قبل أيام وقعت الحكومة الأوكرانية والإنفصاليين تفاهما برعاية أوروبية سيؤدي كما المتوقع إلى إعاده صياغة السياقات التاريخية للمشهد الأوكراني برمته، وقبل أيام أيضا كشف وزير الدولة للشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي عن قرار ” غامض ” يتعلق بالخلاف بين ثلاث دول خليجية وقطر.
هذين المثالين يحددان ثقافة الشعوب وإستيعابها للتناقضات الداخلية فيما بين مكوناتها الإجتماعية وينسحب الأمر على الدول فأوروبا إستفادت من تجاربها السابقة ووضعت خطوطا حمراء لاتصل إليها ، وماجرى في أوكرانيا يؤكد هذا الخيار رغم سخونة الوضع ، وشعوب الشرق الأوسط بما فيها الأنظمة لازالت ” تجتر ” كل تلك الأخطاء وتبني عليها أخطاءا أكبر، فهناك معارك داخلية بين الطوائف والقوميات والديانات ، وهناك معارك مع الدول الأخرى.
الحوار غائب والوصاية قائمة في المشهد الخليجي وينسحب ذلك على المشهد العربي ، فليس هناك إمكانية للجلوس والتحاور والخروج بصيغة يلتف حولها الجميع عن قناعة ، بل تفرض الأمور فرضا وبعضننا يجامل والآخر يذعن وتلك المواقف يدفع ثمنها الشعوب كما حدث مع الشعب السوري الذي تجاوز عدد ضحاياه مائتي ألف وخسائره أكثر من 20 مليار دولار وحتى الآن لازال كل طرف يحمل الطرف الآخر المسؤولية دون أن يحملها لنفسه.
الخلاف بين المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين من جهة وقطر من جهة أخرى يفترض به أن يستحضر مثل ذلك الخيار ( الحوار ) ، لا أن يتحول إلى حروب بالوكالة في ليبيا ومصر وتونس ، وغيرها مما يسمى بلدان الربيع العربي ، والأمر نفسه ينطبق على الوضع مع إيران في ملفات مثل العراق واليمن ولبنان.
في كل مرة ينشب خلاف فيما بين الدول الأوروبية أو في إطار التناقضات الداخلية في كل بلد كما حدث في أوكرانيا تكتشف أن الحوار هو الخيار الوحيد ، عند تلك الدول ومهما سخنت الجبهات هناك من العقول والمؤسسات مايبردها حتى يمكن التحاور حولها وحلها للحفاظ على القيم التي تجمع شعوب تلك المنطقة ثابتة كما هي.
حتى دول شرق آسيا وجزء من القاره الأفريقية تسوى خلافاتها من خلال الحوار إلا الشرق الأوسط وتحديدا المنطقة العربية لا تسوى خلافاتها إلا بالدم رغم أن مايجمعنا في هذا الوطن الكبير أكثر مما يفرقنا ومايفرقهم أولئك في أوطانهم أكثر مما يجمعهم لكن العقل إذا غاب وحل بدلا منه التطرف سيسلك أهل المنطقة نفس الطريق .
لماذا الشرق الأوسط دون غيره من دول العالم يرفض الحوار دائما ويستبدله بالبندقية للتحاور مع الآخرين ، لايمكن أن نحمل الدين وربما العادات والتقاليد مسؤولية هذا الرفض ، ولابد من البحث عن إجابة مقنعة فكل تلك الإجابات التي تصاغ في إطار التنظير ومن علو لايمكن أن تعثر على الحقيقة بين تفاصيلها.
غياب الحوار بين بين الفرقاء أدى إلى فوضى عارمة والحل يكمن في إعاده فتح الحوار بعدما أغلق لقرون طوال ، ويكمن أيضا في مراجعة ذاتية يقوم بها كل طرف كان جزءا من غياب الحوار عن أجواؤنا ، والتخفيف من جرعة الدين والمذهب والقبيلة يمكن أن يحل إشكاليات كثيره ، فهل نفعل ذلك ؟! .


أضف تعليق