مم تتشكل قوة الجزيرة العربية؟.. وما معايير هذه القوة؟.. ولماذا يصعب تخيل أو استيعاب التطور الذي حدث على إقليم الجزيرة وخصوصا لدى عرب الشمال.. وفوقهم إيران كعدو يختار بمحض إرادته التامة أن يعادي هذه القوة ويتصدى لها؟
أولا سنبدأ وننهي بقول بسم الله ما شاء الله ولا قوة إلا بالله.. وهناك فوق الحساد حاقدون، وشخصيا أتناول الأمر كـ (عربي) مؤمن بأهمية وجود مركز ثقل عربي يقود النهوض المطلوب، بما يحقق عودة العرب لقيادة أمة الأسلام، فهذا هو الطبيعي والمنطقي، كونهم وأرضهم، مهبط كل رسالات السماء إلى بني البشر، وآخرها دين محمد صلى الله عليه وسلم.
وكنت سأبدي نفس الحماس لو كان المغرب هو المؤهل لهذا، أو السودان أو مصر أو الشام والعراق، لكن الحال ينبئ بما نراه أمامنا من أن الأهلية واقعة في جزيرة العرب، وأن مركز الثقل فيها بنسبة (نحو 60%) قائم في السعودية، وحولها دول أصغر، مستقلة وذات سيادة ولكن لا يمكنها مخالفة السعودية لأنها عمقها الاستراتيجي والطبيعي ولأنها الامتداد المتبادل معها، ولانه علاقة للأمر بما يسمى الخصوصيات، وهي مسألة يجب أن تحترم حتى في الدولة الواحدة، ولا شأن للأمر بما يسمى الديمقراطية، لأن دول تاريخنا القوية لا ينطبق عليها المفهوم الغربي، فدولة العروبة والإسلام تقوم على أسر مالكة أو حاكم فرد، يضمن الاستقرار ويحقق العدل ويحرس رسالة الإسلام من الزلل والتحريف، ومن دون الآليات الغربية التي يراد جلبها لا لغاية غلا للتعطيل وبقاء الوضع الممزق للأمة، وبالتالي فإن وجود ملاحظات أو انتقاد على ( النظام السعودي) أو الدولة السعودية لا يجردها من مقامها المحوري، كدولة عربية قائدة ومؤهلة على المهمة المطلوبة، فهذه أرض عربية بالمطلق، والخصوصية القطرية المحلية لا يمكنها أن تذهب بعيدا عن انتمائها القومي، لأنها لا تشكل أرضية مؤهلة للاستقلال المطلق.
ولك أن تستعين بمشاهد واقعية، فدبي مثلا وهي جزء من دولة الإمارات العربية، عندما تطبق نموذجا منفتحا أكثر من السعودية فإنها تعتمد على السعودية، كزوار وكسوق، وأيضا كعمق دفاعي شريك بحراسة تجربتها، ولذلك تراها (دبي) حاضنة إعلام السعودية الطالب لمناخ مختلف في الخارج للظروف المعروفة.. والأمر ينطبق على البحرين وهناك الكثير من الأمثلة الماثلة وهي أمثلة صارمة صاعقة، فعند احتلال العراق للكويت كانت السعودية هي العمق الذي حررها تماما كما حصل مع التهديد الأول من عبدالكريم قاسم، وفي حال البحرين رأينا أن القرار السعودي الحاسم ضد خطر الملالي، هو الذي أنقذ هذه الخاصرة الشديدة الأهمية من الوقوع في بركة الفوضى الإيرانية، ونحن نشهد الآن الجهد السعودي القائد في بتر يد إيران الدخيلة في اليمن، وأي سيناريو تريد أن تتخيله لنهاية الحرب الجارية سيحقق هذا الهدف، ولو شاءت الرياض ممارسة لعبة قذرة لأمكنها ذلك بتقسيم اليمن، ثم الجلوس للتفرج عليه بإشعال الفتنة بين طرفيه، ولصار كل اليمن فقيرا معزولا، لكن هذا لا ينفع السعودية وليس خيار أهل اليمن بإذن الله، فالمطلوب بلد قوي موحد مزدهر يحكمه نظام مستقر منسجم، ويكون عمقا عميقا للسعودية وشركائها من حولها.
