جرائم وقضايا

((سبر)) تنشر مذكرة الدفاع كاملة في قضية “البراك”.. “لن نسمح لك”

حصلت ((سبر)) على نسخة من مذكرة الدفاع التي تقدّم بها المحامي “محمد عبدالقادر الجاسم” في مرافعته اليوم أمام محكمة الاستئناف للدفاع عن أمين عام حشد والنائب السابق “مسلم البراك”.
وجاء نص المرافعة التي تتكون من 81 صفحة، كالتالي:-



بسم الله الرحمن الرحيم

(إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)

مذكرة بدفاع

مسلم محمد البراك

متهم

في الطعن بالاستئناف رقم 1051/ 2013

في القضية رقم 15/2012 (أمن دولة)

مقدمة إلى المحكمة الموقرة بجلسة 5/1/2015

“إذا كان مضمون النص العقابي يحتمل أكثر من تفسير، وجب على القاضي ترجيح التفسير الذي يعزز الحريات الشخصية لا ذلك الذي يصادرها أو يقلص حدودها”.

وقائع الاتهام

ــــ أسندت النيابة العامة إلى مسلم محمد البراك أنه بتاريخ 15/10/2012 بدائرة مباحث أمن الدولة:

طعن علنا وفي مكان عام عن طريق القول في حقوق الأمير وسلطته، وعاب في ذاته، وتطاول على مسند الإمارة، بأن وجه له خلال ندوة عامة العبارات والألفاظ المبينة بالأوراق وذلك على النحو المبين بالتحقيقات“.

ــــ وخلصت النيابة العامة إلى أن المتهم قد ارتكب الجناية المؤثمة بالمادة (25) من القانون رقم (31) لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء“، وطلبت النيابة العامة من محكمة الجنايات معاقبة المتهم طبقا لمادة الاتهام، وأرفقت بتقرير الاتهام ما وصفته بقائمة “بأدلة الثبوت“.

ــــ وفي تحقيقات النيابة العامة، أنكر المتهم جميع الاتهامات المسندة إليه، كما أنكرها أمام المحكمة الابتدائية وأمام محكمة الاستئناف، وقد أوضح أمام النيابة العامة إن ما قاله إنما كان نصحا ولم يكن قصده الإساءة إلى الأمير.

ــــ وبتاريخ 15/4/2013، أصدرت محكمة أول درجة حكمها بحبس المتهم خمس سنوات مع الشغل والنفاذ. وقد صدر الحكم قبل تمكين المتهم من تقديم دفاعه.

ــــ طعن المتهم على الحكم الابتدائي أمام محكمة الاستئناف، وطلب الحكم ببطلان الحكم الابتدائي.

ــــ وبتاريخ 27/5/2013 أصدرت محكمة الاستئناف حكمها ببطلان حكم أول درجة، وقررت التصدي لموضوع الدعوى. فتوالى نظر الدعوى وتم الاستماع إلى أقوال شهود الإثبات وعدد من شهود النفي. وقررت المحكمة تحديد جلسة اليوم للمرافعة.

الدفاع

أولا: تمهيد

لا يمكن فصل أي واقعة عن الظروف التي حدثت فيها، ففي هذه الظروف وما يحيط بالواقعة وتفاصيلها، يكمن جوهر الحقيقة. وليس كل حدث أوحديث سياسي لا يعجب السلطة السياسية قابل لأن يكون جريمة، فموقف السلطة السياسية السلبي من الحدث أو الحديث أو المتحدث لا يضفي صفة الجريمة، بل هو القانون… والقانون وحده الذي يحدد الجرائم وأركانها وشروط توافرها.

ولا يخفى على المحكمة الموقرة أن الاتهامات الموجهة في القضية الماثلة هي اتهامات سياسية بالدرجة الأولى… سياسية بالنظر لظروف الواقعة، وسياسية أيضا بالنظر لشخص المتهم، وسياسية بالطبع في موضوعها.

ونظرا للأهمية التاريخية لهذه المحاكمة بكل تفاصيلها، فإن المتهم والدفاع عنه يؤمنون أن من واجبهم، كي تتساند أركان الدفاع، أن يبادروا من خلال هذا التمهيد بعرض الظروف المحيطة بالواقعة وتفاصيلها وما تداخل معها من عناصر سياسية وشخصية بإيجاز وتركيز:

لقد تبنى المجتمع الكويتي مبادئ الحرية، وجعلها من المقومات الأساسية للمجتمع الكويتي على النحو الوارد في الباب الثاني من الدستور الصادر في العام 1962. وقبل ذلك انحاز الدستور صوب نظام الحكم الديمقراطي الذي تكون فيه السيادة للأمة مصدر السلطات جميعا… بما فيها سلطة رئيس الدولة بالطبع.

إلا أن الكويت تعاني، منذ العام 1967 وحتى يومنا هذا، من اضطراب في منهج إدارة الدولة. فالسلطة السياسية، على اختلاف تركيبتها، ناصبت الحريات والمنهج الديمقراطي العداء، وهي تتحين الفرص لإفراغ الدستور من محتواه، وإحلال نهج التفرد بالقرار محل النهج الديمقراطي. وقد تعددت وتنوعت الوسائل التي اتبعتها السلطة في تحقيق مرادها على مر العقود الماضية… فقد قامت بتزوير الانتخابات البرلمانية في العام 1967، ثم انقلبت على نظام الحكم الدستوري وجمدت العمل ببعض مواد الدستور في العام 1976، ثم سعت إلى تغيير الدستور عبر لجنة تنقيح الدستور، ثم دمجت السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية وألغت مجلس الأمة في العام 1986. ثم تغير نهج التصادم بعد العام 1991 إثر التركيز الدولي على الأوضاع الداخلية في الكويت بعد تحريرها من براثن الغزو العراقي الغاشم، وبدأت السلطة في اتباع نهج تخريب مجلس الأمة والعمل السياسي بشكل عام. فأفسدت الذمم، وفتحت الخزائن لاستخدام المال السياسي، وساد نهج الفساد والإفساد في البلاد، ثم سعت منذ العام 2009 إلى التضييق على العمل البرلماني داخل مجلس الأمة، وأتاحت المجال لظهور إعلام فاسد سعى إلى ضرب مكونات المجتمع الكويتي وتفتيت اللحمة الوطنية والنيل من كرامة الشرفاء، ثم اعتمدت السلطة منهج الملاحقات السياسية بذرائع قانونية، وزجت بالسجون من انتقت من المعارضين، ثم انتقلت إلى مرحلة جديدة لم تشهدها الكويت من قبل، إذ استخدمت القوة، واعتدت قواتها الخاصة على المواطنين الآمنين، وانتهكت حرمات البيوت، ثم توسعت في منهج الملاحقات السياسية بذرائع قانونية، وأصبح الشباب الوطني ونواب الأمة عرضة للحبس التعسفي… وبالطبع كان للمتهم في القضية الماثلة مسلم محمد البراك النصيب الأكبر من تلك الملاحقات السياسية.

وإذ ضاق الشعب الكويتي ذرعا بممارسات السلطة، فقد خرجت الجماهير إلى الشارع كي تعبر عن رفضها لتلك الممارسات، وقد سطر الشعب الكويتي بكل فئاته وتوجهاته السياسية، لاسيما الشباب، أروع الملاحم الوطنية بعزيمة وإصرار، فأدركت السلطة السياسية أنها لن تستطيع مقاومة إرادة شعبية عارمة لشعب يرغب في وضع حد لسياسات الفساد والإفساد وتكميم الأفواه. فأُجبر رئيس مجلس الوزراء آنذاك الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح على الاستقالة من منصبه، كما تم حل مجلس الأمة، وتمت الدعوة لإجراء انتخابات برلمانية جديدة في ظل توجه شعبي وطني كاسح، وقد كان ذلك في نهاية العام 2011.

وفي فبراير 2012، جرت الانتخابات البرلمانية، وجاءت النتائج معبرة عن الروح الوطنية الجياشة، إذ كانت الغلبة في تركيبة مجلس الأمة للعناصر الوطنية الساعية للإصلاح ومحاربة الفساد. وقد حصل المتهم مسلم محمد البراك على المركز الأول في دائرته الانتخابية بما يفوق 30000 صوت، وهو رقم يعد قياسي في تاريخ الانتخابات البرلمانية الكويتية.

إلا أن السلطة السياسية لم تستسلم للرغبة الشعبية، ففكرت وخططت ودبرت للإطاحة بالمجلس المنتخب… وتسارعت وتيرة الأحداث، وتنوعت مساراتها، فصدر بتاريخ 18/6/2012 مرسوم أميري بتعطيل جلسات مجلس الأمة، وبتاريخ 20/6/2012 صدر حكم من المحكمة الدستورية ببطلان الانتخابات، فدخلت الكويت في نفق مظلم ولم تخرج منه حتى هذه اللحظة.

وبعد صدور حكم المحكمة الدستورية بإبطال الانتخابات، سعت بعض الأطراف في السلطة وأعوانهم من أهل الفساد إلى التلاعب في النظام الانتخابي من أجل حرمان الشعب من اختيار من يمثله في البرلمان وفق قناعاته. ومن أجل تمكنهم من السيطرة على نتائج الانتخابات والتحكم في القرار التشريعي قاموا بالترويج لفكرة “الصوت الواحد”، فيما سعى آخرون إلى الترويج لفكرة “الصوتين”.

وفي هذه الأجواء، تصاعد السخط الشعبي، وتكرر خروج الشعب إلى الشارع للاحتجاج على توجهات السلطة وأعوانها، فتكرر في المقابل استخدام القوة من قبل السلطة، فشهدت الكويت أسوأ مرحلة في تاريخها السياسي ولم تزل.

وفي إطار الجهد الشعبي الوطني الصادق، تمت الدعوة إلى عقد ندوة عامة في ساحة الإرادة بتاريخ 15/10/2012 تحت عنوان “كفى عبثا”، وقد حضر الندوة جمهور حاشد. وفي هذه الندوة ألقى المتهم مسلم محمد البراك خطابا تاريخيا صدر من عقل وقلب شخص وطني صادق مشهود له بنظافة اليد، ومعروف بجرأته وحرصه على المصلحة العامة والدفاع عنها.

وإذ شعرت السلطة السياسية وأعوانها باهتزاز وضعها وبتنامي المعارضة الشعبية لفكرة العبث بالنظام الانتخابي، فقد رأت أن تبطش بخصومها، وحدث في الليلة ذاتها التي ألقى فيها المتهم خطابه أن قامت القوات الخاصة بضرب المواطنين واستخدام القنابل الدخانية والصوتية والهراوات والغازات، كما قامت باحتجاز عدد من الشباب الوطني، ثم قام ضابط في أمن الدولة بتقديم إفادة إلى النيابة العامة عن خطاب المتهم، وقد أسفرت تلك الإفادة عن توجيه الاتهامات في القضية الماثلة، وتم حبس المتهم احتياطيا، ثم صدر حكم ابتدائي بحبسه خمس سنوات من دون السماح له بتقديم دفاعه وذلك كله على النحو الوارد في أوراق القضية.

إن القضية الماثلة هي قضية سياسية في كل تفاصيلها يراد من خلالها إقحام المحاكم في أتون صراع سياسي عبر استدراجها للنظر في ملاحقات سياسية تتدثر برداء قانوني مهلهل لا يستر عورة منهج القمع ولا يجّمل منهج الانفراد بالسلطة. فإذا كانت النيابة العامة هي النافذة التي تسللت منها رياح الملاحقات السياسية، فإنه يفترض بالقضاء المستقل المحايد أن يكون المصد الواقي للشعب وقواه الوطنية من تلك الرياح السياسية العاتية.

وفي هذه القضية ومن خلالها، تسعى السلطة السياسية إلى الانتقام من المتهم، والحصول على حكم بإدانته… فمسلم محمد البراك هو قائد للمعارضة الوطنية في الكويت، وهو من أطلق عليه الشعب، بحق، لقب “ضمير الأمة”، فهو من يكشف ويقاوم صنّاع الفساد وأهله وأنصاره، متسلحا بحب ودعم الأحرار من أبناء وبنات الشعب الكويتي.

ثانيا: الدفاع الدستوري

يظن البعض أن لرئيس الدولة في الكويت سلطات مطلقة، وأنه يملك الحق في اتخاذ القرارات التي يرى أنها تحقق المصلحة العليا للبلاد. فيما يطلق عليه البعض وصف “ولي الأمر”، ويصفه آخرون بأنه “أبو السلطات” أو “رئيس السلطات”.

واعتمادا على هذه الأوهام، نراهم يعتبرون أي قرار يصدر عن رئيس الدولة، أو بناء على توجيهاته، هو قرار سليم من الناحية الدستورية. وبالبناء على ذلك، يتوهم البعض أن القانون يحظر انتقاد أعمال وقرارات رئيس الدولة. ومن الواضح أن البعد الاجتماعي المميز الذي كانت تكتسي به العلاقة بين الشعب الكويتي وأسرة آل صباح في الماضي هو الذي خلق هذا الانطباع المغلوط بشأن تمتع الأمير بسلطات مطلقة، وعلو إرادته فوق إرادة الشعب ونصوص الدستور.

وخلال الفترة السابقة على صدور المرسوم بالقانون رقم (20) لسنة 2012 بتعديل القانون رقم (46) لسنة 2006 بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية، (مرسوم الصوت الواحد)، والفترة اللاحقة لصدوره، ساد انطباع بأن لرئيس الدولة (الأمير) سلطات عليا لا رقيب عليها، وأنه يملك إصدار المراسيم بالقوانين وفقا لما يراه محققا المصلحة العامة، وأن واجب الناس هو “السمع والطاعة” للأمير. وقد جرت محاولات جادة لتسويق وإضفاء البعد الديني في وجوب طاعة رئيس الدولة حتى قيل بعدم جواز معارضة قراراته شرعا.

وتزامن مع ما سبق وتلاه أيضا تفشي ظاهرة إحالة وزارة الداخلية كل من له رأي معارض إلى النيابة العامة بحجج باطلة، ثم تقوم النيابة العامة، بشكل تلقائي، بتوجيه اتهامات جنائية تستند على نص المادة (25) من القانون رقم (31) لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء، والتي تجّرم “العيب في ذات الأمير”، و“الطعن في حقوقه وسلطاته“، و“التطاول على مسند إمارته”. ومن بين أشهر تلك الإحالات السياسية، الإحالة التي أفرزت القضية الراهنة ضد المتهم مسلم البراك.

ومؤخرا، صدرت أحكام ابتدائية من دوائر الجنايات بالحبس ضد متهمين في قضايا أمن دولة وفق المادة (25) المشار إليها. وبقراءة تلك الأحكام تبين أن بعض الدوائر اعتبرت أن للأمير حقوق شخصية ومباشرة وردت في مواد الدستور من (54) إلى (78).

ومن خلال قراءة الكلمة التي وجهها صاحب السمو أمير البلاد إلى المواطنين عبر التلفزيون بتاريخ 19 أكتوبر 2012، تبين للدفاع أن قرار إصدار المرسوم بالقانون بتعديل أحكام القانون رقم (42) لسنة 2006 بشأن إعادة تحديد الدوائر الانتخابية، هو قرار صدر من الأمير نفسه. وقد كشف صاحب السمو في كلمته تلك عن قناعته الشخصية بأنه يملك، من الناحية الدستورية، إصدار المراسيم بالقوانين وفق ما يراه هو، وليس مجلس الوزراء، محققا للمصلحة العامة، على اعتبار أنه شريك في السلطة التشريعية حال وجود مجلس الأمة وفق المادة (51) من الدستور، ومنفرد بها حال غياب المجلس دون ضوابط، وعلى ضوء فهم معين لنص المادة (71) من الدستور. فقد جاء في كلمة سموه:

“.. وانطلاقا من المسؤولية التي استشعرها تجاه ما يهدد مصلحة البلاد حاضرا ومستقبلا فقد كان لدي هاجس دائم ورغبة جادة في تحقيق الإصلاح المنشود لنظامنا الانتخابي القائم وتصحيح ما يشوب الممارسة البرلمانية من عيوب ومثالب وقد أكد قناعتي ما لمسته خلال لقاءاتي العديدة مع شرائح واسعة من الأخوة المواطنين من انتقاد للنظام الانتخابي وعلى الأخص ما يتصل بآلية التصويت فيه بما أسفر عنه من نتائج تجافي العدالة والتمثيل الصحيح لأطياف المجتمع الكويتي في البرلمان ومساس مرفوض بوحدتنا الوطنية وانعكاس كل ذلك على أداء المجلس وانحرافه في أداء مهامه ومسؤولياته. وقد أصبح إصلاح الوضع استحقاقا وطنيا حتميا تستوجب الضرورة مواجهته ومعالجته بالسرعة اللازمة إلا أن ما أثاره مؤخرا العديد من الخبراء الدستوريين والمتخصصين حول عدم دستورية النظام الانتخابي القائم وما اتصل به من شبهات قد استوقفني عن إجراء التعديل اللازم تجنبا لما قد يؤدي إلى فوضى قانونية وإرهاق سياسي إذا ما حكمت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته.

واليوم وبعد أن أصدرت المحكمة الدستورية حكمها الحاسم الذي يسمح بإجراء التعديل الضروري اللازم للنظام الانتخابي فقد استخرت الله جل وعلا وتحملا لمسؤوليتي أمام الله ثم أمام أهل الكويت الأوفياء.

واستجابة للضرورة الملحة التي استوجبت اللجوء لاتخاذ هذا القرار بما لا يسمح بأي تسويف أو تأجيل وتفعيلا لسلطاتي الدستورية فقد وجهت الحكومة بحتمية صدور مرسوم بقانون لإجراء تعديل جزئي في النظام الانتخابي القائم يستهدف معالجة آلية التصويت فيه لحماية الوحدة الوطنية وتعزيز الممارسة الديمقراطية ويحقق تكافؤ الفرص والتمثيل المناسب لشرائح المجتمع مؤكدا ثقتي بأن يتناول مجلس الأمة القادم مراجعة هذا القانون مراجعة شاملة بما تستوجبه الضرورة من معالجة الجوانب السلبية الأخرى التي تشوبه تحقيقا للغايات الوطنية المنشودة فلن يعذرنا التاريخ إن تهاونا أو تراخينا في مواجهة ما يهدد وطننا من مخاطر ومحاذير…”.

