كتاب سبر

رغم أنف إيران.. سيادة العرب عادت إلى جزيرتهم وخليجهم!

كم جُحدت الجزيرة العربية، وكم ظُلم شعبها جراء ما لقي من الظلم والإقصاء والاستهانة ممن هم أدنى منه مرتبة وشأنا.

حتى وقت قريب غير بعيد كانت آلاف البيوت في (حواضر العرب) وتركية وإيران خارج الجزيرة في فترة ما قبل الدولة السعودية أفضل من المسجدين الحرام والنبوي.

كانت الجزيرة عند هؤلاء مجرد أعراب متخلفين لا صلة لهم بالمدنية والحضارة.

لكن الزمان دار دورته ولله الحمد والمنة، ليس لإنصاف أهل الجزيرة فقط، وإنما لاعتدال الحال العربية العامة وإعادة بنائها على أساس قويم، مطابق للشرع والفطرة.

وها قد عادت بلاد أصل العرب وأصل البشرية كلها، ومهبط وحي الختام، لتعمر وتزدهر، فيما الخراب يعم عواصم هؤلاء المتعجرفين

فانقسموا بتدبير الله وفضله إلى قسمين: قسم يتسول الجزيرة دون أن يمنع نفسه عن شتمها، وقسم كـ إيران وأشياعها يحقد ويحسد ويعتدي ويتمنى الخراب بينما هو الذي يلفه الخراب!

فالله بالمرصاد ولا بد أن يعزّ دينه ويحفظ لب وأصل العرب، فيمنحهم نصره وفضله وبركته ويصونهم من كل عدوان وكل نية ومقصد سوء، ذلك أنه لا إسلام من دون العرب، ولا عروبة من دون الجزيرة، ولا حصة لإيران بكل هذا، والله معز دينه ليبلغ كل أفق ولو كره الكافرون، وولو كره المشركون.

وفي البدء لا بد من تبيان أني لست من عرب الجزيرة في الأصل القريب، وإن كنا أساسا من الجزيرة، فأنا من فلسطين لكن عروبتي ومعرفتي للحقيقة تلزمني سبيل الحق، والواقع يجبرني على الصدق مع الله وليس البشر.

كان قصر السلطان في استانبول، واستراحة إسماعيل شاه الصفوي في إيران بمساحة مكة ومسجدها، ولم يفكر هؤلاء بإزالة حتى الغبار من المسعى حيث “إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين” آل عمران 96.

كانت الزركشة والزخرفة والتذهيب والتتحيف لتذهب لمساجد لا قداسة لها غير كونها مساجد، فجميعها ليست ممن قال عليه الصلاة والسلام عنها: :(لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك.. ومسجدي هذا) أو كما قال..

يقول الله سبحانه وتعالى: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير” الإسراء 1، ويقول تعالى: “ربنا إني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون” إبراهيم 37، ويقول سبحانه: “وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم” البقرة 127، ويقول جل وعلا: “ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم” البقرة 128، ويقول تعالى: “ربّنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم” البقرة 129، فالدعاء لله بأن يهب هذه الذرية (الكتاب والحكمة)، ويقول تعالى: “ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين” البقرة 130.

وهل بعد كل هذا من خير أو من اصطفاء!؟

ما الذي تريده أدلة أكثر من هذا؟

لذلك لا يغرنك ولو جعلت إيران من قبر الخميني كعبة، وفي تبريز أو سواها مسجدا حراما، فهي وشأنها، والله ناصر دينه وهو خير وأبقى.

فالحكم أن جزيرة العرب ستعمر وتصبح قبلة الدنيا كلها رغم أنوف ملالي إيران، وهم لن يبلغوا مستواها بأحلامهم، وليس في هذا أي غرابة لأنها إرادة الله سبحانه وتعالى، فأرض الجزيرة هي التي اختبرت فجرى اختيارها لتكون مهبط ومنطلق رسالة الختام للبشرية.

وقد تطابق هذا مع إرادة الله الأولى في (خلافة الأرض) بأن جعل مكة المكرمة موقع (أول بيت وضع للناس) كما ينص القرآن.

ومعلوم أن من بناه (البيت) هم الملائكة فآدم في البداية لم يكن له عزم حسب القرآن، وكان أزله الشيطان مع زوجته قبل قرار الهبوط من الجنة، وهو أصلا كان سيهبط منها بكل حال لكنها تدابير الله سبحانه وتعالى، ففترة مكوثه في الجنة – وهي بالتأكيد غير جنة الخلد – كانت فترة للتأهيل والتدريب على مهمته الأساسية في خلافة الأرض وعمارتها، ومن ثمّ النجاح باختبار الفلاح والصلاح والعدل وعبادة الله فينال الجنة.

