فتح سؤال للكاتب المصري الأستاذ سلامة عبد الحميد أحد شركائي في تويتر، شهيتي للكتابة عن مفهومي الخيانة والشرف في شأن القضية الفلسطينية، وهو مفهوم مختل فلسطينيا وليس عربيا فقط، فهناك فلسطينيون من شعبي لا علاقة لهم بالقضية إلا بهواية الدبكة كرقص، والمقلوبة كطعام والثوب المطرز للفشخرة!
ويتصل الأمر بالنظرة إلى الأميركيين كزعماء غرب مؤيد للعدوان اليهودي، وهل أنت عدوهم فتصير شريفا أم معهم فتصبح ضد القضية.
في مثال قريب على هذا، صدع رؤوسنا الانقلاب العسكري في مصر بأن أميركا تدعم الإخوان واخترع قصصا لمعركة مع أسطول أميركي جاء لنصرة الإخوان، وظهر الرئيس عبدالفتاح السيسي كبطل للتحرر من هيمنة أميركا وسحق عملائهم الإخوان، فإذا بالسيسي يقول بأن العلاقة مع الأمريكان لم تنقطع لحظة واحدة.. وهذه الحقيقة فعقدة المسألة أن العلاقة غير حميمة بسبب قانون يحظر العلاقات مع حكومات انقلابية، وإلا فالعلاقة مع الأميركان بل وحتى الإسرائيليين سمن على عسل!
والأميركيون لم يقصروا من جانبهم، وبذلوا جهدهم لتكييف ما حصل على أنه ليس انقلابا ليتخلصوا من الحرج التشريعي فما أمكنهم ولذلك ترى العلاقة خجلى وغير حميمة ظاهرا وإعلاميا باعتبار أن الحكم المدني حسب القانون الأميركي لا يلبيه مجرد قول سيدة عبيطة “شاتب يور ماوس أوباما” أو (فشخة) عكاشية للبيت الأبيض، أو خلع جنرال بزته العسكرية وارتدائه ربطة عنق!
ومثل هذا التجسس والعمالة الإيرانية للأمريكان مع أن الشعار المعلن منذ انطلاق دولة الخميني الإلهية هو الموت لإسرائيل والموت لأمريكا، فإذا بملالي الماورائيات يشتغلون مساعدي سخرة للأميركان في احتلال أفغانستان واحتلال العراق بل يشترون السلاح من إسرائيل ويقبلون الحذاء ليصبحوا شرطي المنطقة!
ومن ارتدادات ذلك أن خصيان هؤلاء في العراق الذين جاؤوا إلى العراق على ظهر الدبابة الأميركية لكنهم يشتمون أمريكا ويسبونها لأنها ضدهم، ثم نراهم يجلسون في البيت الأبيض وفي مؤتمرات تنعقد في حماه بأدب وحزن وندم البغايا سجينات شرطة الآداب ومكافحة الدعارة، فيدير الرئيس أوباما لهم مؤخرته ولا يغضبون ولا يثور عليه دمّهم ومانعتهم وعبوديتهم!
ومثل هؤلاء أبطال ما يسمى بـ (الممانعة) من حسن نصر الله إلى بشار الأسد وقبله أبوه حافظ، تفزع لهم روسيا بالتنسيق مع إسرائيل، فيهللون ويضمون فلاديمير بوتين لأهل البيت القرشي لأن انتصر لهم على أميركا ليبقى رئيس طائفي لسورية، يؤازره طائفيون جهلة، لم تضع منهم البوصلة فقط بل هي غير موجودة أصلا، لأن مؤشرهم الوحيد هو التطاول على أغلبية الأمة (السنة) في حقد عجيب يصل حد (دعر) العين برسم حلم هزيمة السنة!.. لنصل بمثالهم حتى جمال عبدالناصر الذي كان يتعيش على مغذيات العداء لأميركا فلما انهزم وتمرغ أنفه بالتراب، استقال لصالح نائبه زكريا محيي الدين ذو الهوى الغربي والكاره للاشتراكية، ولو سألت محمد حسنين هيكل مصلي الوتر والشفع حتى الآن لعبدالناصر، لماذا يا أستاذ هيكل أراد عبدالناصر هذا؟.. لقال لك لأن زكريا كان مفضلا عند الأميركيين!