وحيث أن فكرة تقديس رئيس الدولة، أي دولة وأيا كان نظامها الدستوري، ومنحه حصانة مطلقة تبيح له الخروج على أحكام الدستور وتعلي إرادته فوق إرادة الأمة، تعتبر من الأفكار المتخلفة التي لا تنتمي إلى العصر الراهن، وهي أفكار تتصادم مع مبادئ الديمقراطية والحريات العامة، وتتعارض مع فكرة الدولة القانونية وتهدر قيم الإنسانية وتنسخ كل تطور فكري وسياسي ضحت البشرية من أجل سيادته وانتشاره.

وللأسباب السابقة، يرى الدفاع أن من واجبه وهو بصدد دحض الاتهامات الباطلة، أن يبسط رأيه في محراب العدالة حول موضوع سلطات رئيس الدولة وفق الدستور الكويتي وحدود الحماية الدستورية والقانونية المقررة له.

  1. مركز رئيس الدولة وفق الدستور

من أجل التعرف على مركز رئيس الدولة في الدستور الكويتي وحدود سلطاته، يلزم أولا بيان موقف الدستور من أسرة آل صباح عموما ومن ذرية مبارك الصباح خصوصا والتي ينتمي إليها رئيس الدولة. ولهذا البيان أهمية في التعرف على البناء الدستوري لوضع ذرية مبارك الصباح التي يأتي منها رئيس الدولة، وتأثير هذا البناء على مركز رئيس الدولة وعلاقته بالسلطات العامة. كما يلزم ثانيا بحث علاقة رئيس الدولة بكل من مجلس الأمة ومجلس الوزراء والقضاء. كما يلزم ثالثا بحث اختصاصات رئيس الدولة ووسائل ممارستها، وذلك كله في ضوء طبيعة نظام الحكم الذي تبناه الدستور.

ــــ الوضع الدستوري لأسرة آل صباح ولذرية مبارك الصباح:

في هذا الصدد، يمكن القول إنه بخلاف ما ورد في نص المادة (4) من الدستور من أن الكويت إمارة وراثية في ذرية المغفور له مبارك الصباح، لم تتضمن نصوص الدستور الأخرى أي إشارة إلى أسرة آل صباح بأي وصف على الإطلاق. أما المذكرة التفسيرية للدستور، فقد أشارت إشارة عابرة إلى أسرة آل صباح بمناسبة بيان التصوير العام لنظام الحكم، وأوضحت أن المشرع الدستوري لم يغلق الباب أمام تعيين وزراء من غير أعضاء مجلس الأمة، وأضافت: “إيراد هذا الحكم الخاص بتعيين وزراء من غير أعضاء مجلس الأمة، مع تعمد ترك ما تتضمنه الدساتير الملكية عادة من النص على “أن لا يلي الوزارة أحد أعضاء البيت المالك” أو “أحد من الأسرة المالكة” يؤدي إلى جواز تعيين أعضاء الأسرة الحاكمة وزراء من خارج مجلس الأمة. وهذا هو الطريق الوحيد لمشاركتهم في الحكم نظرا إلى ما هو معروف من عدم جواز ترشيح أنفسهم في الانتخابات حرصا على حرية هذه الانتخابات من جهة، ونأيا بالأسرة الحاكمة عن التجريح السياسي الذي قلما تتجرد منه المعارك الانتخابية من جهة ثانية.

وأضافت المذكرة التفسيرية أنه مما يشفع لهذا الاستثناء في أسلوب الحكم البرلماني بالنسبة إلى الكويت بصفة خاصة كون الأسرة الحاكمة من صميم الشعب“.

وأضافت:كما يشفع له أيضا كون عدد سكان دولة الكويت قد استلزم الأخذ بنظام المجلس الواحد. فلم يعد هناك مجلس ثان (مجلس شيوخ أو مجلس أعيان) يمكن لأعضاء البيت الحاكم الإسهام عن طريق التعيين فيه في شؤون الدولة العامة“.

ومن خلال الإشارات السابقة، يمكن القول إن الدستور لم يتعامل مع أسرة آل صباح تعاملا خاصا، ولم يمنحها مركزا دستوريا باستثناء ما ورد في المادة (4) في شأن كون الكويت إمارة وراثية في ذرية مبارك الصباح، أي أن الدستور منح ذرية مبارك الصباح تحديدا منصبي الأمير وولي العهد، مع ملاحظة أنه لا الدستور ولا قانون توارث الإمارة منحا ولي العهد أي اختصاص فيما عدا نيابته عن الأمير أو القيام ببعض اختصاصات رئيس الدولة متى قرر الأمير ذلك.

وتشير المناقشات التي جرت بين أعضاء لجنة إعداد الدستور إدراك ممثل ذرية مبارك الصباح في تلك اللجنة لتقلص مركز الأسرة الحاكمة وفق النظام الدستوري.

ويستفاد من ذلك أن أسرة آل صباح وذرية مبارك الصباح ليست جزء من المؤسسات الدستورية، ولم يمنحها الدستور أي اختصاص بما في ذلك تزكية ولي العهد. فهذا الأمر، أي التزكية، منوط بالأمير فقط. كما لم ينشأ الدستور مجلسا للأسرة الحاكمة كما فعلت دساتير أخرى كالدستور القطري الذي أجازت المادة (41) منه لرئيس الدولة أن ينشئ بقرار مجلسا يسمى “مجلس العائلة”، ويختص هذا المجلس بتقرير خلو منصب الأمير عند وفاته أو إصابته بعجز كلي يمنعه من ممارسة مهامه. كما منحت المادة (61) مجلس العائلة الاختصاص بتعيين مجلس وصاية يتولى إدارة دفة الحكم في حالة عدم بلوغ ولي العهد ثمانية عشر عاما حين مناداته أميرا للبلاد.

خلاصة الأمر أن الدستور الكويتي أخرج أسرة آل صباح من إطار التنظيم الدستوري للسلطات العامة مكتفيا باشتراط وجوب أن يكون رئيس الدولة من أفراد ذرية مبارك الصباح، إلا أنه اشترط أيضا موافقة مجلس الأمة على تعيين ولي العهد والأمير في حالة معينة.

(2) علاقة رئيس الدولة بالسلطات العامة

في الباب الرابع، وتحت عنوان “السلطات“، نظم الدستور العلاقة بين السلطات العامة. وقد بينت المادة (51) أن السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة. كما بينت المادة (52) أن السلطة التنفيذية يتولاها الأمير ومجلس الوزراء والوزراء. أما المادة (53) فقد بينت أن السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الأمير. وتحت عنوان “رئيس الدولة“، بينت المواد من (54 إلى 78) اختصاصات رئيس الدولة وكيفية ممارستها، كما تضمنت مواد متفرقة بيان اختصاصات أخرى لرئيس الدولة، ومن بينها اختصاصات يمارسها بالاشتراك مع الوزراء.

وإذا كنا بصدد البحث في علاقة رئيس الدولة بالسلطات العامة، فإن هذا يعني أننا نبحث في علاقة رئيس الدولة بمجلس الأمة الذي يتولى معه السلطة التشريعية، وعلاقته بمجلس الوزراء الذي يتولى معه السلطة التنفيذية، وعلاقته بالقضاء الذي تصدر أحكامه باسمه.

(أ) علاقة رئيس الدولة بمجلس الأمة:

وفقا للمادة (54) من الدستور، فإن ذات رئيس الدولة مصونة لا تمس. وقد نأى الدستور بالأمير عن المساءلة السياسية، وهو يمارس سلطاته بواسطة وزرائه وفقا للمادة (55)، وبالتالي فإن مجلس الأمة لا يستطيع محاسبة الأمير. غير أن مجلس الأمة يملك بالطبع الحق في رفض مشروعات القوانين التي تقدمها الحكومة بمرسوم أميري موقع من قبل رئيس الدولة، وللمجلس أيضا الحق في عدم إقرار المراسيم بالقوانين التي تصدرها الحكومة ويوقعها رئيس الدولة وفق المادة (71) من الدستور.

وتنص المادة (79) من الدستور على أنه لا يصدر قانون إلا إذا أقره مجلس الأمة وصدق عليه الأمير. وتوحي هذه المادة بأن العلاقة بين رئيس الدولة ومجلس الأمة هي علاقة شراكة متكافئة في الاختصاص التشريعي، خاصة أن لرئيس الدولة حق اقتراح القوانين وفقا للمادة (65) من الدستور، وهو حق يقابل حق عضو مجلس الأمة باقتراح القوانين المنصوص عليه في المادة (109). وكما أن لمجلس الأمة أن يرفض مشروعات القوانين التي يقدمها رئيس الدولة، فإن للأمير وفق المادة (66) أن يطلب إعادة النظر في مشروع القانون الذي يقره مجلس الأمة، وللمجلس أن يقر مشروع القانون بموافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم، وإذا ما تم ذلك، وجب على رئيس الدولة التصديق على مشروع القانون وإصداره. أي أن حق الأمير في طلب إعادة النظر هو “مجرد حق اعتراض توقيفي يستطيع مجلس الأمة أن يتخطاه“.

أما بالنسبة لتعديل الدستور، فإن المادة (174) من الدستور أجازت للأمير ولثلث أعضاء مجلس الأمة حق اقتراح تنقيحه أو حذف حكم أو أكثر من أحكامه أو إضافة أحكام جديدة إليه. إلا أن المادة ذاتها منحت رئيس الدولة حق التصديق المطلق حيث يمكن للأمير الاعتراض على التعديلات التي يوافق عليها مجلس الأمة.

وفي إطار علاقة رئيس الدولة بمجلس الأمة، نصت المادة (87) من الدستور على وجوب قيام الأمير بدعوة مجلس الأمة لأول اجتماع يلي الانتخابات العامة للمجلس في خلال أسبوعين من انتهاء تلك الانتخابات. وفي حال امتناع الأمير عن إصدار مرسوم الدعوة، قررت المادة ذاتها اعتبار المجلس مدعوا للاجتماع في صباح اليوم التالي للأسبوعين من دون الحاجة لمرسوم أميري. أما المادة (102) فقد أجازت للأمير أن يحل مجلس الأمة إذا قرر المجلس عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء. لكن إذا قرر المجلس الجديد عدم إمكان التعاون مع رئيس الوزراء مرة ثانية، اعتبر الأخير معتزلا منصبه من دون حاجة لقرار من الأمير.

أما المادة (106) فقد أجازت للأمير أن يؤجل اجتماع مجلس الأمة لمدة لا تجاوز شهرا.

أما المادة (107) فقد منحت الأمير حق حل مجلس الأمة بمرسوم مسبب، على أنه لا يجوز حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى. وتوجب المادة ذاتها إجراء الانتخابات للمجلس الجديد في ميعاد لا يجاوز شهرين من تاريخ الحل. وإذا لم تجر الانتخابات خلال تلك المدة، يسترد المجلس المنحل كامل سلطته الدستورية.

ومن خلال النصوص الدستورية السابقة يمكن تحديد معالم علاقة رئيس الدولة بمجلس الأمة وهي تتلخص في علو إرادة مجلس الأمة على إرادة الأمير، سواء في إصدار التشريعات العادية أو في انعقاد مجلس الأمة، أو في تعيين ولي العهد. أما في تعديل الدستور، فإن المشرع الدستوري ساوى بين إرادة مجلس الأمة وإرادة الأمير. وفي شأن سلطة الأمير في حل مجلس الأمة، فقد وضع المشرع الدستوري ضوابط وقيود وضمانات تكفل ممارسة حق الحل في إطار دستوري يحول دون الانحراف في استعماله.

(ب) علاقة رئيس الدولة بالسلطة التنفيذية:

القاعدة الأساسية التي تحكم علاقة رئيس الدولة بالسلطة التنفيذية وردت في المادة (55) من الدستور، حيث تنص تلك المادة على أنه يتولى الأمير سلطاته بواسطة وزرائه. ويترتب على هذه القاعدة نتائج أساسية، منها أن الأمير هو الذي يعين رئيس مجلس الوزراء والوزراء ويعفيهم من مناصبهم المادة (56)، كما أنهم مسؤولون بالتضامن أمامه (58). أما المادة (128) فتلزم مجلس الوزراء بعرض القرارات التي يتخذها، والتي تقتضي صدور مرسوم أميري في شأنها، على الأمير للتصديق عليها.

ويرى البعض أنه يستفاد من النصوص الدستورية المشار إليها “أن الدستور يجعل رئيس الدولة هو رئيس السلطة التنفيذية، ولكنه تمشيا مع النظام البرلماني الذي يعتنقه يجعل ممارسة رئيس الدولة للسلطة التنفيذية عن طريق الوزارة. ذلك لأن رئيس الدولة، كما تنص المادة (54) من الدستور، ذاته مصونة لا تمس، وهذا ما يفرض أن يتولى سلطاته التنفيذية عن طريق وزرائه”.

وهناك من يرى أن الأمير وإن كان رئيسا للدولة وللسلطة التنفيذية في الوقت نفسه “لكنه لا يملك إلا سلطات محدودة ومحددة في النظام الدستوري الكويتي، وهو ما يجعل دوره ثانويا في إدارة شؤون هذه السلطة خصوصا في ظل المبدأ الدستوري القاضي بعدم مسؤوليته“.

وهناك من يرى أنه لا مانع يحول دون اشتراك رئيس الدولة في مداولات مجلس الوزراء “وتكون له عندئذ رئاسته، غير أنه لا يشترك في التصويت على قراراته“.

والسؤال المهم هنا هو: كيف يمكن التوفيق بين عدم جواز مساءلة الأمير سياسيا وممارسته سلطاته بواسطة الوزراء من جهة، وبين نصوص الدستور التي تقرر للأمير حق اقتراح القوانين أو حق حل مجلس الأمة أو حق إصدار مراسيم الضرورة؟

سوف نورد الإجابة على هذا السؤال عند حديثنا حول اختصاصات رئيس الدولة ووسائل ممارستها.

(ج) علاقة رئيس الدولة بالسلطة القضائية:

تنص المادة (53) من الدستور على أن السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الأمير في حدود الدستور“. وباستثناء هذا النص، لا يوجد أي نص آخر في الدستور ينظم علاقة رئيس الدولة بالسلطة القضائية أو يجعل له، بشكل مباشر أو غير مباشر، أي سلطة على القضاة. فالمادة (163) من الدستور تنص على أنه لا سلطان لأي جهة على القاضي في قضائه، ولا يجوز بحال التدخل في سير العدالة، ويكفل القانون استقلال القضاء ويبين ضمانات القضاة والأحكام الخاصة بهم وأحوال عدم قابليتهم للعزل. كما نصت المادة (168) على أنه يكون للقضاء مجلس أعلى ينظمه القانون ويبين صلاحياته“.

ومن النصوص السابقة يتضح لنا أن السلطة القضائية تستقل عن رئيس الدولة، ولا يعني صدور أحكام المحاكم باسم الأمير أن للأخير سلطة على القضاة. وهناك من يرى أن “استقلال السلطة القضائية لا يعني أكثر من استقلال القاضي في قضائه. فهو لا يخضع لغير ضميره وللقانون. فلا يتلقى أوامر أو نواه من السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية. غير أن ذلك لا ينفي وجود صلات تربط بين السلطة القضائية وبين السلطتين الأخريين: فالسلطة التشريعية هي التي تضع كافة القوانين التي تنظم شؤون القضاء، وذلك في حدود الدستور، كما أن السلطة التنفيذية هي التي تعين رجال القضاء في حدود القانون، وهي التي تقوم بتنفيذ الأحكام القضائية…“.

وللأمير اختصاص له طابع قضائي هو اختصاصه بالعفو عن العقوبة أو تخفيضها، حيث يتم ذلك بمرسوم أميري على النحو الوارد في المادة (75) من الدستور. وهذا الاختصاص يمارسه الأمير من خلال مجلس الوزراء وليس اختصاصا شخصيا مباشرا ينفرد فيه.

وتأكيدا لطبيعة علاقة رئيس الدولة بالمحاكم، نورد هنا فقرة من الحكم الذي أصدرته دائرة الجنايات في واحدة من قضايا الملاحقات السياسية، إذ كانت الدعوى الجنائية ضد المتهم قد أقيمت بناء على بلاغ مقدم من وزير الديوان الأميري. ولأسباب سياسية، قرر وزير الديوان الأميري، بناء على توجيهات من رئيس الدولة، التنازل عن البلاغ، فقدم كتابا إلى المحكمة يفيد ذلك، إلا أن المحكمة ردت على الكتاب بقولها:

“… وإذ تنوه المحكمة ابتداءً أن المادة 75 من دستور الكويت الصادر بتاريخ 11 نوفمبر 1962 قد نصت على “للأمير أن يعفو بمرسوم عن العقوبة أو أن يخفضها، أما العفو الشامل فلا يكون إلا بقانون وذلك عن الجرائم المقترفة قبل اقتراح العفو… وبالتالي فإن هذا النص قد نسخ المادتين 238، 239 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الصادر بتاريخ 2 يونيو 1960 المعدل ويكون النص الدستوري المذكور هو المعول عليه في مسائل العفو الشامل والعفو عن العقوبة… وإذ لم يصدر قانون بعد يقضي بالعفو الشامل عن الجريمتين الواردتين بالمادتين 15، 25 من قانون الجزاء كما لم يصدر مرسوم أميري بالعفو عن المتهم من الاتهام المسند إليه لاسيما وأن الدعوى الجزائية قبله مازالت منظورة ولم يصدر حكم فيها بعد… ومن ثم فلا محل لإعمال نص المادة 75 من دستور دولة الكويت على الدعوى الجزائية. كما أنه لا محل أيضاً لإعمال أحكام الصلح والعفو الواردين بالمادتين 240، 242 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية طالما أن الاتهام الموجه إلى المتهم قد تعلق بجرائم أمن الدولة وهي من جرائم الحق العام والتي لا يؤثر فيها الصلح أو العفو… ومن ثم فإن ما ورد بكتاب الشاكي المقدم للمحكمة بتاريخ 10 مارس 2011 والمتضمن طلب إسقاط الدعوى الجزائية عن المتهم في الدعوى الماثلة ليس له من أثر في سير هذه الدعوى وتمضي المحكمة من ثم في نظرها والفصل فيها وفقاً للقانون…”.

