل الإنساني الجميل جدًا, وليس بغريب على الشعب والمجتمع السعودي مثل هذا, فهو سبّاق إلى أمور الخير لنفسه وللشعوب الإسلامية والعربية,  شكرًا بحق على تفاعلكم مع تغريدات محمد البشري -الله يرحمه ويرحم من مات معه- الدينية, والتي تعتبر صدقة جارية له بإذن الله.
 
محمد البشري لا أعرفه شخصيًا, ولكن كأنني أعرفه شخصيًا بعدما علمت بأنه يدرس معنا بنفس التخصص وبنفس المبنى, كان قريبًا مني في المسافة لكن بعيد عني في المعرفة, رحمه الله وأسكنه جنان النعيم, كان حديثنا الذي نداوله ذات بين تلك الأيام السوداء نوعًا ما, سيظل في قلوب الأوفياء هو ومن رحل من أبناء وبنات كليات الرياض.
 
آلمت جوفي مثلما حرّكت الساكن في قلوب كل من قرأ تلك الكلمات المؤثرة جدًا في غيابه ولكن لو كان حاضرًا بيننا لما أثرّت بالعكس, ستصبح عادية لا تقدم شيء ولا تؤخر, هي تلك الإجابة منه على مجرد سؤال عابر, كانت الإجابة مع تعديلي ” أتمنى أنني أنتهي من الدراسة بسرعة, وأتزوج وأكمل في الخارج دراستي, ثم أعود إلى أرض الوطن وأفتح عيادة و … “.
سبحان الله العظيم لم يكن يعلم بأن يوم أجله كان قريب من يوم الإجابة هذه!
 
أعجبتني نصيحته بالنسبة للتوبة, لاقت ردود فعل كبيرة, لأنها تستحق ولأنها كتبت عن منطق وبُعد واقعي, كتبها بالعامية ” أول خطوة للتوبة أن تترك ( خويك ) اللي ما يعينك على الخير لا تقول ما أقدر أتركه والله سوف يأتي يوم إما أن تتركه أو يتركك وحيد في قبرك!! “.
 
كل الكلمات والأوصاف التي تُعبّر عن الألم أو تمس الجرح تُلقى بشكل رثائي, على صورة الموتى (الأحياء) الجماعية الأخيرة وهم في مجمع تسوق, كان من بينهم الزميل محمد, غمّد الله أرواحهم للجنان وجعلهم في رياض من جنان.
 
أن يرحل حبيب تصيب المشاعر  حالة من الاهتزاز, فما بالك إذا رحلوا أحبة دفعة واحدة, وليس أي أحبة وإنما جزء من لحمك ودمك!!!
 
لا أوصي والديهم إلا بالتمسك بأخلاق المؤمنين, وأدعوهم إلى قراءة كتاب الله العظيم, ففيه من الآيات الكريمة ما يشرح الصدر والخاطر, وبشر الصابرين على البلاء والمصيبة, ولا ننسى أن المال والبنون (زينة) الحياة الدنيا!
 
حضرت العزاء في آخر أيامه, لزَّمت على نفسي بالحضور مهما كانت ظروفي, ففي الموضوع أجر ومثوبة بإذن الله, حملت هم أنني سأواجه د. إسماعيل البشري وهو في أسوأ حالاته النفسية والصحية ولكن حدث النقيض, قبل دخولي للبيت واجهت مجموعة رجال خارجين من مجلس العزاء سألتهم عن وضعه وحالته, وأجابوني برد وجدت فيه لا مانع من دخولي العزاء ولقاء والدهم, نظرة الإعجاب أنني رأيته صابر ومحتسب ولا تظهر عليه آثار السخط ولا آثار البكاء الشديد ولا أي شيء يناقض الإيمان, بعدما عرّفت على نفسي, دار بيننا حديث قصير ونحن وقوف, أمسك بذراعي ثم قال:- أنت ولدي!  تأثرت من هذه الكلمة فرددت عليه لا شعوريًا:- أنا ولدك وكل الزملاء أولادك!
 

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.