بقلم / فهد بن رشاش
“اعتدنا قراءة ما يخطه أي كاتب ، وسماع ما يشجو به كل متحدث ، إلا أن صوت القلم الذي أريده أشجى من هذا وذلك ، فهو جامع الحسنيين ومحاكي الأصغريين “
كلمات يكتبها قلم ناطق ، بلغة حسناء برّاقة ، ترى صدق الطرح في الصياغة ، وجودة الحرف في الصناعة ، لا تمل سماع مداده ولو قرأته مستمعاً عدة مرات ، أنت به مستمتع لأنك تسمعه بعينك ، فالعين تسمع ما تراه إن أعجبت به ورأت الصدق منه ، والعرب كانت تقول قديماً :(العين مغرفة الكلام) بالفعل مغرفة الكلام المسموع والمقروء إستماعاً .
إن الكتابة ولو كانت على ورقٍ
أسمعننا حتى صار الحبر أشجان
نعم للقلم صوت ونغمة لا يعرفها إلا من توصل لسماعها ، صوته بنفحات مداده ودقات عباراته ،وعرضه الممتع بجمالياته ودقة وصفه ، إن تكلم بالحزن سمعت عبراته وإن صاح بالعدل أنصت لشعاراته ، وإن أراد أن يصف لك الفرح أسمعك ضحكاته ، لذلك البارع بها يسمعك أفكاره وخواطره بكتابته ، فهو يرى الكتابة منبراً يخطب به دون تكلم ، قال الأستاذ الكبير محمود شاكر 🙁 إن للعربية شجاعة صادقة في تعبيرها ، وفي اشتقاقها وفي تكوين أحرفها ، ليست للغة أخرى) وأضيف مقتنعاً أنها لغة مسموعة ولو قُرأت ، وهذه من معجزات هذه اللغة الخالدة.
هذا أسلوب الندّر الأفذاذ ممن قرأنا لهم متلذذين بسماعهم ولم نرهم كابن حزم وابن القيم وابن قتيبة الدينوري وصولاً للرافعي والمنفلوطي والعقاد ومصطفى محمود وغيرهم وما هم بكثير ، هم أسمعونا بمداد أقلامهم العذبة الشجية ، وكأنه أحرف كتاباتهم هي فقط العربية ، فما تقرأ سطراً لأحدهم إلا أكملت الصفحة وما إن تكملها إلا الكتاب صاح بك وقال حسبك لم يتبق ما أسمعك إياه وأنت تقرؤه ، بهذا يتميّز الكتّاب بأقلامهم ، فبضاعتهم ليست داعية للملل والتكرار
بل هي تجديد القديم وتجدد الجديد ، فهم لا يكتبون كي يُقال عنهم كتّاب بل هذا ما يسمى بزكاة العلم وبركاته ، وهذا ما يجعلنا نستشهد بهم و نتعاهدهم بكتاباتهم متنزهين بعقولهم ، فقد سأل المأمون عن ألذ الأشياء ؟ فأجاب: [التنزه في عقول الآخرين ]، يرون الكتابة خلاصة فكر الكاتب وثقافته.
قال حافظ إبراهيم:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
ما بعد النقطة:
المراد من كتابات القلم ليس إستعراض الإمكانيات أو المعلومات ، بل مراد صاحب القلم الصادق أن يُسمع قراؤه مايسرهم ليفيدهم وهذه هي الثمرة.


أضف تعليق