(3) اختصاصات رئيس الدولة

حين ينص الدستور على أن للأمير حق اقتراح القوانين…”، فهل يعني ذلك أن الدستور يمنح الأمير شخصيا مثل هذا الحق، وأنه هو المختص، لوحده، في ممارسة هذا الحق؟ أم أن نسبة حق اقتراح القوانين، وغيره من الحقوق والسلطات، إلى الأمير هي نسبة مجازية، وأنها حقوق مقررة لمجلس الوزراء لكنها تُنسب إلى الأمير؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب فهم طبيعة النظام الدستوري الكويتي، والتعرف على مركز رئيس الدولة ودوره في هذا النظام.

تقرر المذكرة التفسيرية للدستور “ومن هنا جاء الحرص في الدستور الكويتي على أن يظل رئيس الدولة أباً لأبناء هذا الوطن جميعا، فنص ابتداء على أن عرش الإمارة وراثي في أسرة المغفور له مبارك الصباح (مادة 4)، ثم نأى بالأمير عن أي مساءلة سياسية وجعل ذاته مصونة لا تمس (مادة 54) كما أبعد عنه مسببات التبعة وذلك بالنص على أن رئيس الدولة يتولى سلطاته الدستورية بواسطة وزرائه (مادة 55) وهم المسؤولون عن الحكم أمامه (مادة 58) وأمام مجلس الأمة (المادتان 101 و102) …”.

وقررت أيضا:

يقتضي مبدأ ممارسة الأمير لسلطاته الدستورية بواسطة وزرائه، حلول المراسيم الأميرية محل الأوامر الأميرية، ولكن ترد على هذا المبدأ استثناءات ثلاثة، أولها اختيار ولي العهد بناء على مبايعة مجلس الأمة (مادة4)، وثانيها لا يمارس بطبيعته إلا بأمر أميري وهو تعيين رئيس الوزراء وإعفاؤه من منصبه (مادة 56). وثالثها وثيق الصلة بالأمير وهو اختيار نائب عنه يمارس مؤقتا، في حالة تغيبه خارج الإمارة وتعذر نيابة ولي العهد عنه، كل أو بعض صلاحياته الدستورية ( مادة 61)، وفيما عدا هذه الأمور الثلاثة يكون المرسوم هو الأداة الدستورية لممارسة السلطات الأميرية المقررة بالدستور، وقد حرصت بعض نصوص الدستور (كالمواد 66 و68 و69) على ذكر كلمة (بمرسوم) وذلك توكيدا للحكم المنوه عنه وبرغم كفاية نص المادة 55 في الدلالة عليه، ومن ثم لا يفيد عدم ذكر هذه الكلمة في سائر النصوص أي شك في سريان حكم المادة 55 عليها كاملا غير منقوص…”.

وقررت أيضا:

اقتضى الحرص على وحدة الوطن واستقرار الحكم أن يتلمس الدستور في النظام الديمقراطي الذي تبناه طريقا وسطا بين النظامين البرلماني والرئاسي مع انعطاف أكبر نحو أولهما…”.

وإذ تنص المادة (52) من الدستور على أن السلطة التنفيذية يتولاها الأمير ومجلس الوزراء والوزراء على النحو المبين بالدستور، فإن مفاد هذا النص أن الدستور الكويتي أخذ بنظام “ثنائية السلطة التنفيذية”. ويعني هذا النظام أن السلطة التنفيذية تتكون من طرفين: رئيس الدولة ومجلس الوزراء. ويثير نظام ثنائية السلطة التنفيذية العديد من الأسئلة حول دور كل من رئيس الدولة ومجلس الوزراء، ومن الذي يتخذ القرار ويمارس شؤون الحكم والإدارة. ومرجع هذه الأسئلة أنه في النظام البرلماني أو شبه البرلماني، سواء كان نظاما وراثيا أو غير ذلك، هناك قاعدة جوهرية وهي أن رئيس الدولة (الملك، الأمير، الرئيس المنتخب) لا يسأل ولا يحاسب سياسيا.

ومن الطبيعي أن يترتب على قاعدة عدم جواز مساءلة رئيس الدولة نتائج مهمة:

النتيجة الأولى هي انتقال السلطات الفعلية إلى الوزارة.

والنتيجة الثانية هي أن رئيس الدولة لا يستطيع العمل منفردا.

وفي شأن النتيجة الأولى، يقرر الدكتور إبراهيم عبدالعزيز شيحا:أول نتيجة تترتب على عدم جواز مساءلة رئيس الدولة في الأنظمة البرلمانية تكمن في وجود البديل الذي يتحمل مسؤولية سياسة الحكم، وهذا البديل هو الوزارة. ولما كان من المبادئ المقررة أن المسؤولية تدور مع السلطة وجودا وعدما، أي أنه حينما توجد المسؤولية توجد السلطة، فإن هذا يؤدي إلى انتقال سلطة البت في أمور الحكم من رئيس الدولة ــــ غير المسؤول ــــ إلى الوزارة المسؤولة… وتبعا لذلك لا يكون لرئيس الدولة في الأنظمة البرلمانية سياسة خاصة أو برنامجا ذاتيا، فهو لا يقوم بوضع سياسة الدولة بنفسه، فوضع هذه السياسة وتحريك دفة الأمور في الدولة يكون أمرا متروكا للوزارة التي تعد حجر الزاوية في النظام البرلماني. وسلطات رئيس الدولة لا تعدو في هذا النظام أن تكون مجرد سلطات فخرية او اسمية، لا فعلية… ويترتب على ذلك أن جميع السلطات التي تمنحها الدساتير لرؤساء الدول في الأنظمة البرلمانية، كتعيين الموظفين وعزلهم، وتوقيع المعاهدات، ودعوة البرلمان للانعقاد وتأجيل اجتماعاته وحله، واستعمال حق العفو، هي في الواقع حقوق اسمية لرئيس الدولة، ويكون صاحبها الحقيقي الوزارة المسؤولة… إن انتقال سلطات رئيس الدولة غير المسؤول إلى الوزارة المسؤولة أمر منطقي تحتمه طبيعة الأشياء: فلو أن الرئيس استأثر بالتصرف، فلابد من توقع احتمال الصواب والخطأ من جانبه. فإذا أخطأ الرئيس وجبت مساءلته عن تصرفه. ولتفادي التعارض بين هذه النتيجة وقاعدة عدم مسؤولية رئيس الدولة وجب أن يجرد الرئيس من سلطاته والتسليم بها للوزارة بحيث لا يكون لرئيس الدولة في الأنظمة البرلمانية إلا مجرد مركز شرفي أو فخري“.

أما بشأن النتيجة الثانية، فيقرر الدكتور شيحا:والنتيجة الثانية لعدم مسؤولية رئيس الدولة في الأنظمة البرلمانية تكمن في عدم إمكانية مباشرة الرئيس لاختصاصاته منفردا… فجميع اختصاصاته المسندة إليه كرئيس للدولة يجب أن يمارسها عن طريق الوزراء المختصين. ونتيجة لذلك تنعقد مسؤولية كل منهم عن القرارات التي مهرها…”.

ويسأل الدكتور شيحا عما إذا تبقى لرئيس الدولة سلطات في النظام البرلماني، ويجيب على ذلك بقولهجرى الفقه الدستوري على الإشارة إلى حالتين يمارس فيهما رئيس الدولة سلطات حقيقية وفعلية في شؤون الحكم: حق رئيس الدولة في تعيين الوزراء وإقالتهم، وحق حل البرلمان حلا رئاسيا“.

وبالاطلاع على دستور الكويت، وعلى قانون توارث الإمارة، وعلى قانون مخصصات الأمير، نجد أنها منحت رئيس الدولة اختصاصات عدة، والسؤال المهم الذي نطرحه هنا هو: هل الاختصاصات السابقة ممنوحة للأمير بشكل اسمي أم أنها بمثابة حقوق له يمارسها بنفسه ممارسة فعلية؟

بالعودة إلى المذكرة التفسيرية للدستور، نجد أن الدستور الكويتي جعل رئيس الدولأبا لأبناء هذا الوطن جميعا”، ثم نأى بالأمير عن أي مساءلة سياسية وجعل ذاته مصونة لا تمس، كما أبعد عنه مسببات التبعة وذلك بالنص على أن رئيس الدولة يتولى سلطاته الدستورية بواسطة وزرائه وهم المسؤولون عن الحكم أمامه وأمام مجلس الأمة…”.

إن القول بأن الاختصاصات الممنوحة للأمير إنما منحت بوصفها سلطات دستورية مقررة له يمارسها بنفسه ممارسة فعلية مباشرة، يتنافى تماما مع جوهر النظام الديمقراطي الذي تبناه الدستور الكويتي، إذ لا يستقيم أمر الحكم الديمقراطي في النظام البرلماني حين يُمنح رئيس الدولة سلطات مهمة، هي سلطات حكم وإدارة الدولة، ثم تُحظر مساءلته عن إساءة استعمال تلك السلطات عن طريق البرلمان ويمنع انتقاده من قبل الرأي العام.

فضلا عن ذلك فإن منح رئيس الدولة تلك السلطات الواسعة يتعارض تماما مع ميل الدستور الكويتي صوب النظام البرلماني على النحو الذي بينته المذكرة التفسيرية للدستور.

كما يتعارض أيضا مع صريح نص المادة (123) من الدستور التي تقرر “يهيمن مجلس الوزراء على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة، ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الإدارات الحكومية.” إذ لو كان الأمير هو الذي يمارس الاختصاصات المشار إليها جميعها، لأصبح هو من يضع السياسة العامة للحكومة وليس مجلس الوزراء. ويتعارض أيضا مع المادة (58) من الدستور التي تقرر “رئيس مجلس الوزراء والوزراء مسؤولون بالتضامن أمام الأمير عن السياسة العامة للدولة، كما يسأل كل وزير أمامه عن أعمال وزارته“. فإذا كان رئيس الدولة هو من يتخذ القرارات، فإنه لا مبرر لتقرير مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء أمام الأمير عن السياسة العامة للدولة!

ثم أنه إذا كان الأمير هو الذي يتخذ القرارات ويتولى إدارة الدولة، فإنه من غير المنطقي أن يتم تحميل رئيس مجلس الوزراء والوزراء المسؤولية عن تصرفات رئيس الدولة أمام مجلس الأمة، وأن يتم طرح موضوع الثقة بالوزير أو إصدار قرار بعدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء.

إن المنطق العادي للأمور يجافي فكرة منح رئيس الدولة سلطات واسعة يمارسها بنفسه في النظام البرلماني أو شبه البرلماني ثم منحه حصانة تحول دون مساءلته سياسيا أو محاسبته قانونيا.

وإذا كان الدستور الكويتي لم يأخذ بالنظام البرلماني الكامل، على النحو الذي فسرته المذكرة التفسيرية للدستور، والتي أكدت أنه اقتضى الحرص على وحدة الوطن واستقرار الحكم أن يتلمس الدستور في النظام الديمقراطي الذي تبناه طريقا وسطا بين النظامين البرلماني والرئاسي مع انعطاف أكبر نحو أولهما…”، فإن هذا الطريق الوسط لا يعني أن الدستور الكويتي أخذ ببعض مظاهر النظام الرئاسي، بل نرى أن معالم الطريق الوسط إنما تتجلى في تخلي الدستور عن بعض مظاهر النظام البرلماني وليس من خلال الأخذ ببعض مظاهر النظام الرئاسي. ومن ذلك:

  • عدم النص على إسقاط الوزارة بكاملها بقرار عدم ثقة يصدره مجلس الأمة

  • وضع قيود على المسؤولية السياسية الفردية للوزراء

  • إجازة اختيار وزراء من خارج البرلمان

  • اعتبار الوزراء غير المنتخبين أعضاء في البرلمان بحكم مناصبهم

  • عدم تقييد استعمال حق حل البرلمان بقيد زمني

  • منح السلطة التنفيذية مساحة للتصرف دون الرجوع المسبق للبرلمان في أمور محددة

صحيح إن العناصر السابقة التي أخذ بها الدستور الكويتي أبعدته إلى حد ما عن النظام البرلماني، إلا أنها في الواقع لم تقربه من النظام الرئاسي الذي يمنح السلطة كاملة لرئيس الدولة مع تقرير مسؤوليته وجواز مساءلته سياسيا ومحاسبته جنائيا.

وبالبناء على ما سبق، لا يمكن القول بأن السلطات التي منحها الدستور الكويتي لرئيس الدولة هي سلطات فعلية يمارسها بنفسه، بل هي سلطات ممنوحة للوزارة تمارسها من خلال المراسيم الأميرية التي تكون الوزارة مسؤولة عنها أمام البرلمان والتي يحق للرأي العام انتقادها. ولعله من المهم بيان أن “الاختصاصات التي ترد في الدستور باسم رئيس الدولة، إنما تمارس بواسطة الحكومة المسؤولة، نظرا لعدم مسؤولية رئيس الدولة سياسيا“.

وإذا دققنا النظر في السلطات التي منحها كل من الدستور وقانون توارث الإمارة وقانون المخصصات المالية للأمير، فإننا سنجد أنها تنحصر في التالي:

(1) اختصاصات مصدرها الدستور

م/4 تزكية ولي العهد

م/56 تعيين رئيس مجلس الوزراء ويعفيه ويعين الوزراء ويعفيهم

م/58 مساءلة ومحاسبة رئيس مجلس الوزراء والوزراء

م/61 تعيين نائب عنه

م/65 حق اقتراح القوانين والتصديق عليها وإصدارها

م/68 إعلان الحرب الدفاعية

م/69 إعلان الأحكام العرفية

م/70 إبرام المعاهدات

م/71 إصدار مراسيم الضرورة

م/72 إصدار لوائح تنفيذ القوانين

م/73 إصدار لوائح الضبط

م/74 تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين لدى الدول الأجنبية وعزلهم وقبول ممثلي الدول الأجنبية لديه

م/75 العفو عن العقوبة أو تخفيضها

م/67 منح أوسمة الشرف

م/78 مخصصات مالية سنوية

م/86 دعوة مجلس الأمة للانعقاد لدوره العادي

م/87 دعوة مجلس الأمة لأول اجتماع بعد انتخابه

م/ 88 دعوة مجلس الأمة لاجتماع غير عادي

م/89 فض أدوار الاجتماع

م/102 إعفاء رئيس مجلس الوزراء أو حل مجلس الأمة في أعقاب قرار بعدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء

م/104 افتتاح دور الانعقاد وإلقاء الخطاب الأميري

م/106 تأجيل اجتماع مجلس الأمة

م/107 حل مجلس الأمة

م/174 اقتراح تنقيح الدستور والتصديق على التنقيح وإصداره

(2) اختصاصات مصدرها قانون توارث الإمارة

م/5 تعيين وكيل خاص

م/6 الاستعانة بولي العهد

م/7 إحالة أمر فقدان ولي العهد القدرة الصحية إلى مجلس الوزراء

(3) اختصاص مصدره القانون رقم 44/2006 بشأن مخصصات الأمير

م/2 تحديد شروط استحقاق أفراد أسرة آل صباح في المخصصات وطريقة تقريرها

وقد اختلف شراح الدستور الكويتي في تقسيم اختصاصات رئيس الدولة. فهناك من يرى أنها تنقسم إلى اختصاصات شخصية يمارسها بواسطة الأوامر الأميرية، واختصاصات غير شخصية ذات صلة بالسلطة التشريعية أو بالسلطة التنفيذية وتمارس بواسطة المراسيم الأميرية. وهناك من يدرج اختصاصات رئيس الدولة ضمن اختصاصات السلطة التنفيذية ثم يقسمها إلى أنواع، ويشمل النوع الأول اختصاصات يمارسها منفردا ووسيلتها الأوامر الأميرية، منها ما يتصل بشؤون الإمارة مثل تزكية ولي العهد وتعيين رئيس مجلس الوزراء، ومنها ما يتصل بشخص رئيس الدولة أو بالأسرة الحاكمة مثل تعيين وكيل عنه أو تحديد شروط استحقاق أفراد الأسرة الحاكمة للمخصصات المالية. أما النوع الثاني فيشمل اختصاصات يمارسها بواسطة الوزراء مثل اختصاصاته في مواجهة مجلس الأمة واختصاصه بوضع اللوائح. في حين يضم النوع الثالث من اختصاصات رئيس الدولة اختصاصات ذات طابع سياسي مثل إبرام المعاهدات، وأخرى ذات طابع إداري مثل تعيين الموظفين ومنح الأوسمة.

وهناك من يقسم اختصاصات رئيس الدولة إلى اختصاصات يمارسها في الظروف العادية وأخرى يمارسها في الظروف غير العادية.

وهناك تقسيم أخير لاختصاصات رئيس الدولة يرى أصحابه أن للأمير اختصاصات يمارسها بصفته رئيسا للدولة، مثل ترشيح ولي العهد وتعيين رئيس مجلس الوزراء، واختصاصات يمارسها بصفته رئيسا للسلطة التنفيذية بواسطة وزرائه.