ولا بد أن آدم تطور بعد ذلك فصار له عزم بدليل أنه صار نبيا، والله لا يبعث أنبياء غير ذوي عزم!.. فآدم عاش مئات السنين كإنسان أول (خال من الأمراض الوراثية)!.. وهنا نشأت منه ذريات وأقوام منطلقها مكة، ومع الوقت نشأت أول مدنية في الأرض وهي من العرب الخالصين غير الملوثين باختلاطات الأمم الأخرى، فالعرب هم أنقى الأمم وأصفاها نسبا.

ولهذا تجد التشريع القرآني في الحج يخاطب (الناس) وليس المسلمين تحديدا، وإن كان شرط الإسلام مسبق للحج كونه من شعائره، لأن الناس تعود لتطوف ببيت أبيها الأول (آدم) فكأنها عملية (تصفير) لعداد القلب والذهن وعودة للفطرة الأولى، والدوران بنفس اتجاه دوران الكواكب والمجرات والمجموعة الشمسية ليضاف إلى ذلك ما نجم عن جعل البيت (مسجدا) عبر إبراهيم من السعي لتجسيد مسألة الرزق والوقوف (عرفة) حيث التقى آدم وحواء بعد هبوط (كبسولة) كل منهما من السماء، وكـ (بروفة) ليوم الحشر، ولكن بالملابس الواحدة لعدم التفريق والتمييز بيبن الناس فكانت هذه الأرض هي الحرام.

ولما اختيرت ذرية النبوة من إبراهيم، كان له فرعان تحددا عبر ابنين خلال بشارتين: الأولى “وبشرناه بغلام حليم” وهو إسماعيل، والثانية: “فبشرناه بغلام حليم” الصافات 101 وتفصيليا: “وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب” هود 71 فالغريب أنه بشّر بالولد وابنه.. ثم بدأ الخطان معا (تقريبا)، خط إسماعيل وهو يرفع القواعد من البيت مع أبيه وخط إسحاق ثم حصريا في ذرية يعقوب فكان منه كل الأنبياء التالين باستثناء إسماعيل وما بعده (محمد)، فكان يوسف وشعيب وموسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى، ليبلغ كل هؤلاء عليهم الصلاة والسلام رسالة الله، فلا تستقيم أقوامهم لرسالة الإسلام إلا فترات يسيرة بدليل حاجتهم (بني إسرائيل) لنبي كل 300 سنة تقريبا!

وحدث هذا على الرغم من كثرة ما أعطى الله عبر رسله هؤلاء من الآيات والمعجزات المادية الفورية، كإحياء الموتى وموائد السماء والسحاب المظلل وشق البحر.. ألخ مع الكتب، بينما (عرب الجزيرة) صمدت الرسالة بين ظهرانيهم ومن دون كتاب خاص بإسماعيل، ومن دون معجزات حسية، وظلوا مسلمين نحو ألفي عام إلا قليلا.

ومن أدلة ذلك أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (الثاني من فرع إسماعيل عليه السلام فقط ورسول الختام) عندما بُعث كان هناك أحناف إبراهيميون، فكان ما يزال على دين الحق أشخاص لم يشركوا ويعظموا حجرا أو بشرا من دون الله، ظلوا متعالين مترفعين عن التقرب لله بالأصنام وظلوا على دين الفطرة، فكان معنى ذلك أن عرب الجزيرة بخصائصهم ولغتهم وطبيعتهم، وبعد اختبار دهور متوالية أثبتوا أنهم أجدر وأقدر وأقوى وأحق بحمل رسالة الختام للناس.

وهذه ولله الحمد ميزة لم يحصل عليها أي من الأمم الأخرى، فلا فرس ولا ترك ولا روم ولا قوم على وجه البسيطة، بل عرب بقرآن عربي ونبي عربي.. حيث الشرف هنا والقيمة ليست للعرب كأمة فقط، وإنما لبلادهم محل هبوط جد كل الناس، وموقع الوحي لرسول كل الناس.

هي أرض مباركة وحرام وليس مثلها أرض لا في الشرق ولا في الغرب، ولا في شمال أو جنوب، وحبة الرمل في شعاب مكة وأنحائها وفي أرض الجزيرة تعادل قارة بأسرها، فهنا بدأ الناس والحضارة والمدنية وأول البيوت، وآخر الوحي، والقرآن العظيم النور والرحمة والبشرى والهداية وروح الله.

وهنا أهل النبي وصحابته كلهم من العرب، وهنا يأتي الغزاة المعتدين فيأتيهم سلاح الله الجوي طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل مع أنه لم يكن بين ظهراني الناس لا إسماعيل ولا محمد!.

ثم دارت الأيام بعد اكتمال الرسالة، فوقع خلل وارتباك وكان من شقين:

الأول حصول فراق بين حملة الرسالة العظام وأرضهم، والثاني بلوغ الولاية على دولة الإسلام غيرهم!