من هذه المنطلقات نستذكر الأصوات التي اعترضت على (الكونفيدرالية) الخليجية لما طرحها المرحوم الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وكلها كان إيراني الهوى.. فيما الواقع أن الكونفيدرالية بل وما هو أكثر تجسيرا، متحقق وقائم على الأرض في المنظومة الخليجية، حتى ولو كان هناك خلافات إعلامية طارئة أو مستجدة ومتغيرة، سواء شاء الهوى الإيراني أو أبى، وسواء أحس البعض الآخر بالغيرة والخشية من هذا التمركز الجديد للقوة في المنطقة العربية لأن الواقع حاسم جدا.
وعند هذه النقطة نستعرض أوضاع سابقة للمحاور العربية كان فيها الخليج على الهامش وبأحسن الظروف (ممولا ماليا) وكانت السعودية تمارس سياسة (التحوصل)، بمسلك حكيم هادئ متزن وحصيف، وغير استفزازي متجنب للإثارة، بينما الجهة الأخرى كـ (مصر الناصرية) أو (عراق صدام حسين) تقود المشهد بروح عنجهية، تماما كما فعل ملالي طهران طوال حقبة ما قبل عاصفة الحزم، ابتداء من عام 2003 بعد قيام العراق الأميركي الإيراني، بل وقبل ذلك بوقت طويل، حتى إذا بلغ الخطر حد وضع السكين على الرقبة، أو البحث من موقع للخنجر في الظهر، رأينا هذه الانتفاضة التي أطلقها الملك سلمان حفظه الله، فلم يعد هناك مجال للانتظار وما عاد الصمت والسكون ينفع، خصوصا بعد الانهيار الذي أحدثته الفتنة الإيرانية ومجريات الربيع العربي في مصر كمركز ثقل مرتبك، وبعد تقسيم سورية والعراق وخضوعهما للفتنة والتخريب الإيراني، هذا فضلا عن أن هناك قوة حقيقية ينطلق منها الزعيم السعودي، وهي قوة لها عناصرها، ولو طرقناها من باب الطرافة لرأينا أن المحاور العربية في مرحلة قريبة قادها بلدان صغيران ضمن حبات السبحة السعودية!.. فدولة قطر انحازت لخيار (الإخوان) كأكبر قوة أظهرها الربيع العربي، والإمارات عاكست ذلك.. لنرى البلدين بالمنتهى جنبا إلى جنب مع السعودية في اليمن وسورية!
فما هي عناصر قوة الجزيرة العربية!؟
بعد المثل السابق من الدور الثقيل لكل من الدوحة وأبوظبي، هناك مثلان شكليان آخران لكن لهما دلالاتهما الجلية، فقطر أيضا ستستضيف (المونيال) عام 2022 ودبي (الإمارات) ستستضيف معرض (إكسبو) عام 2018، وكلا الحدثين يتم في عاصمتين خليجيتين دونا عن القاهرة وبغداد ودمشق وعمان..وطهران!
في نهايات العامين الأخيرين مكثت على فترتين نحو شهرين بضيافة أهل وأصدقاء في أبوظبي.
ولست أملك بيانات عن العمران والازدهار الماثل، لكن تكفيك مني هذه المعلومة، فقد علمت بأن زعماء عرب ومن دون إعلان رسمي، ودون أخبار وصور واستقبالات وبروتوكولات، يقضون في أبوظبي إجازات (الويك إند) ويستريحون هناك بكل أريحية!
نعم.. الخليج العربي الآن مكان استجمام لزعماء (الحواضر) العربية التي خربها حكم العسكر وثوار الشعارات، فجعلوها مزابل مفتوحة على السماء أو محاور قتالية لسفك دم الشعوب وهدر الخيرات، فيما البناء والنهوض في الخليج العربي، وكذلك الجذب السكاني، والنمو الاقتصادي، والوفرة، والقدرة والملاءة العالمية، والمكون المتجانس (عربي سني) دون لبس أو وهم.
وحتى مع التمنع وبقاء الثقافة القديمة فهذا لا يغير من الأمر شيئا كعنوان عريض في صحيفة مصرية (الخليج يستنجد بمصر)!..أو قول ممثل بشار الأسد في نيويورك بأن الخليج يسيطر على الجامعة العربية، فهذه حشرجات فهم قديم لا يريد أن استيعاب أن العالم تغير.. وأن زمان أول كما يقولون.. (حوّل)!.. فالخليج هو من استنجدت به مصر لا العكس، فألقمها 30 مليار دولار بأقل من عام واحد!.. بعد عامي أنين مصر لأن الإمارات أو قطر لا تتركاها لوحدها!