ونحن نميل إلى تقسيم اختصاصات رئيس الدولة إلى اختصاصات فعلية واختصاصات اسمية. ونرى أن الاختصاصات الفعلية التي يمارسها الأمير تتصل بمنصبه كرئيس للدولة أو بشخصه أو بأسرة الصباح، ويمكن حصرها بالتالي:

تزكية ولي العهد

تعيين رئيس مجلس الوزراء وإعفاءه

تعيين نائب عنه

إعفاء رئيس مجلس الوزراء أو حل مجلس الأمة في أعقاب قرار بعدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء وفق المادة (102) من الدستور

اقتراح تنقيح الدستور والتصديق على التنقيح وإصداره

تعيين وكيل خاص

الاستعانة بولي العهد

إحالة أمر فقدان ولي العهد القدرة الصحية إلى مجلس الوزراء

تحديد شروط استحقاق أفراد أسرة آل صباح في مخصصاته المالية وطريقة تقريرها

أما الاختصاصات الاسمية، فهي تلك المتصلة بأعمال السلطة التنفيذية وهي:

حق اقتراح القوانين والتصديق عليها وإصدارها

إعلان الحرب الدفاعية

إعلان الأحكام العرفية

إبرام المعاهدات

إصدار مراسيم الضرورة

إصدار لوائح تنفيذ القوانين

إصدار لوائح الضبط

تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين لدى الدول الأجنبية وعزلهم وقبول ممثلي الدول الأجنبية لديه

العفو عن العقوبة أو تخفيضها

منح أوسمة الشرف

دعوة مجلس الأمة للانعقاد لدوره العادي

دعوة مجلس الأمة لأول اجتماع بعد انتخابه

دعوة مجلس الأمة لاجتماع غير عادي

فض أدوار الاجتماع

افتتاح دور الانعقاد وإلقاء الخطاب الأميري

تأجيل اجتماع مجلس الأمة

حل مجلس الأمة وفق المادة (107) من الدستور

ومن العرض السابق نخلص إلى أن سلطات الأمير محددة ومقيدة وفق نصوص الدستور وقانون توارث الإمارة وقانون مخصصاته المالية، وأنه ليس رئيسا للسلطات، ولا يجوز له الخروج على أحكام الدستور تحت أي حجة أو ذريعة.

وبالبناء على ما سبق، يجب التعامل مع الأمير باعتباره رئيس الدولة فقط، وفي حدود الدستور، ومن دون إضفاء قدسية عليه. كما يجب التعامل مع المرسوم بالقانون رقم 20 لسنة 2012، وفق نصوص الدستور وحدها لا وفق أي منظور اجتماعي أو سياسي، وباعتباره عملا من أعمال الحكومة لا من أعمال الأمير.

(4) الحماية الدستورية للأمير

(أ) المقصود بصيانة ذات رئيس الدولة

تنص المادة (54) من الدستور على أن “الأمير رئيس الدولة، وذاته مصونة لا تمس“. وقررت المذكرة التفسيرية للدستور “… ومن هنا جاء الحرص في الدستور الكويتي على أن يظل رئيس الدولة أبا لأبناء هذا الوطن جميعا، فنص ابتداء على أن عرش الإمارة وراثي في أسرة المغفور له مبارك الصباح (مادة 4)، ثم نأى بالأمير عن أي مساءلة سياسية وجعل ذاته مصونة لا تمس (مادة 54) كما أبعد عنه مسببات التبعة وذلك بالنص على أن رئيس الدولة يتولى سلطاته الدستورية بواسطة وزرائه (مادة 55) وهم المسؤولون عن الحكم أمامه (مادة 58) وأمام مجلس الأمة (المادتان 101 و102).

وفي موضع آخر في المذكرة التفسيرية ورد التالي “يقتضي مبدأ ممارسة الأمير لسلطاته الدستورية بواسطة وزرائه، حلول المراسيم الأميرية محل الأوامر الأميرية، ولكن ترد على هذا المبدأ استثناءات ثلاثة، أولها اختيار ولي العهد بناء على مبايعة مجلس الأمة (مادة4)، وثانيها لا يمارس بطبيعته إلا بأمر أميري وهو تعيين رئيس الوزراء وإعفاؤه من منصبه (مادة 56). وثالثها وثيق الصلة بالأمير وهو اختيار نائب عنه يمارس مؤقتا، في حالة تغيبه خارج الإمارة وتعذر نيابة ولي العهد عنه، كل أو بعض صلاحياته الدستورية (مادة 61). وفيما عدا هذه الأمور الثلاثة يكون المرسوم هو الأداة الدستورية لممارسة السلطات الأميرية المقررة بالدستور، وقد حرصت بعض نصوص الدستور (كالمواد 66 و68 و69) على ذكر كلمة (بمرسوم) وذلك توكيدا للحكم المنوه عنه وبرغم كفاية نص المادة 55 في الدلالة عليه، ومن ثم لا يفيد عدم ذكر هذه الكلمة في سائر النصوص أي شك في سريان حكم المادة 55 عليها كاملا غير منقوص...”.

ويستفاد من العرض السابق أن رئيس الدولة، وفق النظام الدستوري الكويتي، لا يمارس شؤون الإدارة بنفسه، وإنما أسند الدستور تلك المهمة إلى رئيس مجلس الوزراء والوزراء الذين يجوز للأمير محاسبتهم وإقالتهم، كما يجوز لمجلس الأمة استجوابهم وطرح موضوع الثقة فيهم وإصدار قرار بعدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء.

وبهذا الترتيب الدستوري في شأن دور رئيس الدولة ودور مجلس الوزراء، قرر الدستور النأي بالأمير عن المساءلة السياسية لأنه لا يمارس سلطاته بنفسه وإنما من خلال الوزراء الذين يخضعون لرقابة الأمير ومجلس الأمة.

إن تقرير عدم جواز مساءلة الأمير سياسيا لا يأتي من باب تقديسه أو تنزيهه عن الخطأ، بل هو ترتيب دستوري في أنظمة الحكم الوراثية يغل يد رئيس الدولة عن التصرف منفردا مقابل تقرير حصانة سياسية له تحول دون محاسبته. ولعله من المهم التوضيح بأن فكرة النأي بالأمير عن المساءلة السياسية ليست فكرة كويتية، بل هي نتاج تطور عالمي لحق بأنظمة الحكم الوراثية، وهي مقتبسة من الدستور المصري الصادر في العام 1923 الذي اقتبس بدوره الفكرة من التطور الديمقراطي في إنجلترا.

فالسمة التي برزت في النظم الملكية هي الحصانة المطلقة للملوك ضد أية مساءلة، وحتى عندما سعت البرلمانات الممثلة للمواطنين إلى تقييد سلطات الملوك، أو كما كانت تسمى امتيازات التاج، اضطرت في سبيل تحقيق هذا الغرض أن تسلم لهم بحصانتهم نظير أن تتخذ من هذه الحصانة سندا لسحب السلطات منهم. وكان أبرز ما أظهر هذه الحقيقة الكفاح الدستوري في إنجلترا، والذي أفضى إلى إحلال الملكية المقيدة محل الملكية المطلقة وإلى إعلاء إرادة الناخبين في تسيير دفة الحكم. ولذا لم يجد البرلمان في إنجلترا مانعا من أن يسلم للملك بالقاعدة التي جرت من أن “الملك لا يمكن أن يخطئ The king can do no wrong. ولئن كان معظم الفقهاء يترجمون هذه القاعدة بأن الملك لا يخطئ، إلا أن الأصح في ترجمتها أن الملك لا يمكن أن يخطئ. ونفي إمكانية الخطأ عن الملوك كان مقصودا به سحب السلطة منهم، إذ أن من لا يخطئ لا ينبغي أن يباشر السلطة، والتي يجب أن تنتقل إلى من قد يخطئ في مباشرتها ويُسأل عن هذا الخطأ. وهكذا نشأت مسؤولية الوزراء جنائيا وسياسيا ومدنيا مقابل عدم مسؤولية الملك المطلقة“.

والدستور الكويتي يأخذ بقاعدة عصمة الأمير، وهي مشتقة من قاعدة “أن الملك لا يخطئ”، وأصل هذه القاعدة أن الملك (لا يمكن) أن يخطئ، وهي لا تعني أن الملك معصوم عن الخطأ، بل تعني أن الملك، كي لا يخطئ، وكي لا يحاسب على خطئه، يجب ألا تكون بيده سلطة فعلية، لأن وجود السلطة الفعلية لديه معناه أنه سوف يخطئ حين يمارسها، وهذا الخطأ يوجب محاسبته. لكن لكونه ملكا أو أميرا، فإن المحاسبة ممنوعة. وصيانة ذات الملك أو الأمير تأتي كمقابل لابتعاده عن السلطة، أما إذا أراد الملك أو الأمير أن يمارس صلاحيات فعلية، فإن عليه أن يتقبل مبدأ المحاسبة والتخلي عن قاعدة الإعفاء من المساءلة.

ومن جانب آخر، فإن تحصين رئيس الدولة ضد المساءلة إنما يعني أيضا أنه غير مسؤول سياسيا عن أفعال الحكومة وقراراتها، أي أنه محصن عن المساءلة السياسية عن أعمال من يتبعه.

وللتدليل على أن إعفاء الأمير من المساءلة لا يعني تقديسه، تبنت المادة (2) من قانون توارث الإمارة المبدأ الدستوري في شقه السياسي بنصها على أنالأمير رئيس الدولة وذاته مصونة لا تمس“، أما المادة (5) من القانون المذكور فقد نظمت وضع الأمير أمام المحاكم إذ قررت أنهلا تجوز مخاصمة الأمير باسمه أمام المحاكم. ويعين الأمير بأمر أميري وكيلاً أو أكثر يتولون في الحدود التي يبينها الأمر الصادر بتعيينهم إجراءات التقاضي، وتوجه إليهم الأوراق القضائية في الشؤون الخاصة بالأمير“. وجاء في المذكرة الإيضاحية للقانون أنه “ولما كانت ذات الأمير مصونة لا تمس، وكانت أحكام المحاكم تصدر باسمه، فقد نصت المادة الخامسة على عدم جواز مخاصمته أمام المحاكم، فتكون مخاصمته، وإجراءات المخاصمة منه، باسم وكيل يعينه بأمر أميري“.

ويمكن القول إن لتقرير قاعدة عدم جواز مخاصمة الأمير باسمه صلة بما ورد في المادة (53) من الدستور التي تنص على أن “السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الأمير…” فإذا كانت أحكام المحاكم تصدر باسم الأمير، فإنه من غير الجائز أن يرد اسم الأمير كمدع أو مدع عليه، وإنما تصدر تلك الأحكام باسم وكيله. وقد ثار نقاش في مجلس الأمة عند مناقشة هذه المادة حيث استفسر أحد الأعضاء عن المقصود بعدم جواز مخاصمة الأمير باسمه، فرد مقرر لجنة الشؤون التشريعية والقانونية بقوله لنفرض لا سمح الله ولو أن سيارة الأمير دهست أحدا أو صار حادث أو شيء من هذا فالدعوى لا تقام على الأمير وإنما يعين الأمير شخصاً وتوجه الدعوى لهذا الشخص الذي هو وكيل عن الأمير. والمقصود هنا هو أن الأمير إن كان مدع فالدعوى ترفع من وكيله، أما إن كان مدعى عليه فالدعوى ترفع ضد الوكيل بصفته.

(يراجع مضبطة الجلسة رقم (41) بتاريخ 14 يناير 1964)

وأوضحت المادة (2) من قانون توارث الإمارة أن تعيين الوكلاء عن الأمير يتم بموجب أمر أميري. ونظرا لكون تعيين الوكيل يتعلق بأمر شخصي لصيق بشخص الأمير لا بممارسة سلطاته، فإن الأمر الأميري الذي يصدر بتعيين وكيل عن الأمير لا يوقعه سوى الأمير ذاته دون مشاركة من رئيس مجلس الوزراء.

ويستفاد من العرض السابق أنه على الرغم من أن الدستور نص على صون ذات الأمير، إلا أن هذا لا يعني عدم جواز مقاضاته نهائيا، بل نظم قانون توارث الإمارة إجراءات تلك المقاضاة سواء كان الأمير مدع أو مدعى عليه.

(ب) جواز انتقاد الأعمال والقرارات التي تصدر باسم الأمير والتعقيب عليها

وعلى الرغم من القاعدة السابقة التي تبناها المشرع الدستوري الكويتي في المادة (54) بشأن عدم جواز محاسبة ومساءلة رئيس الدولة، إلا أن ذلك لا يعني منح العصمة للأعمال التي تصدر باسم الأمير، مثل القوانين والمراسيم بقوانين واللوائح وأحكام المحاكم، فهذه الأعمال وإن صدرت باسم الأمير وبعضها يحمل توقيعه بجوار توقيع رئيس مجلس الوزراء والوزير المختص، تبقى من أعمال الحكومة ومجلس الأمة، بحسب الأحوال، التي تخضع للتقييم والانتقاد، بل ويجوز مساءلة رئيس مجلس الوزراء والوزراء عنها سياسيا وجنائيا ومدنيا. وبالطبع يجوز إصدار قرار من مجلس الأمة بعدم الثقة بوزير وبعدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء.

ولو قيل بعدم جواز انتقاد الأعمال التي تصدر باسم الأمير فإن هذا يتعارض مع مبادئ الحكم الديمقراطي التي تعلي من شأن حرية التعبير عن الرأي.

وللتدليل على فساد القول بعدم جواز انتقاد تلك الأعمال، يكفي أن نستعرض هنا بعض النصوص الدستورية التي تربط بين الأمير وبين بعض الأعمال مثل نص المادة (53) التي تقرر “السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الأمير في حدود الدستور“، ونص المادة (65) التي تقرر “للأمير حق اقتراح القوانين” ونص المادة (72) التي تقرر “يضع الأمير، بمراسيم، اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين بما لا يتضمن تعديلا فيها أو تعطيلا لها أو إعفاء من تنفيذها“، ونص المادة (73) التي تقرر “يضع الأمير، بمراسيم، لوائح الضبط واللوائح اللازمة لترتيب المصالح والأدوات العامة بما لا يتعارض مع القوانين“، ونص المادة (74) التي تقرر “يعين الأمير الموظفين المدنيين والعسكريين والممثلين السياسيين لدى الدول الأجنبية ويعزلهم وفقا للقانون“. فأحكام المحاكم واقتراح القوانين وإصدار اللوائح التنفيذية للقوانين ولوائح الضبط وتعيين الموظفين… كل ما سبق من أعمال أسندها الدستور إلى الأمير، ومع ذلك فإن هذه الأعمال جميعا تخضع لتقييم الرأي العام ويراقبها كل من البرلمان والقضاء.

ولا تختلف المراسيم بقوانين (مراسيم الضرورة) التي تصدر وفق المادة (71) من الدستور عن الأعمال الأخرى التي تصدر باسم الأمير، فهذه المراسيم تخضع لرقابة الرأي العام التي اعتبرها المشرع الدستوري العمود الفقري للرقابة الشعبية، إذ ورد في المذكرة التفسيرية للدستور “ومن وراء التنظيم الدستوري لمسئولية الوزراء السياسية، توجد كذلك وبصفة خاصة رقابة الرأي العام التي لا شك في أن الحكم الديمقراطي يأخذ بيدها ويوفر مقوماتها وضماناتها، ويجعل منها مع الزمن العمود الفقري في شعبية الحكم...”.

بل أن الأمر لا يتوقف على القوانين والمراسيم، فوفق المادة (4) من الدستور، فإن تعيين ولي العهد يتم بواسطة تزكية من الأمير وموافقة من مجلس الأمة، وبالطبع فإن مجلس الأمة يملك سلطة رفض تزكية الأمير، أي أن الأمير لا يملك صلاحية تعيين ولي العهد منفرد، وتخضع تزكيته لرقابة البرلمان الذي له أن يوافق عليها أو يرفضها.

نخلص مما سبق إلى أن جميع أعمال الأمير التي أشرنا إليها هي أعمال تخضع للرقابة والتقييم والنقد من قبل الرأي العام والبرلمان والمحاكم بحسب الأحوال.

(ج) مدى جواز مخاطبة الأمير مباشرة

لا يوجد نص في الدستور أو في أي قانون معمول به يحظر أو يجرم توجيه الحديث إلى رئيس الدولة، وكثيرا ما نقرأ مقالات في الصحف وفي المواقع الإلكترونية موجهة توجيها مباشرا إلى رئيس الدولة، كما سبق توجيه الخطاب المباشر له في الندوات العامة وفي لقاءات تلفزيونية، وبالتالي فإن توجيه الخطاب إلى رئيس الدولة لا يعتبر بذاته فعلا مجرما.

(5) الحماية القانونية لرئيس الدولة في القوانين الكويتية وتطورها

من خلال مطالعة القوانين والمراسيم التي صدرت قبل العمل بالدستور، وفي مرحلة الحكم الفردي المطلق، تبين لنا أن الحماية القانونية للأمير ظهرت في القوانين الكويتية أول مرة في العام 1956 في أول قانون للمطبوعات، إذ نصت المادة (19) من ذلك القانون على أنهلا يجوز نقد الحاكم العام كما لا يجوز أن ينسب إليه أي قول إلا بإذن خاص من دائرة المطبوعات والنشر“، والمقصود بالحاكم العام هو الأمير حيث كان يطلق عليه وصف الحاكم العام، والملاحظ أن النص يحظر نقد الحاكم العام على الإطلاق، أي شخصه وأعماله.

وفي العام 1960 صدر قانون الجزاء، وتحت عنوان “الكتاب الثاني” تضمن القانون بيانا بالجرائم الضارة بالمصلحة العامة، وفي الباب الأول حدد المشرع الجرائم المتعلقة بأمن الدولة من جهة الخارج، وفي المادتين (94) و(95) تناول المشرع جرائم الاعتداء على الأمير، إذ نص في المادة (94) على أنه “يعاقب بالإعدام كل من سبب عمدا وفاة الأمير أو سبب له أذى بليغا. ويعاقب بالحبس المؤبد كل من اعتدى على سلامة الأمير أو على حريته أو تعمد تعريض حياته أو حريته للخطر“. أما المادة (95) فقد نصت على أنه “يعاقب بالحبس المؤبد كل من اعتدى بالقوة على السلطات التي يتولاها الأمير، سواء كان ذلك بحرمانه من كل هذه السلطات أو من بعضها، أو كان بعزله أو إجباره على التنازل. ويعاقب بنفس العقوبة كل من استعمل القوة لقلب نظام الحكم القائم في البلاد“.

ويلاحظ هنا أن قانون الجزاء تضمن تجريم الاعتداء المادي على الأمير أو على سلطاته فقط.

وفي العام 1960 أيضا تم تعديل قانون الجزاء، إلا أن التعديل لم يتضمن أي تجريم بشأن ذات الأمير أو مسند الإمارة.

