كتاب سبر

خلفيات الصراع ودور واشنطن
قصة الفراغ بين السعودية.. وإيران!

أخالف الأستاذ د.عبدالله النفيسي في أن الرئيس أوباما يضغط على السعودية بشأن اليمن لأن أولويته الاتفاق النووي.. فالاتفاق انتهى وقيد الصياغة، مع أهمية ملاحظة تصريح صدر عن البيت الأبيض عشية القمة (كامب ديفيد) وغداة تكهنات حول أسباب غياب الملك سلمان عنها، وأكد أن (أمن السعودية) غير مقبول المساس به، فالتصريح كان ردا على تلميحات إيرانية بالتدخل لتخفيف الضغط على الحوثيين، ما يعد رسالة لإيران تحديدا.
والحقيقة أن السياسة الأميركية سكتت، أو أفسحت لإيران أن تتدخل في سورية والعراق، ولكن الحالة لا تنطبق الآن على اليمن.
والأميركي كما هو معتاد لا يعطي أثمانا إضافية لشيء حصل عليه وانتهى منه.. وهذا (الأثمان والتنازلات) تمت في موضوع الاتفاق النووي وانتهى.
وهناك نقطة مهمة، وهي أن الكونغرس يعمل على إحباط الاتفاق لمصلحة اعتراضات إسرائيل، وإذا تأخرت الصياغة فسيفتح هذا الباب للمزيد من الضغوط على إيران، لماذا؟.. لأن شروط الكونغرس لن تقبلها إيران إلا تحت الضغط.. ولم يبق من أدوات الضغط إلا تجريد إيران من أوراقها الإقليمية.
والواقع أنه كانت هناك تنازلات أميركية لصالح إيران، وهي بدأت في أفغانستان فأول دولة زارها العميل الأميركي كرزاي خارج كابول كانت لطهران وليس إلى كراتسي!
ومنذ تقسيم الهند كانت أفغانستان هي العمق الحيوي لباكستان في معالجة حال الاختناق الجغرافي بمواجهة الهند، والحليف الأميركي لم يراعِ مصالح باكستان بعد خلع طالبان فكانت التركيبة الجديدة مرضية للهند من جهة، ولطهران من جهة أخرى أكثر من الباكستان.
ولهذا رأينا مؤسسة الجيش الباكستاني وهي مستقلة عن الأحزاب وتشبه الحالة الأتاتوركية لكن باتجاه إسلامي، رأيناها غير مخلصة في معاونة الأميركيين، مع أن كراتشي حليف أساسي لواشنطن، ولهذا رأينا مماطلة أميركية بتزويد باكستان بالطائرات المتعاقد عليها قبل الحرب، وكان ذلك أيضا لصالح إيران والهند، وأيضا لغاية استكمال الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان دون مشاكل نمن إيران!..
وفي الحدث التالي سايرت واشنطن إيران في العراق، ولم يكن لها خيار آخر، لكن مثلا، لم تكن واشنطن ستعارض السعودية لو أنها دعمت ميليشيات عراقية!
وشخصيا واكبت رغبة عشائر عراقية عربية شيعية في الجنوب، ومعها شيوخ (المنتفج) طلبت دعما سعوديا لمواجهة ميليشيات إيران في حقبة أياد علاوي أبان رئاسته للحكومة عندما حرق نفسه بمواجهة القاعدة في الفلوجة، فخسر القاعدة السنية، لكني ومن بوابة المواكبة تلك فهمت وتيقنت من رفض السعودية للعب دور كهذا، إذ كانت تعتمد على تركيز السلطة بيد علاوي، خصوصا وأنه أظهر ميلا لبقاء تصنيف إيران كـ (عدو) استراتيجي أول في عقيدة الدولة العراقية.
وقد أتيحت لي فرصة محادثة مع رئيس الاستخبارات العسكرية العراقية (الجنابي) أيام في تلك الفترة، وشرح لي دون لبس أن إيران عدو العراق الأول.
وقد كنت أحتفظ بعلاقة شخصية مع هذا الرجل أيام مكوث جماعة السيد علاوي في الأردن فالملك حسين لم يمنح مكتبا شرعيا لـ (الوفاق) بزعامة علاوي، وكنت ساهمت بترتيب لقاء (إعلامي) بين (الوفاق) مع مسؤولين كويتيين، وجرى اللقاء في غرفتي بأحد فنادق عمان، وكان من الحضور السيد الجنابي، وحدث هذا قبل سقوط نظام صدام حسين بعدة شهور، فكان لدي ما يمكنني من أن أسأل عنه هذه الشخصية دون حرج حول وضع العراق ومستقبله، وأتذكر يومها جيدا أنه شرح لي كيف أنه تمت استعادة طقم العاملين القديم في الاستخبارات العراقية العسكرية، وأن الواضح لهؤلاء أن الخطر على العراق هو من إيران وليس من دولة آخرى.
هنا تحركت الماكنة الإيرانية لخلع علاوي وإبعاده وبأي ثمن، فجرى بث الإرهاب في العراق ضد كل صوت عربي شريف، وتقاطع هذا مع توقعات أميركية قبلتها السعودية بأن العراق الجديد، سيدمر (ولاية الفقيه)، ويعيد عقلنة إيران عبر عقلنة مؤسستها الدينية إذ ساد بأن النجف وكربلاء هي المرجعية الأساسية للتشيع، وأن إيران لا تريد لها دورا ينتزع منها قميص عثمان النطق باسم شيعة العالم، فكانت واشنطن تعتقد بأن دولة (ليبرالية) يقودها علمانيون، وتحظى فيها المؤسسة الدينية المنكفئة على شأنها الروحي بالنجف ستقلب إيران نفسها، لكن إيران اشتغلت بالعراق كما تشتغل عصابات المافيا، فساد القتل والتخريب والفتنة وشراء الذمم والإرهاب من كل نوع، بما في ذلك التعاون حتى مع القاعدة!..