ومثل هؤلاء وهؤلاء، جميع هؤلاء وهؤلاء من أمثلة لا تعد ولا تحصى على (علاقة) مع إسرائيل أو (تبعية) لأميركا مع مقولات (الإدانة) أو (الشرف)، فقطر يرتفع فيها علم لإسرائيل ومثلها سلطنة عمان، وتستقبل وفدا إسرائيليا فهي عدو للقضية الفلسطينية، فيرد عليك أحدهم: ولكن الفلسطينيين أنفسهم لهم علاقات باليهود وهذا أبو مازن يقبل بنيامين نتنياهو ويسلم عليه، وهذه حماس تأمل بحوار مع واشنطن وهذه صورة اجتماع سعودي مع إسرائيل وهناك اتفاق سعودي إسرائيلي على استخدام أجواء السعودية لقصف المنشآت النووية الإيرانية وهناك ما تحت الطاولة غير ما فوقها وووو ألخ..
ولو أسهبت بضرب الأمثلة لما انتهيت لأن الحقيقة أمرّ من هذا، وهي مجردة وعارية تماما، فما يقال ليس هو الذي يتم على الأرض لسبب ولا غيره، هو أن الأمة مرت وتمرّ بمرحلة ضعف لم يسبق لها مثيل وهي بالنتيجة حتى كخرائط حدود رُسمت بواسطة الاستعمار (سايكس بيكو) و (مؤتمر يالطة) و (مؤتمر لندن) و (معاهدات الحماية مع الدولة العنجليزية البهية)!.. ألخ من ترتيبات الهيمنة الاستعمارية على العالم فليس من شعب عربي صانع لبلده، وكل المسميات والكيانات ترتبت على قسمة نفوذ بين الإنجليز والفرنسيين وتاليا الأميركان، ومثل هؤلاء وهؤلاء كان قرار زرع دولة اليهود، وكانت نكبة فلسطين فسبعة جيوش عربية عام 1948 تحارب اليهود الموعودين بوعد بلفور عام 1917 بينما مستشاريها العسكريين من الإنجليز!
بالتالي فإن الأمر لا علاقة له بالخيانة ولا بالشرف بل بضعف وهوان للأمة لا سبيل للخروج منه إلا بتعزيز القوة والقدرة وبناء الذات سواء في ظل علاقة مع الأميركيين أو غيرهم حتى يستقيم الميزان، فتكتمل عناصر النصر فيتحقق.. لا بديل له للأمة ووقبلها الدين ورسالته.
نحن جميعا كعرب نعاني من العجز وهو ناجم عن: أولا عدم الإيمان واتباع طريقه الصحيح، وثانيا عدم القدرة العامة اقتصاديا وإداريا وعلميا.
وسأبدأ بأكبر الدول العربية، فلقد حارب جيش مصر من أجل فلسطين مرة واحدة فقط لا غير، وهي التي تمت عام 1948 في العهد الملكي وحوصر فيها بقيادة (الضبع) وأمكن له بعد جهد جهيد وحسب الهدنة التي لا مبرر لها الاحتفاظ بغزة.
بعد ذلك حارب الجيش المصري العدوان الثلاثي في 1956 (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) بعد تأميم قناة السويس واحتل اليهود سيناء وغزة وفرضوا نزع سلاحها، واحتلتهما القوات الدولية بعد الاتفاق على الانسحاب الإسرائيلي بإنذار أيزنهاور لفرنسا وبريطانيا وإسرائيل من أجل عبدالناصر!
ثم انشغل عبدالناصر بالانقلابات، وبحرب اليمن والمحاور المتنازعة على كعكة الشرف، فلما خاض مغامرة إغلاق مضائق تيران – وهي جزر سعودية مؤجرة لمصر لمدة 99 سنة حتى تتجنب السعودية عوار الرأس ضمن حدود مباشرة مع اليهود – قامت حرب 1967 فاحتل اليهود الجولان والضقة والقدس وغزة وسيناء!
بعد ذلك قامت حرب أكتوبر من أجل استعادة سيناء لا لتحرير فلسطين ولا حتى غزة، ووقعت اتفاقيات الفصل برعاية أميركا وانتقلت مصر من روسيا إلى أميركا، فصار جيش مصر يتسلح من أميركا، وعبر المساعدة العسكرية صار جنرالات مصر جميعا كمؤسسة تابعين ومنسجمين مع الأميركيين ولا يفعلون شيئا بغير علمهم، وهو ما رأيناه عندما كان سامي عنان في واشنطن مع نشوب ثورة يناير، فعاد لينقلب على حسني مبارك وفق تعليمات الأميركيين وبالمسطرة والفرجار، فلما وصل الحكم للإخوان لم يخرجوا عن الطوع الأميركي وظل السلاح للجيش يتدفق وظلت مصر راعية لاتفاق الهدنة بين حماس وإسرائيل ومنفذة لكامب ديفيد!
