يظن الإيرانيون أن نظامهم لم يسبقهم إليه بشر سواهم، فيصح أن نذكرهم بأنا سبقناهم بهذا (التميز)! عبر التجربة الناصرية الفردية التي أوردتنا المهالك.
وسنبدأ من من الذروة لنقول لهم ومشايعيهم بأن علي خامنئي (مرشد) إيران إن كان هو هو لأنه ولي فقيه ينوب عن إمام غائب منذ 1400 سنة فإن جمال عبدالناصر كان عند عشاقه النبي المرسل!
استعيد في المقام هنا ما كتبه نزار قباني في رثاء ناصر يوم قبضت روحه وارتفع إلى الرفيق الأعلى في السماء!.. من الشعر:
قتلناك يا آخر الأنبياء
قتلناك
ليس جديدا علينا
اغتيال الصحابة والأولياء
فكم من رسول قتلنا
وكم من إمام ذبحناه
وهو يصلّي صلاةَ العشاء
فتاريخُنا كلّه محنةٌ
وأيامنا كلّها كربلاء!
ولعل الفقرة الأخيرة تعجب هوى إيران!
وهذا كذب طبعا!
فناصر ليس نبيا لأنه لا نبي بعد النبي، كما أن إمام خامنئي الغائب منذ 14 قرنا لم يظهر بعد ليخفف الحمل عن نائبه المرشد!
وفي ذات الإطار فإن كان خامنئي الولي المهاب، فناصر ما كانت الناس تجرؤ على إعطائه ظهورها وهي تفارقه وهي منحنية وتخطو بتؤدة إلى الوراء، ومثلما لخامنئي ماكنة من المطبلين والواهمين والحالمين والموتورين والمتحمسين والرعاع والمتخلفين عقليا، أيضا كان هناك ناصريون مثلهم وحتى الآن!
والمدهش أن ما تراه العين حاضرا مع خامنئي وقبله سلفه المعلم الخميني، وما تحفظه الذاكرة عن ناصر، ليس رأيا أو تباينا في المواقف، بل وقائع واقعة، ونتائج حاضرة تعج وتطفح بالبلاء ولعق الهواء!
ومع ذلك تجد هذه النوعية الكئيبة من الأنظمة من يدافع عنها ويعتبرها رهانه الأكبر لللفوز برغد الدنيا ونعيم الآخرة مع أن الواقع الفعلي هو جهنم الدارين!
جاء ناصر بانقلاب أسماه ثورة وخلال عامين خسر السودان، وبعد عامين خسر سيناء، وبعد أعوام خسر سورية وتمرغ باليمن ثم سحقته إسرائيل بنكسة 1967، وجاء الخميني سلف خامنئي وبرميل النفط بـ 40 دولارا فصار بـ 7، وجاء وجيش إيران الرابع في العالم فمرغه جيش العراق ثماني سنوات في التراب!.
وجاء خامنئي وسلفه للسلطة وإيران شرطي الخليج، فصارت بغيضة الخليج.. وقتل منذ يوم إيران الأغبر مع هؤلاء مليون إيراني ودكت مدنها بالصواريخ، وبدل أن تكون وجهة سياح فرحين، صارت محط زوار حزانى، وها هي بعد 40 عاما سعيدة بزيارة وزير خارجية لفرنسا، وترقص طربا لأن رئيس إيطاليا سيتفضل فيمرها، وتفشت فيها البطالة مع المخدرات، والإيدز مع الممنوعات والمهربات، وضاق شبابها ذرعا بالدين وأهله ففيها نسبة من أعلى نسب الإلحاد وهجر المساجد.
لكن إيران تجد ما تواسي نفسها فيه، تماما وبوجه الدقة كما فعل عبدالناصر، فهي دولة امتلكت التكنولوجيا النووية عبر قضبان أجهزة الطرد المركزي، بالضبط كما امتلكها جمال عبدالناصر عبر مفاعل أنشاص، والمركز القومي للبحوث الذرية!
وهي تتباهى بالصواريخ، مثله ناصر صاحب القاهر والظافر والناصر.
واضرب من أمثلة التفوق والنصر ما تشاء!
وليس يعني هذا أن خامنئي غير طيب.. فقد كان ناصر طيبا، ومثلهما هتلر، وستالين، ومتخلف شمالي كوريا.. فالتاريخ يقول بأن بان هؤلاء كانوا في غاية الروعة، وأن عشرتهم وعطفهم على الفقراء ليس له حد!.
ناصر مثلا حظر على شعبه الجمع بين وظيفتين (هذه الميزة نقلها الجيش الإداري المصري للخليج)..- لماذا!؟.. لا تعرف- فكان المصري راضيا بنصيبه، ويعيش على (قد الحال) ويصفق بنفس الوقت لزعيمه العالمي الذي أسس عدم الانحياز فقهر روسيا وأميركا ووحد مصر والهند ويوغوسلاقيا مع نهرو وتيتو!
ولأنه يحب الشعب، فكان في كل ذكرى ثورة يخطب فينصت له عشاقه العرب، فيزبد ويرعد ويدمر إسرائيل ثم يقرر خفض أجور الشقق ليصفق الناس، حتى أنه من كثرة ما خفض أجور السكن توقف الناس عن بناء البنايات.. وتوقف العمران، لكنه ولله الحمد أنجز سدا عظيما عظيما عظيما جدا اسمه السد العالي!.
وقد طنطن عشاق ناصر لبناء السد العالي وكأنه ردمُ ذي القرنين، مع أننا نعلم الآن أن أثيوبيا تبني سدا أكبر من دون أن نعرف اسم أم رئيس وزرائها!
وكما إيران الخامنئي الذي قوله لا يرد، كان الحديث صاخبا عن دخول مصر عصر الفضاء، واكتشاف بترول أعظم مما لدى السعودية وصنع حاملات الطائرات، ولأنه نمودج السعادة والنصر، فقد استنسخت دول أخرى أشباها له، فجاء القذافي إلى ليبيا، وحافظ الأسد إلى سورية وصالح لليمن وبومدين للجزائر ألخ، وخلال سنوات كانت كلها خرابا يبابا!
وهكذا نظام الخميني، فلأنه مفلس يعج بالجهل لمشروع الدولة فقد اهتم بالخارج، وبدأ بتصدير الثورة، لكن الوضع كان غير.. فناصر يكفيه ضابط وبضعة جنود لتقوم الثورة بينما كل ما حول إيران دول غير شيعية على شاكلتها، فكان صعبا تصدير الثورة على طريقة يا شعبنا البطل إنا إلى فلسطين ذاهبون، فصارت إيران الثورة ولي أمر الأقليات!
ولأن الأقليات يا حبيبي لا يمكن أن تحكم الأغلبيات، فكان الحل بزرع الدسائس والفتن، وها هو المشهد يطل أمامك بكل تجرد ومن دون أي التباس، فسورية جاهزة ليوم القيامة، والعراق أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واليمن يجري إنقاذها عبر حرب مكلفة، ولبنان يتجه سريعا إلى نموذج الصومال!
يمكن ضرب المزيد من الأمثلة على خراب إيران نفسها، تماما كما هي التركة العلقم في مصر، لكن اللوم ليس على هؤلاء الحكام.. بل عشاقهم.. الحمير.


أضف تعليق