وشبكات التواصل ومواقع مقاطع الفيديو فيها، تحفل بمتحدثين يصفون لك دور إيران في دعم تفجيرات القاعدة الإرهابية ضد شيعة العراق ومساجدهم وحسينياتهم وتجمعات طقوسهم في المناسبات.. وأبو مصعب الزرقاوي (زعيم قاعدة العراق) كان عندما ترهقه المطاردة الأميركية يلجأ للحدود الإيرانية لنيل قسط من الراحة حتى تخف حملة المطاردة!..
إن إيران لما تبينت أن من أهداف أميركا باحتلال العراق تغييرها من الداخل، صارت غايتها تدمير العراق الجديد وتقسيمه ونهب ثرواته وملئه بالعملاء، وهذا ما حصل فعلا، فالتركيبة الحاكمة بالعراق تستفز عوامل الانقسام أكثر مما تقيم جسور الاندماج، والعراق اليوم بلد يضج بالحقد والقهر والألم، والعقل الإيراني لا يكترث لهذا، ففي مكنون العاطفة والتاريخ رغبة بزوال العراق من الوجود، لأنه بمفهوم إيران جزء من فارس، ولأن التشيع واحد، فلا يهم إن بقي هذا العراق أو زال!..
وتاريخيا نعلم أمر صراع مرجعيتي قم والنجف، ونعلم تفارق التشيعين العربي والفارسي، ولذا فأخطر أمر على إيران مرجعية مطاعة تناهض (ولاية الفقيه)، ولا تجد أي ضرورة لها.
وفق هذا المنطق الانتحاري لنظام يرى في الأمر حياة وموتا، تقبل الأميركي ما يجري بعد أن خذله الذين أحضرهم على ظهر دباباته ليحكموا العراق، فانفصل الأكراد بحالتهم الخاصة، وغرقت منطقة السنة بقهر الإقصاء فلجأت للتطرف وقتل الجنود الأميركيين، ليتخذ أوباما الرئيس الجديد قرار الانسحاب، فكان عليه أن يضمن خط الانسحاب عبر مناطق ميليشيات تأتمر بأمر إيران فساير إيران بركل فوز أياد علاوي المدعوم من السعودية، فطمعت إيران أكثر، وتغولت في هذا المناخ أكثر.. فصواريخها إلى حزب الله تصيب مدمرة إسرائيلية، وتتلاعب بسورية ولبنان كما تشاء وتتشكل حالة في غزة يواجهها كل العالم فتدعمها إيران فتبقى!..
وتردد الغرب ومعه إسرائيل بقصف المنشآت النووية، فتألق التحدي الإيراني حتى بوغت الجميع بنشوب الربيع العربي، فكانت أول نتائجه انهيار مصر أو غياب دورها، وهو أمر يخدم استراتيجيا تفرد إيرانية فلما شبت النار بثياب الحليف الأهم الملاصق للعراق (بشار الأسد)، اندفعت طهران بالتدخل المباشر وعبر شتى أنواع الميليشيات والمجندين بغرض إبقاء نظام يوفر الحماية لذراع إيران في لبنان، ويضمن لها لعبة ضغط في قضية فلسطين، ويلجم المكون السوري السني عن دور تغييري في ميزان العراق، فإيران ترى بسقوط نظام الأسد سقوطا لنظامها، فكان تدخلها محميا بصحوة روسية ضد الترتيب الأميركي للربيع العربي حدث ودول العرب ومنها السعودية خائفة على نفسها من هذا الربيع، جراء تغول طارئ على جماعة الإخوان المسلمين الموجودة في كل بلد عربي.
وقد ساد هاجس بأن الأميركيين يريدون هذا الاستبدال للنظام العربي، مع شكوك بعلاقة قبول بين إيران والإخوان حسب تصورات غير يقينية أو متوهمة.
هنا زاد الطمع الإيراني!.. فلما وصل الأمر للبحرين وكادت واشنطن أن تستسلم أمام ضجيج المحتشدين في دوار اللؤلؤة تحت وطأة مزاج فرضته الميادين العربية آنذاك، استيقظت السعودية وفعلت ما هو مستحق، فصار الأمر عبارة عن معركة معلنة ومكشوفة بين الرياض وطهران، فلما امتدت اليد إلى اليمن حصلت هذه الوقفة السعودية الكبرى ليفهم العالم معها أن مرحلة السكوت لإيران انتهت، وأن هناك قوة إقليمية عسكرية واقتصادية ونفطية ضامنة لاستقرار العالم، بل وقادرة وقت الحرب على ترتيب وضعها الداخلي محل التكهنات الكثيرة بعدم الاستقرار والثقة.
إن الأمر شديد البساطة، فمن لا يستحق ملء الفراغ ملأه لأن صاحبه كان نائما.. فلما استيقظ الصاحب عادت الأمور إلى نصابها.
وليس من تلخيص للمسألة أفضل من هذا.. الفراغ الذي ملأته إيران دون حق، عادت السعودية بصفتها (أقوى دولة عربية) فملأته.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.