فالمسألة ليست فكرا ومبادئ بل واقع قدرة وطاقة يعرفها كل من يحكم أي بلد عربي خصوصا البلاد الرئيسية فهناك معادلة لا يمكن خرقها إلا إذا تغيرت المعادلة.
وسأمر سريعا على دول أقل شأنا ففي سورية أعلن حافظ الأسد سقوط الجولان عبر الإذاعة قبل يومين من انتشار الجيش الإسرائيلي فيها، والجبهة السورية الإسرائيلية لم تشهد إطلاق رصاصة واحدة فليس هناك أي خطر من سورية على إسرائيل في ظل حكم الطائفة العلوية، لأن العلويين عبر التاريخ كانوا خونة ولم يكن لهم أو أي من الطوائف الأخرى شأن لا بالحروب الصليبية ولا بمواجهة الاستعمار.
وحتى اسم هؤلاء (العلويون) كان من الاستعمار الذي لاحظ هوسهم الهستيري بعلي لدرجة عبادته وجعله إلها آخر يلعب كرة التنس بالمجرات فأسموهم العلويين، وإلا فاسم هؤلاء عند أنفسهم وعند جمهور الأمة العام الغالب هو (النصيرية) فهؤلاء اسما وحلم الكيان لهم عطيّة من الاستعمار الذي يعرف تاريخ هذه الشراذم التي تعاملت معها دولة الإسلام وبعد عشرات التجارب كخونة، ولهذا كانت كل مدن (الثغور) الساحلية من السنة، لينحشر هؤلاء في المعازل ورؤوس الجبال وليس على الساحل الذي بقي من أنطاليا وأضاليا حتى العريش سنيا خالصا.
وقد كانت سورية السنية دائما الخطر الذي يدمر المشاريع الصليبية، ولذلك عقب فشل مشروع الدولة العلوية رتب الفرنسيون مجلسا عسكريا كان هو الذي يحكم من وراء ستار، وهو من سبعة أو خمسة عساكر من قادة الجيش فإذا كان من خمسة أعضاء فإثنان فقط من السنة وإذا سبعة فثلاثة، أما الغالبية فلمسيحي وعلوي وإسماعيلي أو درزي أو حتى من عبدة الشيطان، ولكن لا أغلبية للسنة في أي يوم، لماذا؟ لأن سورية بلد سني خطر يجب قهره، وإذا لم يكن الغرض قهره فلجمه أو الحذر منه.
وبينما تولى القوميون من الأقليات نزع الدين من الدولة وقذفه عن الواجهة هيمنت الأقليات على الجيش، وترتبت معادلة انشغال الأغلبية بالتجارة ثم استقر (التقاسم) الوظيفي فالتجارة والإدارة للسنة والقيادة الضيقة أمنيا وعسكريا للعلوي والتخطيط للأقليات، ولذا كانت صعوبة الموقف في سورية فهي حرب صليبية بالمجمل أضيف عليها هذه المرة اليهود، وفوقهم الصفوية الإيرانية المندفعة بأوهام التشيع والفرسنة، وهؤلاء ليسوا بتاريخ مجرد من مواجهة الاستعمار بل هم حلفاؤه وحلفاء الصليبية والمغولية، أنجاس يعتبرون هزيمة الأمة نصرا لإسلامهم الخاص والحصري.
فإذا انتقلت للحال الأردنية ومثلها كثير فإن مباشرة أي دور غير المرسوم داخل الدائرة القائمة سيؤدي لإطباق شمال الأردن على جنوبه فورا، فالأردن بموقعه المرسوم حسب سايكس بيكو مثل (برغي طنجرة الضغط) له دور التنفيس عن الانفجارات من حوله فهو المرجل المتأجج لقضية القدس، وللدلالة فإن الشواهد أمامنا ففي الأردن مليونا سوري ومليون عراقي والعدد الأكبر من حصيلة اللجوء والشتات الفلسطيني بل حتى قيادته لاجئة إليه، فمركز الهاشميين كان في الحجاز، وضمن تموضعات وترتيبات سايكس بيكو خرجوا منه بمشروع دولة عربية واحدة من طوروس حتى عدن فكانت دمشق هي العاصمة حتى تم إخراج فيصل منها ثم جيء به إلى العراق ليصير مليكها المستورد فخسرها حفيده فيصل بن غازي ليبقى للهاشميين الآن فقط الأردن.