والخليج هو من فرض على العالم مقولة أنه لا مكان للأسد في سورية رغم كل الفساد والإفساد القذر الذي يمارسه ملالي إيران وحليفتهم الأقذر موسكو.
والخليج من يقود الحلف المحرر لليمن بقوة جوية ماحقة من 1000 طائرة هي الأحدث عالميا، وبقوة جيوش منظمة لا توازيها قوة أخرى باستثناء إسرائيل وربما تركية.
والخليج منه دولة عضو في مجموعة العشرين ومعها تركية، ولا مكان لإيران في مثل هكذا مقامات.
والخليج ينتج يوميا 18 مليون برميل من النفط وباحتياطات تزيد على نصف إجمالي الاحتياطي العالمي من النفط والغاز.
وفي الخليج صناديق استثمار سيادية تعدت التريليون في أبو ظبي والكويت دون حساب بقية الدول.
وحصة السعودية من سقف الدين الأميركي تبلغ نحو تريليون دولار وهناك ثلاثة اضعافها في الاقتصاد الأميركي (سندات وأسهم) ومدخرات للقطاع الخاص تقدر بـ 10 تريليون دولار، فضلا عن عنصر الثقل المتركز مع الحليف الأميركي بتسعير النفط بالدولار، هذا فوق بنية جاهزة وعاملة من هيكلية الاقتصاد الحر.
بالتالي نحن نتحدث عن قوة عالمية ضخمة غير قابلة للمساومة أو البيع تحت الطاولات ولديها قدرة على عقد الصفقات والتأثير على القرار الدولي وهو ما رأيناه فيما يتصل بإيران مباشرة، فالخليج تحمل انخفاض أسعار النفط لتمريغ وإخضاع أنف إيران في مفاوضات الملف النووي، والخليج امتلك القدرة على تهديد صريح غير ملتبس بأنه سيمتلك القنبلة النووية إذا سمح المجتمع الدولي لإيران بامتلاكها، وهذه أهم أوراق مفاوضات الملف النووي.
والخليج الآن صاحب قرار مشارك فيما يحدث في سورية والعراق، وهو صاحب (المبادرة العربية للسلام) بخصوص الحقوق الفلسطينية كخيار وحيد أمام المجتمع الدولي إذا أراد فعلا إنجاز حل معقول للقضية الفلسطينية، وهو (الخليج) يملك شراكة فاعلة مع الاتحاد الأوروبي والصين والهند والبرازيل وكل أسواق العالم الرئيسية.
وفيما يفرح النظام الشمولي الخرب في طهران بمكالمة هاتفية بين رئيسه حسن روحاني وسيد البيت الأبيض يعقد هذا الأخير القمم مع زعماء الخليج ليراضيهم، بل ويتمنع بعضهم عن الحضور فيتصل به الرئيس الأميركي معربا عن التعاطف والتقدير!.. فيما الأحلام الموهومة لأنصار إيران تعلق الآمال على لقاء بين الحوثيين والـ C.I.A تستضيفه مسقط من أجل إطلاق سراح رهينة أميركي!..
إن المشهد شديد الجلاء والوضوح ولا يتغشى أو يستعمي عنه غير الأعداء والحمقى.
وأختم بما هو من التاريخ.. فالمسألة هي أن القرار السيادي للأمة عاد إلى الجزيرة بعد غياب نحو 13 قرنا.. عادت الجزيرة لتكون رأس الرمح المدبب في صدور الأعداء المتربصين، ومثلما خرج الثلاثة الكبار (علي وطلحة والزبير) المتبقين من العشرة المبشرين بالجنة من المدينة بعد استشهاد رفيقهم عثمان على يد قتلته المجرمين الذين استباحوا المدينة واحتلوها وفرضوا عليها منطقهم مستغلين قلة عدد رجالها بسبب ذهاب معظمهم ضمن جيوش الفتوح الإسلامية.. مثلما خرج هؤلاء فخرج معهم القرار من الجزيرة، ها هو يعود إليها معززا مكرما.
هذا هو المشهد وبكل تجرد.. وإيران تفهم هذا تماما لكنها غير مؤهلة لأن تستوعبه، لأن عقلها الحاكم لا يسكنه شيء أكثر من الجهل والغباء.


أضف تعليق