وفي العام 1961 صدر قانون جديد للمطبوعات يحمل الرقم (3) لسنة 1961، وقد تضمن القانون في المادة (23) النص التالي: “لا يجوز التعرض لشخص أمير الكويت بالنقد، كما لا يجوز أن ينسب إليه قول إلا بإذن خاص مكتوب من دائرة المطبوعات والنشر“. ويلاحظ أن هذا النص حدد الجريمة على نحو دقيق، وحظر انتقاد (شخص الأمير)، ولم يحظر انتقاد إعماله أو قراراته.

وبمقارنة نص المادة (23) من قانون المطبوعات السابق مع النص الحالي للمادة (20) من قانون المطبوعات الصادر في العام 2006، ونص المادة (11) من قانون المرئي والمسموع الصادر في العام 2007، نجد أن النص الجديد في قانون المطبوعات ورد على هذا النحو: “لا يجوز التعرض لشخص أمير البلاد بالنقد، كما لا يجوز أن ينسب له قول إلا بإذن خاص مكتوب من الديوان الأميري“. أي أن المشرع استخدم، في النص الجديد، كلمة (البلاد) بدلا عن كلمة (الكويت) التي وردت في النص القديم، والديوان الأميري بدلا عن دائرة المطبوعات والنشر. أما المحظور في النصين فلم يتغير وهو التعرض لشخص الأمير بالنقد. وكذلك الأمر بالنسبة لقانون المرئي والمسموع.

أما مادة الاتهام فقد وردت ضمن التعديل الذي أدخل على قانون الجزاء في العام 1970 بالقانون رقم 31، فبموجب هذا التعديل تم استحداث جريمة الطعن في حقوق الأمير وسلطته، وجريمة العيب في ذاته، وجريمة التطاول على مسند الإمارة. ولم تتضمن المذكرة الإيضاحية للقانون أي شرح للمقصود بكلمة “الطعن” ولا باصطلاح “حقوق الأمير وسلطته” ولا معنى “العيب” ولا المقصود “بذات الأمير” ولا المقصود “بمسند الإمارة”.

ومن خلال البحث، تبين لنا أن الأصل التاريخي لمادة الاتهام في القانون الكويتي هو القانون المصري، وقد تبناها المشرع المصري في العام 1883 في قانون العقوبات الأهلي في المادة (156) منه التي نصت على أنه كل من تطاول على مسند الخديوية المصرية أو طعن في حقوق الوراثة فيها أو طعن في حقوق الحضرة الخديوية وسطوتها…”، كما نصت المادة (162) من القانون ذاته على أنه كل من عاب في حق ذات ولي الأمر…”.

ووفقا للباحث د. سيد عشماوي، فإن النصوص السابقة تكاد تكون نسخة طبق الأصل من قانون العقوبات الفرنسي الذي صدر أيام الحكم البونابرتي. ويضيف الباحث أن الهدف من استحداث الجرائم السابقة كان “إعادة الشرعية إلى الخديو وتدعيم سلطانه بعد اهتزاز كرامته وهيبته إبان أحداث ثورة 1881/1882“.

ومن العرض السابق للحماية القانونية لرئيس الدولة في القوانين الكويتية، يتضح لنا أن المشرع وفر تلك الحماية في قوانين ثلاثة هي:

القانون رقم (31) لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء، القانون رقم (3) لسنة 2006 بشأن المطبوعات والنشر، القانون رقم (61) لسنة 2007 بشأن الإعلام المرئي والمسموع.

وفيما يلي نصوص المواد التي وردت في القوانين المشار إليها والتي تضمنت الحماية القانونية لرئيس الدولة:

(أ) في القانون رقم (31) لسنة 1970 (جزاء معدل):

مادة (23): “يعاقب بالإعدام كل من اعتدى على حياة الأمير أو على سلامته أو على حريته أو تعمد تعريض حياته أو حريته للخطر…”

مادة (24): “يعاقب بالإعدام كل من اعتدى بالقوة على السلطات التي يتولاها الأمير، سواء كان ذلك بحرمانه من كل هذه السلطات أو من بعضها، أو كان بعزله أو إجباره على التنازل…”.

مادة (25): “يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز خمس سنوات كل من طعن علنا أو في مكان عام، أو في مكان يستطيع فيه سماعه أو رؤيته من كان في مكان عام عن طريق القول أو الصياح أو الكتابة أو الرسوم أو الصور أو أية وسيلة أخرى من وسائل التعبير عن الفكر، في حقوق الأمير وسلطته، أو عاب في ذات الأمير، أو تطاول على مسند الإمارة“.

(ب) في القانون رقم (3) لسنة 2006 بشأن المطبوعات والنشر:

مادة (20): “لا يجوز التعرض لشخص أمير البلاد بالنقد، كما لا يجوز أن ينسب له قول إلا بإذن خاص مكتوب من الديوان الأميري“.

(ج) في القانون رقم (61) لسنة 2007 بشأن الإعلام المرئي والمسموع:

مادة (11): “يحظر على المرخص له بث أو إعادة بث ما من شأنه:

1ـــــ ….

2ــــ ….

3ــــ التعرض لشخص صاحب السمو أمير البلاد بالنقد، أو أن ينسب له قول إلا بإذن خاص من الديوان الأميري“.

(6) نطاق الحماية القانونية لرئيس الدولة

بينا سابقا أن نص المادة (54) من الدستور “الأمير رئيس الدولة، وذاته مصونة لا تمس“، جاء بهدف تقرير إبعاد رئيس الدولة عن المساءلة السياسية، وهو وضع يتناسب مع طبيعة نظام الحكم الذي تبناه الدستور والذي يميل نحو النظام البرلماني إذ يتولى الأمير سلطاته بواسطة الوزراء وليس مباشرة. وأكدنا أن المقصود بنص المادة (54) من الدستور هو تحصين منصب رئيس الدولة سياسيا ومنع إخضاعه للمساءلة والمحاسبة السياسية، وأن هذه الحصانة ليست من قبيل تقديس ذات الأمير. وبالتالي فإنه لا يسع المقام للقول بأن تقرير الدستور حصانة الأمير يعني عدم جواز انتقاد الأعمال التي تقوم بها السلطات والتي تصدر باسم الأمير مثل القوانين أو المراسيم بالقوانين أو اللوائح.  

خلاصة القول هنا أن المحظور وفق نص المادة (54) من الدستور هو المساءلة السياسية للأمير، أما الحماية القانونية له فهي موزعة في القوانين الثلاثة التي أشرنا إليها قبل قليل، وبالتالي فإن نطاق نص المادة (54) من الدستور يختلف عن نطاق الحماية القانونية الواردة في القوانين المشار إليها.

وبمطالعة وفحص كل من قانون الجزاء (المعدل)، وقانون المطبوعات، وقانون الإعلام المرئي والمسموع، يتضح أن الحماية القانونية الجزائية لرئيس الدولة تشمل ثلاثة مجالات:

المجال الأول: وهو حماية “شخص الأمير”، وتتوفر هذه الحماية من خلال تجريم التعرض لشخصه بالنقد (قانوني المطبوعات والمرئي والمسموع)، وتجريم الاعتداء على حياته أو سلامته أو حريته أو العيب في ذاته (قانون الجزاء المعدل).

المجال الثاني: وهو حماية “مسند الإمارة” الذي لم يضع له القانون تعريفا أو شرحا، ولم يوضح صلته بالأمير.

المجال الثالث: وهو حماية “حقوق الأمير وسلطاته” (قانون الجزاء المعدل).

هذه المادة، تحمي “ذات الأمير”، أي شخصه، بتجريم إعابتها. كما أنها تحمي “مسند الإمارة” بتجريم التطاول عليه، كما أنها تحمي “حقوق الأمير وسلطاته” بتجريم الطعن فيها،

(أ) جريمة الطعن في حقوق الأمير وسلطاته

استحدث المشرع هذه الجريمة في القانون رقم (31) لسنة 1970.

وفي اللغة تعني كلمة (طعن) ثَلَبَ وعاب واعترض، لكن ما هو الطعن المجرم، وما هو المقصود بـ (حقوق) الأمير وما المقصود بـ (سلطاته)؟

في الباب الرابع وعنوانه “السلطات”، نظم الدستور الأوضاع المتصلة بالأمير واختصاصاته في الفصل الثاني تحت عنوان “رئيس الدولة”.

وبالبحث في هذا الفصل وفي جميع مواد الدستور، ومذكرته التفسيرية أيضا، لم نجد ثمة إشارة مباشرة أو غير مباشرة إلى (حقوق شخصية) قررها الدستور للأمير. غاية الأمر أن الدستور نظم العلاقة بين سلطات الدولة، ورئيس الدولة (الأمير) هو جزء من تلك السلطات، وليس له حقوق شخصية في الدستور، وإنما منحه الدستور بعض الاختصاصات التي يمارسها منفردا، واختصاصات أخرى يمارسها عن طريق الوزراء. وقد وردت كلمة (حق) مقترنة بالأمير في المادة (65) من الدستور والتي نصت على أنه “للأمير حق اقتراح القوانين وحق التصديق عليها وإصدارها…”، وبالطبع فإن كلمة (حق) هنا لا تعني الحق الشخصي، فاقتراح القوانين والتصديق عليها وإصدارها ليست من قبيل الحقوق الشخصية لرئيس الدولة وإنما هي اختصاص من اختصاصاته الدستورية. واقتراح القوانين لا يباشره الأمير منفردا وإنما يتم ذلك بمرسوم، أي من خلال الوزراء، أما التصديق على القوانين فإنه إجراء لازم لصدور القانون والعمل به، وهو ليس (حقا) مطلقا للأمير، بل هو اختصاص مقيد إذ نصت الفقرة الأخيرة من المادة (65) من الدستور على أنه “ويعتبر القانون مصدقا عليه ويصدر إذا مضت المدة المقررة للإصدار دون أن يطلب رئيس الدولة إعادة نظره”.  

وإذا قيل إن المقصود بـ (حقوق الأمير) المزايا التي يقررها له الدستور، فإن المخصصات المالية السنوية المشار إليها في المادة (78) التي تنص على أنه “عند تولية رئيس الدولة تعين مخصصاته السنوية بقانون، وذلك لمدة حكمه هي (الحق الشخصي) الوحيد المقرر في الدستور لرئيس الدولة.

غاية الأمر ومراده أن اختصاصات أو صلاحيات رئيس الدولة، سواء تلك التي يباشرها منفردا أو من خلال الوزراء، ليست من قبيل الحق الشخصي المقرر له، وإنما هي جزء من التنظيم الدستوري للعلاقة بين سلطات الدولة.

ولو قيل، من باب الجدل الذي يخلو من القيمة، إن اختصاصات الأمير هي بمثابة حقوق له، وبالتالي فإن نص المادة (25) من قانون الجزاء المعدل يجّرم الطعن في ممارسته تلك الاختصاصات، فإن هذا القول مردود بأن الاختصاص بإجراء ما، لا يولد حقا شخصيا للمختص بهذا الإجراء، ولو قيل إن الاختصاص هو حق، فإن المراد بالحق هنا هو “المكنة” أو الصلاحية.

ومن المقرر أنه في الدولة العصرية لابد “من القواعد القانونية التي تنظم شؤون حياتها المختلفة، والتي بموجبها لا يمارس الحكام اختصاصاتهم بوصفها حقا شخصيا لهم أو امتيازا خاصا بهم، وإنما تمارس السلطة باعتبارها وظيفة رسمت معالمها وبينت حدودها بواسطة الدستور…”.

خلاصة الأمر هنا أن جريمة الطعن في (حقوق) الأمير هي جريمة لا وجود واقعي لها، فليس للأمير حقوق شخصية حتى يمكن الطعن عليها. وفي الحد الأقصى يمكن القول بأن المقصود بحقوق الأمير تلك الاختصاصات التي أشرنا إليها المرتبطة بشخصه أو بالأسرة الحاكمة على وجه التحديد.

ومما يؤكد الخلاصة السابقة أن نص المادة (176) من الدستور أجاز اقتراح تنقيح صلاحيات الأمير، إذ جرى نص تلك المادة على النحو التالي: “صلاحيات الأمير المبينة في الدستور لا يجوز اقتراح تنقيحها في فترة النيابة عنه“. فإذا كان من الجائز تنقيح تلك الصلاحيات، بشرط ألا يتم ذلك خلال فترة النيابة عنه، فمن المنطقي أنه يجوز انتقاد ممارستها.

(ب) جريمة العيب في ذات الأمير

ما هو “العيب”، وما المقصود بـ “ذات” الأمير، وما دلالة قول المشرع “عاب (في) ذات الأمير”؟

“العيب” لغة هو الوَصْمَةُ، و”عاب” الشيءَ، أي جعله ذا عيب.

أما كلمة “ذات”، فإذا ارتبطت بإنسان فإنها تعني “نفسه”، وإذا ارتبطت بالشيء فإنها تعني “عينه” أو “جوهره”. والشيء نفسه بمعنى الشيء ذاته. وبالتالي فإنه يصح القول بأن المقصود بـ “ذات” الأمير هو “شخص” الأمير، أو الأمير نفسه.

وعلى ذلك فإن العيب (في) ذات الأمير، يعني أن يقول المرء “هذا الأمير بخيل”، أو ذاك الأمير قبيح”، أي أن تتم نسبة صفات شائنة (إعابة) إلى شخص الأمير (ذاته).

ونلاحظ أن المشرع قال “عاب (في) ذات الأمير”، ولم يقل عاب (على) ذات الأمير. وهناك اختلاف في المعنى بين عاب (على) ذات الأمير… وعاب (في) ذات الأمير. فلو قال المشرع العيب (على) الأمير، فإن هذا يعني إطلاق العيب سواء جاء على شخص الأمير أو على سلوكه، أما قول المشرع العيب (في) ذات الأمير، فيعني أن المشرع قصر الجريمة على العيب في شخص الأمير ولم يطلقها. وبالطبع فإن قصد المشرع انصرف إلى حماية (شخص) الأمير أو (ذاته) فقط، لذلك استخدم حرف الجر (في) ولم يستخدم حرف الجر (على)، فلو أراد الإطلاق لقال “عاب على الأمير…” من دون إضافة كلمة (ذات)، فالقول عاب على الأمير تفتح الباب لتجريم كل نقد لتصرفات الأمير وكل تعييب لشخصه.

ويأتي هذا التفسير منسجما تماما مع التطور التاريخي للحماية القانونية لرئيس الدولة في الكويت، إذ كما أشرنا من قبل، فإن أول نص قانوني في هذا الإطار جاء في قانون المطبوعات الصادر في العام 1956 والذي نصت مادته رقم (19) على عدم جواز نقد الحاكم العام، وهو حظر مطلق. ثم حين صدر القانون رقم (3) لسنة 1961 في شأن المطبوعات، نصت المادة (20) منه على أنه “لا يجوز التعرض لشخص أمير الكويت بالنقد، كما لا يجوز أن ينسب إليه قول إلا بإذن خاص مكتوب من دائرة المطبوعات والنشر“. ويلاحظ هنا أن المشرع قلص الحماية المفروضة على الأمير بأن حدد المحظور وهو “التعرض لشخص الأمير بالنقد”، أي أنه قلص نطاق الحماية وجعلها في حدود شخص الأمير فقط.

وتأكيدا لهذا المعنى، جاء في المذكرة التفسيرية للقانون رقم (3) لسنة 1961 المشار إليه التفسير التالي للمادة (20):

كان القانون السابق ينص في المادة 19 على أنه “لا يجوز نقد الحاكم العام”. فأعيدت صياغة النص على وجه أدق، إذ تقول المادة 23 من القانون الجديد: “لا يجوز التعرض لشخص أمير الكويت بالنقد”. فالذي لا يجوز التعرض له بالنقد هو شخص الأمير. أما الأعمال التي يوقعها فهي أعمال الدولة، وظاهر أن القوانين والمراسيم واللوائح والقرارات ليست معصومة من النقد في حدود حسن النية والاتجاه إلى المصلحة العامة“.

وقد استمر المشرع في تبني نص المادة (23) المشار إليه في التعديل الأخير لقانون المطبوعات الصادر في العام 2006، كما تبنى النص ذاته في قانون الإعلام المرئي والمسموع.

وحين صدر القانون رقم (31) لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء، تضمن التعديل نص مادة الاتهام وهي المادة (25) بهدف توفير الحماية القانونية (لشخص الأمير) من أي اعتداء خارج نطاق قانون المطبوعات، إلا أن المشرع استخدم كلمة (ذات) الأمير عوضا عن كلمة (شخص) الأمير والمعنى واحد.

ومن خلال قانون المطبوعات وقانون الجزاء تتكامل الحماية القانونية (لشخص) الأمير أيا كانت وسيلة التعبير التي تستخدم.

نخلص مما سبق أن جريمة العيب في ذات الأمير لا تتوفر إلا إذا وقعت على شخص الأمير.

(ج) جريمة التطاول على مسند الإمارة

لم يرد في القانون تعريف للمقصود باصطلاح “مسند الإمارة”، ولم نعثر على كلمة “مسند” في الدستور ولا في مذكرته التفسيرية. أما كلمة “الإمارة”، فقد وردت في الدستور وفي المذكرة التفسيرية وفي قانون توارث الإمارة بمعان مختلفة. فقد وردت بمعنى “الدولة”، كما وردت بمعنى “العرش”، كما وردت بمعنى “رئاسة الدولة”.

ومن خلال البحث في الأحكام الصادرة من القضاء الكويتي، وجدنا أن محكمة التمييز سبق لها أن فسرت المقصود باصطلاح “مسند الإمارة” وعرّفته بأنه الشكل الأميري للحكومة لا شخص الأمير بل كيان الإمارة ونظامها القائم.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (2) لسنة 1980 تمييز أمن دولة بتاريخ 17 مارس 1980)

الخلاصة: تنص المادة (6) من الدستور على أن “نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور“. كما تنص المادة (7) من الدستور على أن “العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع“. كما تنص المادة (36) من الدستور على أنحرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما وذلك وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون“.