أما السعودية فشاركت في حرب عام 1948 ضمن الجيوش العربية السبعة التي اندفعت لمواجهة المشروع الصهيوني، وهي بلد حليف للولايات المتحدة وليس الانجليز وبتقديري أن مشاركة السعودية كانت تقديرا من الله!
لماذا؟
لأن الله كما ألهم غير بني إسرائيل أن يسموا أنفسهم دولة إسرائيل حتى تصدق سورة الإسراء ألهم كذلك العرب جميعا للمشاركة بحرب 1948 حتى تصدق أيضا الآية الكريمة: “ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا” الإسراء، ذلك أن الذين جاسوا خلال الديار في المرة الأولى كانوا من العرب وتفرقوا إلى هذه البلدان القائمة بمسمياتها فأراد الله أن ينهزموا من اليهود كلهم، أما الأصل فهو أن السعودية إذا كانت مصر غير قادرة على محاربة اليهود فالسعودية لا تملك حدودا مع اليهود وفضاء أرضها مكشوف لسحق جيشها لو اقتربت، من الأرض الفلسطينية وفق التفوق النوعي والنووي الإسرائيلي وهو تفوق مرسوم لأن يكون أقوى من جميع الجيوش العربية مجتمعة وخلال وقت واحد.
فالله سبحانه وتعالى جعل عناصر النصر في فلسطين نفسها وليس خارجها، وها نحن نشهد دورة الصراع في داخل فلسطين لا تستقر لصالح اليهود رغم ضعف العرب، فمصر محيدة بالمعاهدة والأردن أيضا، والعراق بحرب أهلية وكذا سورية ولبنان لم يعد دولة والسعودية تحارب باليمن وإيران تعبث بكل مكان ولا شي تغير!
لماذا؟
لأن الحرب الحقيقية في فلسطين والحسم فيها، فهذا المسجد المبارك من الله حوله في الأرض المقدسة، يمثل شعلة الأمة التي لا تنطفئ، وهو قلب العروبة الإسلامية العمرية الفاروقية تتحطم عنده وحوله المؤامرات مهما اشتدت ومهما ساد الوهن الصفوف.
والوضع الذي نشهده تكرر من قبل فصانع منبر الأقصى في حلب تعرض للسخرية والهزء وهو يصنع المنبر فإذا بهم يدقون بابه بعد 10 سنين يسألوه عن المنبر!
من هنا فليس ينفع توصيف خائن وشريف، فهذه أنظمة تحافظ على عروشها وكراسيها ضمن دائرة كياناتها وهو وضع طبيعي لم نختلقه نحن كعرب بل رسموه لنا، وهي نظم عاجزة ومعذورة ضمن معطيات الميزان الدولي، ونحن كشعب عربي جربنا النماذج كلها من الأحزاب وعساكر الانقلابات وبتقديري فإنه جاء وقت تجربة مشروع ثقل عربي تشكل فعلا وهو قائم سواء أكنت تحبه أو لا تحبه وهو في الجزيرة العربية موطن العرب الأول مبعث وملحد رسول الإسلام الخاتم النهائي فبعد نهوض هذا المشروع في المسألة اليمنية للتصدي للملالي الحمقى فإنه لن يقدر على التملص من مسؤولياته فلا خيار أمامه، وقد قيض الله له عدوا سافرا ظاهرا غير ملتبس يعلن أهدافه الإجرامية على الملأ وهو عدو خارجي الطبع فيكون (بروفة) نموذجية لمواجهة ستكون نتيجتها النصر عليه دون شك لأنه مشروع فارغ مليء بالأساطير البلهاء وليس لديه مخزون إيمان ينفعه، جراء عامل طائفي ضيق يحشر نفسه فيه وعامل قومي منقرض يريد إحياءه، حتى إذا تم الخلاص منه فرضت مواجهة اليهود نفسها حتما.
وحتى ذلك الوقت فإن الأمر لا يتطلب قطع العلاقة مع أميركا لنصبح (شرفاء) ولا نكون (عملاء) ولا أن نشتم الأردن ومصر أو غيرهما لوجود علم إسرائيلي يرفرف في سمائيهما، ففي وقت التمكين سيكون هذا أسهل قرار، وإلا فزعيم الفلسطينيين لا يكف عن شرب القهوة مع رئيس وزراء اليهود!..


أضف تعليق