الأول تمثل بخروج علي وطلحة والزبير من المدينة بعد أن احتلها الخوارج، ثم استشهاد عبدالله بن الزبير (أمير المؤمنين) في مكة على يد الأمويين، والثاني كان بأيلولة الخلافة الغير العرب (العثمانيين) فكان انهيار دولة الإسلام الواحدة بأيديهم هو العبرة بأن الرسالة يجب أن تبقى بيد العرب.

نعم.

فقد قتل المتمردون الأشقياء أمير المؤمنين ذو النورين عثمان بن عفان واحتلوا المدينة، فلم يبق للناس غير علي أحق بالولاية، فقبلها بعد تمنع، ولأنه مسؤول وليس من سواه كان لا بد أن يتولى المهمة كأمير لهذه الأمة، لكن ممارسته لسلطاته ما كانت ممكنة وسط هؤلاء الحمقى المتمردين، فكلمة سيوفهم هي العليا، والناس غير مصدقين أن أميرهم الشيخ الكبير قد قتل، والرجال في الجهاد ضمن جيوش الفتوح عند التخوم فكان لا بد من مغادرة المدينة (المحتلة) إلى البلاد الموالية، ممن يعرف أهلها الرسالة، ويعرفون من هو علي ومن معه، فجرت (الهجرة) إلى البصرة ومن ثم الكوفة، وبغض النظر عما جرى من فتنة (الجمل) وما بعد ذلك في صفين، – فليس هذا لب الموضوع الذي أتناوله – فإن الخلاصة هي أن السيادة انتقلت مع أهل السيادة من مدينة النبي إلى خارج الجزيرة، فحكم علي من الكوفة نحو خمس سنوات، ثم حكم الحسن بن علي نصف سنة حتى تنازل لمعاوية في صلح (عام الحماعة).

ثم انتقلت دار الخلافة والسيادة إلى دمشق فبغداد، وتنقلت مراكز الثقل هنا وهناك، وصولا للحقبة التركية فالاستعمارية والمرحلة الوطنية والجزيرة قفراء مهملة، لا يتذكرها أحد إلا في موسم الحج.

ثم إن الله أنعم على هذه البلاد بالخير عبر النفط، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار بحكام عقلاء فلم تصلهم موجة الانقلابات العسكرية، ولا الأحزاب القومية واليسارية، وبالقدر المحتمل من فساد أو أخطاء أو عدم انضباط والتزام الحوكمة ظلت المنطقة تنمو وتبني وتراكم على مجتمعاتها خيرا وفضلا ومنعة وقوة، بينما الجهة الأخرى المقابلة ذات عواصم السيادة غارقة بحكومات مغامرة وحروب عبثية، وايدولوجيات غريبة، وفساد ظالم، وقسوة فاجرة، فرأينا هذه البلدان (العراق وسورية ومصر وما بعدها) على وشك التحطم والانكسار التام، فكانت الجزيرة العربية دائما المنقذ والوسيط والمعتدل والمنجد والمعين، على الرغم من نظرة دونية متواصلة.

وها نحن مع إيران نجد مضاعفات العداء والغيرة والحسد، بل الجهل، ففارس تبغض أرض الجزيرة لتعصب قومي، يواكبه اختلاف مذهبي، لتتفوق على ما لدى عرب الشمال من الغيرة والاستصغار، فهي متوالية من الانحراف بفهم التاريخ والرسالة.

ولما وقع الانهيار في الشمال، وفاض الوهم الفارسي عن حدود المعقول، كان من الطبيعي أن تعود الراية إلى أرض الجزيرة فيحملها من هو أحق بها، فأتاحت الفرصة التي أوجدها الجنون الإيراني بمد اليد ناحية اليمن الرد الصاعق الساحق، ويسر ذلك تراكم القوة والقدرة لدى الجزيرالعربية ، فإذا بذلك يتجلى تاريخيا دون التباس أو مداورة: هو القرار عائد إلى أصله، فإذا كانت الكعبة هي القبلة والمحج، فجدير أن أهلها هم حملة الراية.

ولم لا يكون ذلك؟

ما المانع؟

بل هي كما قالها الخالد بن الفيصل، “حنا العرب يا مدعين العروبة.. وحنا هل التوحيد وانتمله أجناب”.

لهذا ترى هذا الجنون يغلف كل سياسات وإعلام إيران وغيرها من الغيورين والمبغضين، فهم يدركون معنى التحول الذي وقع، ولكنهم في طغيانهم يعمهون.

إنما هي سنة الله وما يطابق رسالته أرضا وأهل جدارة وبأس وحلم، والجزيرة العربية هي المقدمة والابتداء، ولإيران وأمثالها الهزيمة وخيبة الرجاء.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.