وجاء في المذكرة التفسيرية للدستور:

ومن وراء التنظيم الدستوري لمسئولية الوزراء السياسية، توجد كذلك وبصفة خاصة رقابة الرأي العام التي لا شك في أن الحكم الديمقراطي يأخذ بيدها ويوفر مقوماتها وضماناتها، ويجعل منها مع الزمن العمود الفقري في شعبية الحكم. وهذه المقومات والضمانات في مجموعها هي التي تفي، على المواطنين بحبوحة من الحرية السياسية، فتكفل لهم – إلى جانب حق الانتخاب السياسي –  مختلف مقومات الحرية الشخصية (في المواد 30، 31،32، 33، 34 من الدستور) وحرية العقيدة (المادة 35) وحرية الرأي (المادة 36) وحرية الصحافة والطباعة والنشر (المادة 37)، وحرية المراسلة (المادة 39) وحرية تكوين الجمعيات والنقابات (المادة 43) وحرية الاجتماع الخاص وعقد الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات (المادة 44) وحق تقديم العرائض إلى السلطات العامة (المادة 45) وفي جو مليء بهذه الحريات ينمو حتما الوعي السياسي ويقوى الرأي العام، وبغير هذه الضمانات والحريات السياسية، تنطوي النفوس على تذمر لا وسيلة دستورية لمعالجته، وتكتم الصدور آلاما لا متنفس لها بالطرق السلمية، فتكون القلاقل، ويكون الاضطراب في حياة الدولة..”.

أما المحكمة الدستورية الكويتية، فقد قررت في أحد أحكامها المشهورة:

وحيث أن الدستور أفرد بابا خاصا هو الباب الثالث منه للحقوق والواجبات العامة إكبارا لها وتقديرا لأهميتها وإعلاء لشأوها، وأحاطها بسياج من الضمانات كافلا صونها وحمايتها، وقد جمع هذا الباب نوعين من الحقوق: الأول: المساواة، والثاني: الحريات المختلفة، وقرن إلى ذلك بعض ما يرتبط بهما من أحكام، ويستخلص من النصوص التي جاءت في هذا الشأن أنها وضعت في جانب منها قيدا على سلطة المشروع فيما يسنه من قوانين تنظيما لها، بألا يجاوز الحدود والضوابط التي فرضتها هذه النصوص، أو ينال من أصل الحق أو يحد من ممارسته، أو يحيد عن الغاية من تنظيمه على الوجه الذي لا ينقض معه الحق أو ينتقص منه..”.

كما قررت:

وحيث أنه متى كان ما تقدم جميعه، وكان الأصل أن حريات وحقوق الإنسان لا يستقل أي مشرع بإنشائها، بل أنه فيما يضعه من قواعد في شأنه لا يعدو أن يكون كاشفا عن حقوق طبيعية أصيلة، ولا ريب في أن الناس أحرار بالفطرة، ولهم آراؤهم وأفكارهم، وهم أحرار في الغدو والرواح، فرادى ومجتمعين، وفي التفرق والتجمع مهما كان عددهم ما دام عملهم لا يضر بالآخرين، وقد غدت حريات وحقوق الإنسان جزءاً من الضمير العالمي واستقرت في الوجدان الإنساني، وحرصت النظم الديموقراطية على حمايتها وتوفير ضماناتها، كما درجت الدساتير على إيرادها ضمن نصوصها تبصيراً للناس بها، ويكون ذلك قيداً على المشرع لا يتعداه فيما يسنه من أحكام، وقد تطورت هذه الحريات فأضحت نظاماً اجتماعياً وحقاً للأفراد ضرورياً للمجتمعات المدنية لا يجوز التفريط فيه أو التضحية به إلا فيما تمليه موجبات الضرورة ومقتضيات الصالح المشترك للمجتمع، والحاصل أن الحريات العامة إنما ترتبط بعضها ببعض برباط وثيق بحيث إذا تعطلت إحداها تعطلت سائر الحريات الأخرى، فهي تتساند جميعاً وتتضافر ولا يجوز تجزئتها أو فصلها أو عزلها عن بعضها..”.

وقررت أيضا: “وإذ كان الأمر كذلك، وكان مبدأ السيادة الشعبية، جوهر الديموقراطية وعمادها، لازمه أن يكون للشعب، ممثلاً في نوابه بالمجلس النيابي، الكلمة الحرة فيما يعرض عليه من شؤون عامة، وأن يكون لأفراد الشعب أيضاً رقابة شعبية فعالة يمارسها بالرأي الحر، مما يغدو معه الحق في الرقابة الشعبية فرعاً من حرية التعبير، ونتاجاً لها، فلا يجوز والأمر كذلك وضع قيود على هذا الحق على غير مقتضى من طبيعته ومتطلبات ممارسته، ومصادرة هذه الحرية أو فصلها عن أدواتها ووسائل مباشرتها، وإلا عد ذلك هدماً للديموقراطية في محتواها المقرر في الدستور..”.

ومفاد ما سبق أن التضييق على حرية التعبير الرأي بحجة تنظيمها يتنافى مع الأصل الذي قام عليه نظام الحكم في الكويت وهو أنه نظام ديمقراطي السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا، بما في ذلك سلطة الأمير، كما أنه يتعارض مع ما ورد في نصوص الدستور والمذكرة التفسيرية للدستور وما ورد أيضا في حكم المحكمة الدستورية المشار إليه.

وحيث أن نص المادة (25) من القانون رقم (31) لسنة 1970 قد جاء قيدا غير لازم على حرية التعبير، مفرغا تلك الحرية من جوهرها، ملتفا على حق الإنسان الطبيعي في التعبير عن رأيه، معيقا لحرية التعبير باسم حماية (حقوق) الأمير و(سلطاته) و(مسند إمارته)، على الرغم من أن النظام الدستوري الكويتي هو نظام شبه برلماني تتكون فيه السلطة التنفيذية من الأمير ومجلس الوزراء، ومن المقرر أن السلطات التي يقررها الدستور للأمير إنما هي سلطات اسمية يمارسها مجلس الوزراء، باستثناء بعض السلطات التي يختص بها الأمير فعليا.

وفي ضوء العرض السابق، نخلص إلى أن الدستور الكويتي منح الأمير منصب رئاسة الدولة، وقرر أنه يمارس سلطاته بواسطة الوزراء، ومنحه مقابل ذلك حصانة تحول دون مساءلته سياسيا، وأن الاختصاصات المقررة في الدستور باسمه هي إما اختصاصات اسمية يمارسها مجلس الوزراء، أو اختصاصات فعلية يمارسها الأمير بنفسه وفق التقسيم الوارد في صلب هذه المذكرة، وأنه يجوز انتقاد كافة الأعمال والقرارات التي يمارسها الأمير فعلا أو يمارسها مجلس الوزراء باسم الأمير، وأنه لا يجوز تجريم هذا النقد بحجة أن الأمير ذاته مصونة.

لما كان ذلك، وكانت حرية التعبير عن الرأي من الأصول الدستورية،

وإذ كان نص المادة (25) المشار إليه يتضمن، في حقيقة الأمر، تجريم أي انتقاد لأعمال الحكومة، وبالتالي فإنه يتعين تفسير هذا النص على نحو يساير وينحاز إلى الأصل الدستوري لحرية التعبير لا باعتباره وسيلة لقمع تلك الحرية تحت راية حماية حقوق الأمير.

هذا ومن المقرر أنه إذا كان مضمون النص العقابي يحتمل أكثر من تفسير، وجب على القاضي ترجيح التفسير الذي يعزز الحرية، وفي هذا الصدد قررت المحكمة الدستورية العليا في مصر أنه وحيث إن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وإن اتخذ من ضمان الحرية الشخصية بنيانا لإقراره وتوكيده، إلا أن هذه الحرية ذاتها هي التي تقيد من محتواه، فلا يكون إنفاذ هذا المبدأ لازما إلا بالقدر وفى الحدود التي تكفل صونها In Favorem ولا يجوز بالتالي إعمال نصوص عقابية يسئ تطبيقها إلى مركز قائم لمتهم، ولا تفسيرها بما يخرجها عن معناها أو مقاصدها، ولا مد نطاق التجريم، وبطريق القياس، إلى أفعال لم يؤثمها المشرع، بل يتعين دوما، وكلما كان مضمونها يحتمل أكثر من تفسير، أن يرجح القاضي من بينها ما يكون أكثر ضمانا للحرية الشخصية في إطار علاقة منطقية La ratio Legis يقيمها بين هذه النصوص وإرادة المشرع، سواء في ذلك تلك التي أعلنها، أو التي يمكن افتراضها عقلا“.

(المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 17 قضائية “دستورية)

ثالثا: الدفاع الشكلي

بطلان إجراءات تحريك الدعوى الجنائية

أحاط المشرع، في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، كل ما يتصل بالدعوى الجزائية وما يسبقها من إجراءات الإبلاغ والتحري والتحقيق، وكذلك إجراءات المحاكمة، بسياج من الضمانات التي تهدف إلى الاقتراب بأقصى قدر من العدالة البشرية.

وفي هذا الاتجاه، تنص المادة (1) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية على أنهلا يجوز توقيع عقوبة جزائية إلا بعد محاكمة تجرى وفقا للقواعد والإجراءات التي يقررها هذا القانون“.

كما تنص المادة (2) من القانون ذاته على أنهتتولى المحاكم الجزائية محاكمة المتهمين بارتكاب الجنايات والجنح، في الحدود المنصوص عليها في هذا القانون، وطبقا للإجراءات المنصوص عليها فيه…”.

وقد نظم المشرع كيفية اتصال جهات التحقيق بالجرائم التي تقع، وحدد الجهة المناط بها تلقي البلاغات، والجهة التي تقوم بالتحريات، وكيف تتم إحالة التحريات إلى النيابة العامة، ومتى يبدأ اتصال النيابة العامة بالجريمة.

فقد أسندت الفقرة (أولا) من المادة (39) من قانون الإجراءات إلى الشرطة مهمة “إجراء التحريات اللازمة للكشف عن الجرائم…”، فيما منحتها المادة (40) الاختصاص بتلقي البلاغات، وأوجبت المادة ذاتها رجل الشرطة إخطار النيابة العامة فورا إذا علم بارتكاب جناية، وأن يثبت جميع الإجراءات التي يقوم بها في “محضر التحري، كما أوجبت المادة (46) من القانون ذاته عرض “محاضر التحري” التي يحررها رجال الشرطة على النيابة العامة إذا كانت الجريمة تشكل جناية. وقررت المادة (46) أنه ليس لمحاضر التحري حجية في الإثبات أمام القضاء.

أما المادة (47) من قانون الإجراءات، فقد حددت كيفية اتصال المحقق (وكيل نيابة أو محقق تابع لوزارة الداخلية) وأبانت أن ذلك الاتصال يتم من خلال (بلاغ) أو (محضر تحريات).

وبالاطلاع على أوراق الدعوى، وجدنا أن اتصال النيابة العامة بالواقعة بدأ إثر تلقي النائب العام كتابا مؤرخا 18 أكتوبر 2012، ممهورا بتوقيع مدير عام الإدارة العامة للأمن الوقائي اللواء/ عبدالله عبدالوهاب العصفور موجها إلى النائب العام المستشار ضرار العسعوسي وموضوعه ندوة كفى عبثا” في يوم 15 أكتوبر 2012″، وقد ورد في الكتاب العبارة التالية:

نرفق لسعادتكم محضر الواقعة أعلاه لاتخاذ كافة الإجراءات القانونية، مع العلم بأن الواقعة أعلاه قد سطرت في سجلاتنا تحت رقم 17/2012 جنايات أمن دولة.

وبالاطلاع على ما وصف بأنه محضر الواقعة المرفق، تبين لنا أنه عبارة عن رسالة موجهة إلى “وكيل النائب العام”، وعنوانها محضر واقعة،

وهذه الرسالة، في حقيقة الأمر، لم ترسل وإنما تم إرفاقها بكتاب مدير عام الأمن الوقائي،

أما عن مضمون الرسالة فهو الكلمة المنسوبة إلى المتهم وفق رأي صاحب الرسالة، ثم في الصفحة الأخيرة من “الرسالة”، ورد رأي محررها بقوله إن العبارات التي أدلى بها المتهم تحمل تعدي وتهييج وتصغير وخدش لمقام سيدي سمو الأمير حفظه الله ورعاه، ثم أضاف “”فإن خطابه يشكل جريمة وفقا لقانون أمن الدولة الداخلي وفقا للمادة (25).

وحيث أن المادة (25) التي أشارت إليها رسالة ضابط المباحث تخلو من جرائم “تعدي وتهييج وتصغير وخدش مقام الأمير”،

وحيث أن رسالة ضابط المباحث الموجهة إلى وكيل النيابة، والتي لم يتم إرسالها استقلالا، لا تعتبر “محضر تحريات” ولا هي “بلاغ” عن جريمة،

وحيث أن ملف الدعوى يخلو من أي “محضر تحريات“،

كما يخلو من “بلاغ”،

وإذ كان الكتاب المرسل من مدير عام الإدارة العامة للأمن الوقائي إلى النائب العام لم يتضمن أي بيانات أو تحريات،

كما لم يرفق به (سي دي) أو أي تسجيل للكلمة التي ألقاها المتهم.

كما لم يتضمن اسم المتهم أو الجريمة التي ينسب إليه ارتكابها، ولا يتضمن أي بيان يفيد التحقيق سوى عنوان “ندوة كفى عبثا في يوم 15 أكتوبر 2012”،

وإذ قام النائب العام بالتأشير على كتاب مدير الأمن الوقائي بإحالته إلى وكيل النيابة “للتحقيق والتصرف”،

ثم قام وكيل النيابة بفتح محضر تحقيق أثبت فيه: “حيث أحال إلينا النائب العام القضية رقم 17/2012 جنايات أمن الدولة المحالة بكتاب مدير الأمن الوقائي بأمن الدولة بشأن ندوة “كفى عبثا“،

كما أثبت وكيل النيابة في محضر التحقيق أن يوجد “مرفق” مع كتاب مدير عام الأمن الوقائي، والمرفق هو “محضر تحريات“. ولم يرد في محضر التحقيق إشارة إلى “القرص المدمج” إلا في الصفحة رقم (9) حيث ورد في تلك الصفحة عبارة “يرفق القرص المرفق بمحضر التحريات بملف القضية“.

أي أن القرص الذي أشار إليه وكيل النيابة لم يكن مرفقا بالكتاب الذي أرسله مدير الأمن الوقائي إلى النائب العام، فالمرفق الوحيد بهذا الكتاب كان ما تم وصفه “محضر واقعة”.

وإذ كرر وكيل النيابة في أكثر من موضع إشارته إلى وجود “محضر تحريات“،

وإذ خلا ملف الدعوى من هذا المحضر الذي أشار إليه وكيل النيابة،

وإذ قام وكيل النيابة بسؤال ضابط أمن الدولة، ثم أصدر أمره بضبط وإحضار المتهم، ثم جرى التحقيق معه، وبعد انتهاء التحقيق تمت إحالة الأوراق إلى رئيس المحكمة الكلية لتحديد جلسة لنظر الدعوى.

لما كان ذلك، وكان البين من محتويات ملف الدعوى أن اتصال النيابة العامة بها قد جاء على نحو مخالف للقانون، فليس هناك بلاغ في القضية، ولا يوجد محضر تحريات، وبالتالي لم تتم إحالة أي محضر يخص المتهم، غاية ما توفر هو (كتاب) من مدير الأمن الوقائي خلا من اسم المتهم، كما خلا من بيان الواقعة،

وبمطالعة أقوال ضابط المباحث ومدير الأمن الوقائي أمام المحكمة الموقرة اتضح لنا ما يلي:

قرر الضابط أنه قدم إلى النيابة، بناء على طلبها، محضر تحريات تكميلي، وأنه تم تقديم هذا المحضر التكميلي قبل إصدار النيابة العامة قرارها بحبس المتهم،

كما قرر أن هذا المحضر تضمن ردود الفعل على الخطاب الذي ألقاه المتهم،

أما عن أقوال مدير الأمن الوقائي أمام المحكمة، فقد أكد أنه طلب من ضابط المباحث إجراء تحريات، وأنه استلم منه محضر تحريات بعد يومين، لكنه لا يتذكر ما إذا كانت النيابة العامة قد طلبت تحريات تكميلية أم لا،

وبالعودة إلى أوراق التحقيق لم نجد أي قرار من النيابة العامة بطلب تحريات تكميلية، كما لم نجد أي محضر تحريات، أساسية أو تكميلية!!

وحيث أنه لا يحق للنيابة العامة أن تباشر التحقيق من تلقاء ذاتها، أو بناء على مراسلات خارجة عن الإطار القانوني الوارد في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية لكيفية الإبلاغ عن الجرائم،

فإنه والحال كذلك تضحى جميع الإجراءات المتصلة بالتحقيق، كذلك تلك المتصلة بإحالة القضية إلى المحكمة، باطلة بطلانا مطلقا لتعلقها بالنظام العام واختراقها للنظام القانوني الذي أراد به المشرع حماية حقوق المتهم وضمان نزاهة التحقيق وعدالة المحاكمة.

ومتى ثبت ذلك البطلان، فإنه يتعين على محكمة الموضوع أن تحكم بعدم قبول الدعوى.

بطلان تقرير الاتهام

تنص المادة (130) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية على أنه “ترفع الدعوى الجزائية إلى المحكمة المختصة بصحيفة اتهام تحتوي، إلى جانب البيانات الواجب ذكرها في كل ورقة من أوراق المرافعات، على البيانات الآتية:

  1. …..

  2. …..

  3. بيان الجريمة موضوع الدعوى بذكر الأفعال المنسوب صدورها إلى المتهم من حيث طبيعتها وزمانها ومكانها وظروفها وكيفية ارتكابها ونتائجها وغير ذلك مما يكون ضروريا لتعيين الجريمة“.

ولا يعتبر إغفال أي من هذه البيانات أو الخطأ فيه جوهريا إلا إذا كان من شأنه تضليل المتهم تضليلا تختل معه الأغراض التي توخاها القانون من ذكر هذه البيانات“.

وحيث أن تقرير الاتهام وقائمة أدلة الإثبات لم يتضمنا العبارات التي تزعم النيابة أنها تشكل الركن المادي لكل جريمة من الجرائم الثلاث المسند إلى المتهم ارتكابها، ولم تواجه المتهم بها،

وجاء الاتهام مجملا مبهما مجهلا،

كما أن المحكمة لم توضح العبارات والأقوال التي قد تشكل جريمة العيب في ذات الأمير، أو جريمة الطعن في حقوق الأمير وسلطاته، أو جريمة التطاول على مسند الإمارة، وإنما أحالت بيان تلك العبارات في مجملها إلى تحقيقات النيابة العامة.

وحيث أن تحقيقات النيابة العامة لم تتضمن ما اعتبرته النيابة يشكل الركن المادي لكل جريمة على حدا، وإنما تضمنت أقوال ضابط المباحث، وهذه الأقوال لا يجوز أن تكون المصدر الذي يتوجب على المتهم أن يتعرف منه على الأقوال والعبارات التي اعتبرتها النيابة العامة تشكل الركن المادي لكل جريمة لوحدها، وإنما كان واجبا على النيابة العامة أن تذكر هي وبوضوح، على نحو لا يخل بحق المتهم في الدفاع عن نفسه، العبارات والأقوال، وأن تواجه المتهم بها لا أن تطلب منه البحث في أوراق الدعوى واستنباط ما يشكل الركن المادي لكل جريمة.

وحيث أن ورود الاتهام على هذا النحو من الغموض والإبهام إنما تسبب في تضليل للمتهم حظره القانون، بالنظر لعمومية الاتهام، فإنه يتعين الحكم بعدم قبول الدعوى وفق المواد (129) و(130) و(146) من قانون الإجراءات.

إذ تنص المادة (129) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية على أنه “تفصل المحاكم في الدعاوى التي ترفع إليها من النيابة العامة أو المحقق. ولا يجوز للمحاكم أن تنظر دعوى لم ترفع إليها بالطريق القانوني المشار إليه إلا في الأحوال الاستثنائية التي ينص عليها القانون“.

كما تنص المادة (146) من القانون ذاته على أنه “… وللمحكمة أن تصدر حكما بعدم قبول الدعوى الجزائية التي قدمت إليها قبل إجراء تحقيق فيها أو أثناء التحقيق إذا وجدت أن بها عيبا شكليا جوهريا لا يمكن تصحيحه ولا إعادة الإجراء المعيب“.

وحيث أن محضر التحقيق، وكذلك تقرير الاتهام، لم يتضمنا تفصيلا للاتهام، ولا بيانا للركن المادي لكل جريمة، ولم نجد سوى أقوال ضابط المباحث في محضر التحقيق، في حين لم نجد شيئا في تقرير الاتهام، وأقوال الضابط هي مجرد أقوال مرسلة تعبر عن رأيه الشخصي، ولا يمكن اعتبار أنها تتضمن المقصود بالفقرة (3) من المادة (130) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية والتي تنص على وجوب “بيان الجريمة موضوع الدعوى بذكر الأفعال المنسوب صدورها إلى المتهم من حيث طبيعتها وزمانها ومكانها وظروفها وكيفية ارتكابها ونتائجها وغير ذلك مما يكون ضروريا لتعيين الجريمة“، في “صحيفة الاتهام“، وليس في محاضر التحقيق، فإن الدفع السابق يكون قد استقامت له أسبابه.

رابعا: الدفاع الموضوعي

في صدر هذه المذكرة، دفعنا بعدم قبول الدعوى نظرا لبطلان تقرير الاتهام الذي جاء خلوا من البيان الكافي للعبارات التي تشكل الركن المادي لكل جريمة من الجرائم الثلاث المسندة إلى المتهم. وأوضحنا أن غموض تقرير الاتهام تسبب في تضليل المتهم، فهو لا يعلم العبارات التي وردت في خطابه والتي اعتبرتها النيابة العامة تشكل جريمة العيب في ذات الأمير، وأيها يشكل جريمة الطعن في حقوق الأمير وسلطاته، وأيها يشكل جريمة التطاول على مسند الإمارة، وهو ما يحول بين المتهم وبين تقديم دفاعه الموضوعي بشأن مضمون الخطاب.

وعلى الأساس السابق، لا مجال أمام المتهم، اضطرارا لا اختيارا، سوى تقديم دفاعه الموضوعي في حدود أقوال ضابط المباحث بالإجمال، وأقواله هو.

  1. أقوال ضابط المباحث

قبل مناقشة أقوال ضابط المباحث، يود الدفاع أن يؤكد أن تلك الأقوال تفتقد المصداقية، وتخلو من القيمة القانونية، ولا يمكن التعويل عليها كدليل إثبات عند إدانة المتهم.

ولعل أقوال الضابط لم تصادف منها الحقيقة سوى قوله:

    إن المتهم كان متألم لما يقوله.

فالضابط قدم ما تم وصفه بـ “محضر واقعة”، وقد تضمن هذا “المحضر” بيانات وأقوال منسوبة إلى المتهم وهي لم تصدر عنه، كما تضمن تحريفا لكلام المتهم بالإضافة أو النقص.

وقد لاحظ وكيل النيابة هذا الأمر، فسأل الضابط في الصفحة (17) من محضر التحقيق السؤال التالي:

س/ تبين من الاطلاع على محضر تحرياتك المحال به المتهم سالف الذكر ورود اختلاف في بعض الكلمات الواردة بالعبارات المبينة فيه عما قررته بشأن ذات العبارات التي بينتها حال سؤالك على النحو السالف“؟

فأجاب الضابط بقوله:

ج/ نعم ولكن هذا ليس اختلاف بس فقط بعض الأخطاء المادية فيما ورد بالمحضر وما بينته بالتحقيق هي العبارات اللي قالها في الندوة بالإضافة إلى عبارات أخرى…”.

ولمعرفة طبيعة ما وصفه الضابط بـ “الأخطاء المادية”، نورد في الجدول التالي بعض الاختلافات بين ما نسبه إلى المتهم في محضر الواقعة وما نسبه إليه في التحقيق.

أقوال الضابط في محضر الواقعة

أقوال الضابط في محضر التحقيق

“أنا اليوم سأوجه خطابي مباشرة إلى صاحب السمو أمير البلاد صباح الأحمد…”.

“أنا اليوم سأوجه خطابي مباشرة إلى صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد…”.

هل تريد أن يكتب تضرب الناس بالمطاعات…”.

“هل تريد أن يكتب التاريخ أنه في عهد الشيخ صباح الأحمد تم ضرب الناس بالمطاعات”.

هل تريد أن في عهد الشيخ صباح الأحمد نهبت الكويت وأموالها”.

“هل تريد أن يكتب التاريخ أنه في عهد الشيخ صباح الأحمد نهبت الكويت وأموالها”.

هل تريد أن يكتب تاريخ أن في عهد صباح الأحمد كانت اليد الطويلة…”.

“هل تريد أن يكتب التاريخ أنه في عهد الشيخ صباح الأحمد كانت اليد الطولى…”.

انتهاك الدستور”

اضطهاد الدستور”.

“وتقول له طبق القانون…”.

“وتقول لنا طبقوا القانون…”.

“واضح أن هناك مكافأة من الشيخ…”.

“واضح أن هناك مكافأة للشيخ…”.

إن الجدول السابق هو مجرد “نموذج مختصر” يساعد في تقييم مقدار مصداقية ودقة أقوال ضابط المباحث!!

على أية حال، جاء في “رسالة ضابط المباحث”، أن المتهم وجه خطابا إلى الأمير “تضمن تطاولا وتعديا عليه وطعنا في حقوقه وسلطاته ومسند إمارته“، ثم سرد في الرسالة الأقوال التي نسب صدورها من المتهم.

ومن خلال استعراض أقوال ضابط المباحث، سواء ما ورد منها في الرسالة أو في محضر تحقيق النيابة، نجد أن الاتهام قائم على (ما فهمه) الضابط من خطاب المتهم، وعلى (تحصيله الشخصي) (لقصد) المتهم، و(تفسيره) للعبارات والجمل والكلمات التي أضافها من عنده.

ويؤكد الدفاع على أن أقوال الضابط لا قيمة لها ولا مصداقية، ولا تصلح للاستناد عليها كدليل إثبات في الدعوى الماثلة، فالضابط نفسه أقر أمام المحكمة الموقرة أنه لم يكن حاضرا الندوة التي تحدث فيها المتهم.

ومن المؤكد أن المحكمة الموقرة ستلاحظ أن ما ورد في “محضر الواقعة”، منسوب إلى المتهم، يختلف عما ذكره ضابط المباحث أمام النيابة العامة، حتى أن وكيل النيابة سأله عن سبب هذا الاختلاف، ولم تكن إجابته مقنعة.

فعند سؤاله من قبل الدفاع في جلسة 31/12/2012 عما إذا كان قد حضر الندوة شخصيا، أجاب:

أنا لم أحضر فيها ولكن من خلال المصدر السري عملت التحريات ووفق ذلك قدمت المحضر“.

وعند سؤاله عن كيفية حصوله على القرص المدمج الذي قدمه إلى النيابة العامة، أجاب:

تم التحصيل عليه من المصدر السري.

وعند سؤاله عن وسيلة حصول المصدر السري على القرص المدمج، أجاب:

“.. لا أستطيع البوح في هذا الأمر“.

وعند سؤاله عما إذا كان المصدر السري قد حضر الندوة، أجاب:

لا أستطيع البوح في هذا الأمر“.

وأمام محكمة الاستئناف، قرر الضابط ذاته:

أنه لم يحضر الندوة،

    وأنه لا يستطيع الجزم بأن السي دي لم يتم العبث به،

أي أن ضابط المباحث ليس شاهدا على الواقعة، وبالتالي فلا يمكن للمحكمة أن تستند إلى أقواله.

كما أنه لم يجرِ تحريات على الإطلاق،

ومن العرض السابق يتضح للمحكمة أن أقوال ضابط المباحث ليست ذات قيمة في إثبات ارتكاب المتهم الجرائم المسندة إليه، ففضلا عن عدم حضوره الندوة، فإن أقواله لا تعدو أن تكون مجرد استنتاجات تخلو من الأهمية، الأمر الذي يطلب معه الدفاع من المحكمة تجاهلها وعدم التعويل عليها، فهي ليست شهادة مباشرة، إذ أن الضابط لم يكن حاضرا الندوة، كما أنها ليست شهادة منقولة عن أطراف أخرى، بل هي ليست شهادة على الإطلاق، وإنما جاءت أقواله تحت تأثير طبيعة عمله كضابط في جهاز أمن الدولة تم تكليفه بإعداد ما أسماه “محضر الواقعة”، وهو غير مخير في الإدلاء برأيه أو أن يعطي تفسيره الشخصي لخطاب المتهم.

(ب) أقوال مدير الأمن الوقائي

قرر مدير الأمن الوقائي أمام محكمة الاستئناف أن المتهم شخص طيب ومن حمولة طيبة.

(ج) أقوال المتهم

بالاطلاع على أقوال المتهم ودفاعه في محضر تحقيقات النيابة العامة، يتضح لنا أنه قرر أن خطابه إلى صاحب السمو كان إقرار واقع ونصيحة صادقة. ثم أوضح ما هو الواقع الذي يعنيه بقوله “إن الشعب الكويتي يرفض أي تغيير في النظام الانتخابي وآلية التصويت“. وقد ثبت صحة كلام المتهم إذ قاطع الانتخابات الأخيرة التي جرت وفق مرسوم الصوت الواحد نحو 60% من الناخبين. ثم بين المتهم تفصيلا النصائح التي وجهها إلى صاحب السمو أمير البلاد.

وفي الصفحة (23) من محضر تحقيق النيابة، أوضح المتهم أنه مسؤول عن كلامه الذي قاله في الندوة، لكنه غير مسؤول عن فهم ضابط المباحث.

وفي الصفحة (23) أيضا قرر المتهم أن “أي اختصاص دستوري أو سلطة ممنوحة وفقا للدستور للأمير لها كامل الاحترام والتقدير ولا ترفض طالما أنها وفق الدستور“.

كما قرر المتهم في الصفحة ذاتها “واضح أن هذا الضابط صاحب خيال واسع يضع التهم ويركب جملها على غير الحقيقة، فأنا لا يمكن أن يخطر ببالي إهانة سمو الأمير بل أهين من يهينه“.

ويظهر محضر تحقيق النيابة العامة، سواء فيما يتصل بأقوال ضابط المباحث أو أقوال المتهم، أن الاتهام قائم على أساس (ما فهمه الضابط) الذي لم يكن حاضر في مكان الاجتماع ولم يستمع إلى خطاب المتهم كما قاله، وليس على أساس (ما قصده المتهم)، وقد بين المتهم في تحقيقات النيابة أن ضابط المباحث هو (رجل بوليس لا يفقه في الدستور). وهذه حقيقة أكدتها أقوال الضابط في تحقيقات النيابة العامة.

وبتقليب أوراق القضية ورقة تلو الأخرى، يتضح أن سند الاتهام هو تفسير ضابط المباحث لخطاب المتهم. إن هذا التفسير لا يكفي لإسناد الاتهام على الإطلاق، وليس هناك شك في أن فهم شخص واحد لخطاب المتهم لا يمكن أن يتأسس عليه اتهام خطير كالاتهام محل هذه القضية. ولو كان تفسير ضابط المباحث لخطاب المتهم هو التفسير الصحيح لاستهجن الناس هذا الخطاب، إلا أن الواقع يقول إنهم استحسنوه وصفقوا له وأيدوا مضمونه، وهذا بحد ذاته دليل على عدم مصداقية تفسير ضابط المباحث لخطاب المتهم.

إن النوايا والمقاصد لا تخضع للمحاكمة… وفي هذه القضية تحديدا، فإن أساس الاتهام ودليله الوحيد هو تفسير ضابط المباحث لأقوال المتهم. وقد تم حبس المتهم احتياطا بسبب هذا التفسير الشاذ الذي يجافي الواقع. ويلاحظ أن أوراق الدعوى قد خلت تماما من أي طلب بإقامة الدعوى من الديوان الأميري، بل أن الإجراءات بدأت بعد قيام ضابط المباحث الذي لم يحضر الندوة بتدوين محضر تضمن تفسيره لخطاب المتهم، ثم قام مدير إدارة الأمن الوقائي بوزارة الداخلية بإحالة المحضر إلى النيابة العامة!

وبقراءة محضر تحقيقات النيابة العامة نجد أن التحقيق برمته يدور حول “القصد والنية”، فضابط المباحث يفسر النوايا والمقاصد على نحو يسعى من خلاله إلى إسناد الاتهام إلى المتهم على خلاف الواقع بحكم متطلبات وظيفته، إذ هو مكلف بنسبة الاتهام إلى المتهم الماثل وغيره، وبالتالي فلا تشكل أقواله أهمية ولا تكفي بذاتها لإدانة المتهم. فيما المتهم ينفي مصداقية ذلك التفسير، وينفي ارتكابه أي جريمة، ويكشف أمام النيابة العامة وأمام المحكمة حقيقة مقاصده التي تتفق مع خطابه والتي لا تخالف القانون.

وفي صدد محاكمة المقاصد والنوايا، قررت المحكمة الدستورية العليا في مصر:

وحيث أن الدستور بما نص عليه في المادة (66) من أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذى ينص عليها، قد دل على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره، يتمثل أساساً في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مفصحاً بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء في زواجره ونواهيه، هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً، ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهى التي يتصور إثباتها ونفيها، وهى التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهى التي تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها. بل أنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي، فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعاً واضحاً، ولكنها تجيل بصرها فيها، منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابها. ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيراً خارجياً ومادياً عن إرادة واعية. ولا يتصور بالتالي وفقاً لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، بما مؤداه: أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية –وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته -تعتبر واقعة في منطقة التجريم، كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة”.

(المحكمة الدستورية العليا برقم 49 لسنة 17 قضائية “دستورية” 15/ 6/1996)

إن إدانة المتهم تتطلب من المحكمة تفسير نوايا المتهم والغوص في مقاصده، وتتطلب تجريم تلك النوايا واعتبار مقاصد المتهم آثمة، وهو أمر لا مكان له في ساحات القضاء.

وفي هذا الاتجاه، قررت محكمة التمييز:

ــــ “الأحكام يجب أن تبنى على أسس صحيحة من أوراق الدعوى وعناصرها، فإذا استند الحكم إلى رواية أو واقعة لا أصل لها في التحقيقات فإنه يكون معيبا لابتنائه على أساس فاسد متى كانت الرواية أو الواقعة هي عماد الحكم“.

(الحكم الصادر في الطعن رقم 190 لسنة 2001 (جزائي) بتاريخ 16 مارس 2004)

ــــ “الأحكام الجزائية يجب أن تبنى بالجزم واليقين على الواقع الذي يثبته الدليل المعتبر ولا تؤسس بالظن والاحتمال على الفروض والاعتبارات المجردة“.

(الحكم الصادر في الطعن رقم 34 لسنة 2002 (جزائي) بتاريخ 13 مايو 2003)

ــــ يتعين الحكم ببراءة المتهم متى أقيم الاتهام ضده على الظن والتخمين.

(الحكم الصادر في الطعن رقم 202 لسنة 2004 (جزائي) بتاريخ 3 يناير 2006)

وبالنسبة لقيمة تحريات المباحث، قررت محكمة النقض المصرية:

إن تأسيس المحكمة حكمها بإدانة المتهم اعتمادا على ما ورد في التحريات ودون أن يثبت لديها ذلك بأي دليل أو قرينة، ينفي عن الحكم بناءه على الجزم واليقين ويعيبه بالقصور الموجب لنقضه“.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (15672) لسنة (67) ق بتاريخ 1/3/1999)

كما قررت:

من المقرر كذلك أنه وإن كان يجوز للمحكمة أن تعول في عقيدتها على التحريات بحسبانها قرينة تعزز ما ساقته من أدلة، إلا أنها لا تصلح بمجردها أن تكون دليلا كافيا بذاته أو قرينة مستقلة على ثبوت الاتهام، وهي من بعد لا تعدو أن تكون مجرد رأي لصاحبها ويخضع لاحتمالات الصحة والبطلان والصدق والكذب إلى أن يعرف مصدرها ويتحدد حتى يتحقق القاضي بنفسه من هذا المصدر ويستطيع أن يبسط رقابته على الدليل ويقدر قيمته القانونية في الإثبات”.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (33997) لسنة (69) ق بتاريخ 26/2/2003)

وقررت أيضا:

“أصل البراءة يعتبر قاعدة أساسية في النظام الاتهامي، لا ترخص فيها، تفرضها حقائق الأشياء وتقتضيها الشرعية الإجرائية وحماية الفرد في مواجهة صور التحكم والتسلط والتحامل بما يحول دون اعتبار واقعة تقوم بها الجريمة ثابتة بغير دليل يبلغ مبلغ الجزم واليقين ولا يدع مجالا لشبهة انتفاء التهمة أو الشك فيها ودون ذلك لا يهدم أصل البراءة”.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (24596) لسنة (65) ق بتاريخ 15/5/2006)

وقررت محكمة التمييز الكويتية:

ــــ “كما أن المحكمة لا تعتد بأقوال الضابط وتحرياته لأنها لا تعدو أن تكون رأيا لصاحبها تحتمل الصدق والكذب خاصة وأنه لم ير ارتكاب المتهم ما نسب إليه من أفعال الإتلاف والحريق، وأن تلك التحريات لا تصلح بمفردها دليلا على ثبوت الاتهام في حق المتهم…”.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (46) لسنة 2000 (جزائي) بتاريخ 24/10/2000)

المستفاد من أقوال شهود النفي أمام المحكمة الموقرة

استمعت المحكمة الموقرة إلى أقوال عدد من شهود النفي. ويمكن تلخيص وإجمال شهادتهم بالقول بأنه لم تصدر من المتهم أي عبارة أو جملة أو كلمة يمكن أن تشكل الركن المادي لأي جريمة من الجرائم المنسوب إليه ارتكابها. وأن المتهم كان يهدف إلى حماية المصلحة العامة، وكان يوجه النصح وينبه من خطورة مآل الوضع السياسي نتيجة لإقرار مرسوم “الصوت الواحد”.

ويستفاد أيضا من مجمل أقوال شهود النفي أن الركن المعنوي في الجرائم المنسوب للمتهم ارتكابها غير متوفر، مما يؤكد كيدية الاتهام وأنه كان من الأساس بقصد الانتقام من المتهم بالنظر لمواقفة الوطنية المشهود له بها.

ومتى ما ثبت أمام المحكمة الموقرة انتفاء الركنين المادي والمعنوي، فإن النطق ببراءة المتهم يغدو نتيجة طبيعية ومنطقية تتفق مع صحيح القانون وحقيقة الواقع.

وفي تفصيل أقوال شهود الإثبات، قرر الشاهد بدر الداهوم:

“في شهر رمضان عام 2012 ذهبت أنا مسلم وخمسة آخرين معنا لمقابلة رئيس الوزراء في منزله الشيخ جابر المبارك بعد صلاة العشاء وذلك لإبلاغه بموقفنا من تعديل قانون الانتخاب ورفضنا لذلك وكانت الإشاعات قد سرت بنية الحكومة تعديل قانون الانتخاب بمنح الناخبين صوت واحد أو صوتين بدلا من أربعة وفقا للنظام المعمول به وقتها فأخبرنا بامتعاضه من النية لتعديل القانون الانتخابي لأن ذلك ليس في مصلحته سياسيا وأنه في مصلحة أطراف آخرين وهما الشيخ ناصر المحمد رئيس الوزراء السابق وجاسم الخرافي الذي كان رئيس المجلس حينئذ وحملناه مسؤولية التعديل بصفته رئيس مجلس الوزراء وأن التعديل لابد أن يمر من خلاله فكان رده أن الأمر برمته بيد صاحب السمو الأمير وأود أن أضيف أن رئيس الوزراء أخبرنا بأن رئيس الوزراء السابق ناصر المحمد وجاسم الخرافي كانا يدفعان أموالا للنواب المحسوبين عليه”.

وأجاب الشاهد بدر الداهوم عن سؤال بشأن ما إذا كان خطاب المتهم قد تضمن إساءة لصاحب السمو، قائلا: “لم أرى ذلك“.

وعن قصد المتهم من توجيه الخطاب، قال الشاهد بدر الداهوم:

هو كان يقصد أن يبين ويحذر من خطورة تعديل القانون الانتخابي لأنه سيرتب مشاكل كثيرة“. وأكد الشاهد أن المتهم كان يقصد المصلحة العامة.

أما الشاهد جمعان الحربش، فقد قرر في شهادته:

“المتهم ألقى الخطاب من باب النصح السياسي للقيادة السياسية بسبب أن توجه الحكومة كان واضحا نحو إلغاء مجلس الأمة الذي انتخب وفق قانون صادر من السلطة التشريعية وسبق حل البرلمان أربع مرات وما أثير عن إيداعات في حسابات بعض النواب وكان هناك توجه من السلطة لتعطيل الرقابة الشعبية على الأموال العامة وكان من يفضح تلك الممارسات يلاحق قضائيا مثل النائب السابق فيصل المسلم بينما كان من يقبل أموال بطريقة غير مشروعة يتصدر البرلمان والمتهم ألقى الخطاب في اجتماع لكتلة الأغلبية في المجلس المبطل الذي انتخب في شهر فبراير 2012 وتم إبطاله في 20/6/2012 لتوجيه خطاب للقيادة السياسية ورأس الدولة باعتباره رأس السلطات جميعا وذلك بهدف إيقاف الانهيار في سلطات الدولة وأصدرت كتلة الأغلبية المذكورة بيانا تؤيد فيه ما ورد في خطاب المتهم المذكور وما ألقى به النواب السابقون خالد الطاحوس وبدر الداهوم وفلاح الصواغ وكان الخطاب المتهم من باب النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يعرف عن المتهم مسلم إلا الولاء لدولة المؤسسات وللنظام وكان قصد المتهم هو محاولة وقف الأمر الذي كانت بوادره ظاهرة وهو الانقلاب على النظام الانتخابي المتمثل في تقليص عدد الأصوات لإيجاد برلمان يمكن التحكم فيه وعاجز عن متابعة الملفات الخطيرة والمتعلقة بالمال العام”.

وأضاف الشاهد جمعان الحربش ردا على سؤال حول وجه اعتراض المتهم على تعديل النظام الانتخابي:

“هو كان اعتراضه واعتراضنا جميعا لأن قانون الانتخاب يمثل حجر الأساس في أي نظام ديمقراطي وتغيير قانون الانتخاب بتقليص الأصوات خارج مجلس الأمة سوف يؤدي حتما إلى الانقلاب على إرادة الأمة الأمر الذي حدث بعد ذلك وأدى إلى مقاطعة الشعب الكويتي للانتخابات اللاحقة التي تكررت مرتين”.

وأكد الشاهد جمعان الحربش ما سبق أن ذكره الشاهد بدر الداهوم بشأن لقاء المتهم وعدد من أعضاء مجلس الأمة مع رئيس مجلس الوزراء وكرر مضمون اللقاء.

وحول ما إذا كان خطاب المتهم يمثل أي مساس بصاحب السمو الأمير أو على مسند الإمارة، قال الشاهد جمعان الحربش:

أرى أن ذلك لا يمثل أي تطاول أو مساس… لكنها كانت رسالة سياسية تمثل كلمة حق هدفها الحفاظ على النظام الدستوري القائم وهو ما دعانا إلى التضامن مع الخطاب في بياننا اللاحق“.

وفي ختام شهادته، قرر جمعان الحربش:

أنا أعرف مسلم البراك رجل مخلص للنظام ولم يعهد عنه أي اعتداء على النظام أو المال العام وخطابه يحسب له لا عليه لذلك ردده كثير من أبناء الشعب الكويتي بعده“.

أما الشاهد عادل الدمخي، فقد قال عن خطاب المتهم:

خطاب سياسي لا أرى أنه يتضمن أي مساس بصاحب السمو“.

أما الشاهد أحمد الديين، فقد قرر:

“أنا حضرت الخطاب موضوع الدعوى الماثلة في يوم 15/10/2012 ضمن الحضور الجماهيري وسمعت الخطاب كاملا واستنتجت منه أنه كان موجها لحضرة صاحب السمو من خلاله كي يحذر من مؤامرات الدسائس جاسم الخرافي رئيس مجلس الأمة السابق والمتهم في الدعوى الماثلة أوقف أثناء الخطاب أحد الأشخاص عندما حاول أن يسيئ إلى صاحب السمو بالقول وقال له  لا حتى لا يتمادى وكان المتهم يستخدم لفظ صاحب السمو عندما يشير إلى الأمير كما أبدى المتهم تجديد بيعته لصاحب السمو التي كان قد أبداها عام 2006 مؤكدا على أنها لازالت في رقبته ورقابنا جميعا وهو ما يؤكد أن المتهم قد تعامل في خطابه مع مقام حضرة صاحب السمو بالتوقير والاحترام الواجب ولم يتضمن أي طابع تحقير أو إساءة أو مساس لحضرة صاحب السمو“.

وحول الأسباب التي دعت المتهم إلى توجيه الخطاب، قال الشاهد أحمد الديين:

المتهم استعمل حقه الدستوري في مخاطبة السلطات العامة…”.

أما الشاهد خالد الفضالة، فقد قرر، واصفا خطاب المتهم:

كان بمثابة الناصح لصاحب السمو ولم يتضمن حديثه أي عبارات أو ألفاظ تشكل جريمةوأنا أعتقد أن المتهم كان يستعمل حقه الدستوري في مناصحة ولي الأمر…”.

وعن واقعة تلفظ أحد الحضور بألفاظ مسيئة لصاحب السمو، قال الشاهد خالد الفضالة:

حاول أحد الحضور التلفظ بألفاظ غير صحيحة تجاه مقام صاحب السمو وأتذكر أن المتهم رد عليه بالقول لا محشوم سمو الأمير رافضا ذلك التصرف“.

أما الشاهد سعود العصفور، فقد قرر في شهادته:

“من خلال مشاهدتي لخطاب المتهم لم أجد فيه ما يمكن اعتباره إساءة وكان الوضع السياسي يحتم مثل هذا الخطاب بنصح ولي الأمر وأن الوضع السياسي وتغيير النظام الانتخابي كان في غير صالح البلاد وكان قصد به النصح ولا يقصد به تحقيق مصالح شخصية”.

أما الشاهد فواز الشيباني، فقد قرر في شهادته واصفا خطاب المتهم:

“ووجدت أنه خطاب سياسي هدفه الإصلاح وموجه لصاحب السمو الأمير بمناسبة الحديث عن تعديل قانون الانتخاب أو ما يسمى بالصوت الواحد وقد تحقق ما كان الخطاب يحذر منه”.

وحول ما إذا كان الخطاب قد تضمن أي إساءة أو مساس بمقام صاحب السمو، أفاد الشاهد بقوله: “لا نهائيا“.

أما الشاهد ناصر عايد المطيري، فقد قرر في شهادته:

“أنا استمعت وشاهدت الندوة التي ألقى فيها المتهم الخطاب في اليوتيوب واقتنعت أنه من قبيل النصح المباح… وكان يهدف لإصلاح الوضع السياسي… وقد تحقق ما كان ينبه ويحذر منه”.

وأكد الشاهد أن الخطاب لم يتضمن أي إساءة إلى مقام صاحب السمو الأمير.

ومن العرض السابق لأقوال شهود النفي، يتضح لنا أن خطاب المتهم لم يتضمن أي جريمة، فقد أجمع الشهود، على اختلاف توجهاتهم، أن الخطاب كان من قبيل إبداء الرأي، وكان هدفه الإصلاح والنصح. وهو الأمر الذي يؤكد كيدية الاتهام وعدم استناده على واقع أو قانون.

ويود الدفاع عن المتهم أن يجدد ما قاله المتهم من أنه لا يمكن أن يكون قد قصد الإساءة إلى صاحب السمو أمير البلاد بأي شكل من الأشكال، وأن القصد الجنائي غير متوفر لدى المتهم، ولم يدر في خلد المتهم الإساءة إلى الأمير بل هو قام بإسداء النصح الصريح له في توقيت اتسم بوجود خلاف شديد في الرأي وانقسام واضح في الموقف السياسي. وإذ تخلف القصد الجنائي لدى المتهم، فإن الجريمة لا تقع.

قراءة في خطاب المتهم

أبدينا في القسم الثالث من هذه المذكرة دفعا ببطلان تقرير الاتهام لأنه أنطوى على تضليل للمتهم، وأوضحنا أن تقرير الاتهام لم يتضمن ما نصت عليه الفقرة (3) من المادة (130) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية بشأن “بيان الجريمة موضوع الدعوى بذكر الأفعال المنسوب صدورها إلى المتهم من حيث طبيعتها وزمانها ومكانها وظروفها وكيفية ارتكابها ونتائجها وغير ذلك مما يكون ضروريا لتعيين الجريمة“.

وإذ كان لابد للدفاع عن المتهم أن يتقدم بدفاع موضوعي يتناول فيه الركن المادي للجرائم المنسوب إلى المتهم ارتكابها، فإنه سوف يضطر لتقديم هذا الدفاع مستندا على “التخمين” بشأن تحديد العبارات التي يمكن أن تكون النيابة العامة قد اعتبرتها تشلك الركن المادي لكل جريمة من الجرائم الثلاث المنسوبة للمتهم ارتكابها.

ولكن “التخمين” لا يصلح أساسا لدفاع موضوعي أمام المحاكم. وهو بالطبع لا يصلح كسند للاتهام ولا كدعامة لحكم الإدانة.

إن القصور الشديد في تقرير الاتهام يحول بيننا وبين تقديم دفاعنا الموضوعي. فكما قلنا من قبل، جاء الاتهام مجملا مجهلا مبهما.

فأي كلمة رأت النيابة العامة أنها تشكل “عيبا” في ذات الأمير؟!

وأي كلمة رأت النيابة العامة أنها تشكل طعنا في حقوق الأمير؟!

وأي كلمة رأت النيابة العامة أنها تشكل “تطاولا” على مسند الإمارة؟!

وبقراءة الخطاب الذي ألقاه المتهم والذي يحاكم بسببه، وجدنا ما يلي:

ـــ استخدم المتهم في خطابه لفظ (صاحب السمو) في الإشارة إلى سمو الأمير (12) مرة

ــــ استخدم المتهم في الخطاب لفظ (سمو الأمير) (23) مرة

ــــ استخدم المتهم في الخطاب لفظ (سمو) (30) مرة

ــــ استخدم المتهم في الخطاب تعبير (طويل العمر) قاصدا الأمير (11) مرة

ــــ استخدم المتهم في الخطاب كلمة (سموك) قاصدا الأمير (3) مرات

ــــ استخدم المتهم في الخطاب كلمة (الشيخ) قاصدا الأمير (6) مرات

ــــ ومن خلال أقوال شهود النفي تبين أنه حين صدرت عبارات مشينة بحق الأمير من قبل أحد الأفراد (ولا نستبعد أن يكون من رجال المباحث)، منعه المتهم في مواصلة حديثه بقوله (يكرم) قاصدا الأمير

ــــ وفي صدر حديثه، حرص المتهم على بيان مقدار المرارة التي يشعر بها بقوله:

أنا سأقول ما لدي… لكن قسما بالله، عندما أقف أنا وزملائي في ساحة الإرادة، لنوجه خطابا مباشرا لسمو الأمير، عن ممارسات السلطة وأخطاءها… والله العظيم إن مثل اللي يقطع لحم ذرعانه“.

إن الكلمات والعبارات السابقة التي نطق بها المتهم كفيلة لوحدها لهدم أركان الاتهام الكيدي المسند إليه، فلو كان المتهم يقصد من حديثه الإساءة إلى صاحب السمو أمير البلاد، بأي صورة كانت، لما حرص على استخدام كل تلك العبارات والكلمات التي تكشف بجلاء عن احترامه وتقديره لصاحب السمو، ولا تتوافق الاتهامات المسندة إلى المتهم مع مضمون خطابه.

بل أن تلك الكلمات والعبارات تؤكد انتفاء القصد الجنائي لدى المتهم… هذا بافتراض توافر الركن المادي للجرائم المنسوب إليه ارتكابها.

وفي هذا الصدد، قررت محكمة التمييز، بشأن القصد الجنائي في جرائم المادة (25) المنسوب إلى المتهم ارتكابها:

“… فقد دلت على أن أي من الجرائم المؤثمة بها بركنيها المادي والمعنوي تتوافر بقيام الجاني بأي نشاط إيجابي يكون من شأنه بلوغ الغاية المستهدفة بالجريمة مع علمه بما لنشاطه من أثر في تحقيق هذه الغاية، وكان توافر القصد الجنائي فيها أو عدم توافره من مسائل الواقع الذي تستقل محكمة الموضوع بالفصل فيه بغير معقب…”.

(الحكم الصادر في الطعن بالتمييز رقم 657/2004 (جزائي) بتاريخ 7/6/2005)

وبالعودة إلى نص الخطاب الذي ألقاه المتهم، لم نجد أي كلمة أو جملة يمكن أن تشكل الركن المادي لأي جريمة من جرائم المادة (25).

وبالطبع فإنه من غير المنطقي تقطيع أوصال الخطاب، وعزل مكوناته أو كلماته أو عباراته عن بعضها، ثم محاولة تلبيس جملة هنا أو كلمة هناك لباس الجريمة. فالخطاب وحدة واحدة، تجمعه غاية واحدة، وقد أوضح شهود النفي أن غاية المتهم كانت المصلحة العامة، ولم يحمل قلبه ولا عقله غاية أخرى غيرها، كما لم يزلّ لسانه، ولم ينحرف قوله، فقد كان ناصحا صادقا مخلصا، أمينا صريحا. ولعل تفاعل الجمهور بشكل إيجابي مع خطاب المتهم هو بحد ذاته مؤشر على عدم تجاوز المتهم حدود القانون.

لذلك

وبالبناء على جميع ما سبق،

يطلب الدفاع عن المتهم من المحكمة الموقرة:

ــــ الحكم بعدم قبول الدعوى.

ــــ أو الحكم ببراءة المتهم مما أسند إليه.

                                              وكيل المتهم

                            المحامي/ محمد عبدالقادر الجاسم