كتاب سبر

النظام (الرئاسي) الإيراني.. رئيس السوبر ماركت!

لا يوجد شيء في إيران (الدولة) يشبه شيئا في العالم، فأنت أمام توليفة لا تمت بصلة للفكر السياسي المألوف، فهم حالة خاصة تماما لا ينطبق عليها شيء، ولا مقارنة بينها وبين أي نظام آخر لا قبل المدنية ولا بعدها.
لقد ابتدع الخميني نظاما لم يعرفه أحد من قبل فهو (إمام) مؤقت ينوب عن (إمام) أصلي مختف أو غائب منذ نحو ثلاثة عشر قرنا ويتوقع أن يحضر كل لحظة، فيحكم البشرية بتفويض إلهي بعد أن يقتل الكفار والمشركين والضالين عن فكر (آل البيت ومذهبهم) ثم يقيم دولة عاصمتها النجف تشمل كل أنحاء الأرض!
وبهذه الصفة حكم الخميني إيران وأدارها، وأنشأ مؤسساتها ودستورها.
وقد وقعت بعد عودته إلى طهران إشكالات في موضوعة اسم الدولة فكانوا يريدون اسما يلبي كونها الدولة المهدية أو إمارة المؤمنين، وشيئا من هذا يطابق عقيدتهم ولكن لإشكالات بروتوكولية جرى تسميتها بالجمهورية فكان لا بد من رئيس للجمهورية!
ولطغيان شخصية خميني لم يكن لأحد هيبة خاصة بل انتزعت هيبة المناصب كلها لصالح (ولي فقيه) لا ينطق عن الهوى واجتهاده ليس محل مراجعة إطلاقا، فصار في التطبيق العملي للتجربة يشبه هذا الديكتاتور في كوريا الشمالية أو جوزيف ستالين أو نيقولاي تشاوتشيسكو.. ألخ من تجارب الحكم الفردي.
وقد تم تركيب مؤسسات الدولة (الخمينية) على مقاس ملالي لم يروا العالم ولم يعرفوه، وبينما كان الخميني محاطا بعقول وأدمغة عظيمة في باريس لفتت انتباه العالم ونالت إعجابه فإن الخميني ما أن نزل من سلم الطائرة التي أقلته من منفاه حتى تولاه هؤلاء المقمقمون في قماقم قم على فهم خاص عجيب ونادر، فهم لا يفسرون شيئا كما يفسره غيرهم، ولا يؤمنون بشيء كما يؤمن بها الناس وتاليا هم لا يتخيلون نظاما يمكن أن يقتنع به أحد سواهم.
وهكذا تم وضع الدستور الإيراني دون أن يتعدّ أفق هؤلاء المحدودي التفكير، والفاقدين لأهلية الإنسانية، فهو مثلا الوحيد في العالم الذي ينص على مذهب للدولة، فتم اختراع مؤسسات دولة لم تعرف من قبل.
وكما بيّنت آنفا فهي جمهورية فكان لا بد من رئيس جمهورية، لكن هذا الرئيس يخضع لرئاسة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام ويخضع لسلطات الولي الفقيه ومجلس الخبراء، فهو بالمحصلة (رئيس بروتوكول).
وبوجود خميني كانت الرئاسة لأبي الحسن بني صدر وهو من طاقم باريس لكنهم سرعان ما نبذوه فكان الرئيس هو علي خامنئي (الولي الفقيه) و (قائد الثورة) و (المرشد) و (ولي أمر المسلمين)!.. فبعد كل هذه الصفات ما الذي تريده من فخامة رئيس الجمهورية!؟
ولما مات الخميني استمرت صلاحياته الفعلية ولو غابت شخصيته المعنوية التي لا تتكرر، فكان التشقق الذي نراه في جبهة رجال الدين وانقسامهم لتيارات.
ثم جاء إلى الرئاسة (هاشمي رافسنجاني) وهو رجل قوي لا يخضع كليا للمرشد بل يشاركه السلطة فهو رجح كفته كرئيس لمجلس الشورى (البرلمان) ليرث منصبه الشكلي ويحوله إلى مهم ومؤثر كما كان دائما كشريك للخميني في السلطة ومن المجموعة الضيقة التي تملك أدوات التأثير في إيران.
كان رفسنجاني رجلا ثريا صنع طبقة جديدة تعدت طبقة تجار (البازار) التقليدي وأنتج نوعا من الرأسمالية الحكومية المرتبطة بشراكات وتوظيفات حكومية قبل أن يشتد عضد خامنئي فيهيمن على الاقتصاد عبر الحرس الثوري والاستخبارات، ولكن ظلت هناك قدرة لرافسنجاني على اتخاذ القرار داخليا وخارجيا بعيدا عن استحواذية (المرشد) وفرديته ومنظوره الخاص، فلما انقضت مدة رئاسة رافسنجاني (8 سنوات لفترتين) كان لا بد من انتخاب رئيس جديد فعمل خامنئي على عرقلة مرشح رافسنجاني (محمد خاتمي) لصالح مرشحه (ناطق نوري)، لكن ضغط رافسنجاني أثمر وتم قبول ترشيح خاتمي وفرضه الشعب رئيسا رغما عن المرشد الذي كانت برزت وتعززت ملامحه دولته الديكتاتورية.
ثم شهدنا تمثيل خاتمي للجناح الإصلاحي والانفتاحي ولكن لا كرئيس جمهورية بل ككاتب مقال أو معبر عن الرأي لأن الرئيس عمليا دونما صلاحيات تذكر، فلما أمضى خاتمي فترتي الرئاسة وبإرادة سهلة من الجماهير وهيمن تياره الإصلاحي على البرلمان انتفض المحافظون عبر مجلس الخبراء وغربلوا المرشحين في الانتخابات البرلمانية وأخرجوا (ممثلي الأمة) من صفوفهم هم ثم جاؤوا برئيس شعبي (أحمدي نجاد) يوازي في الشارع فصيلة خاتمي كتنويري.
فبينما كان خاتمي نموذجا مجددا للنظام في عيون العالم الخارجي، فإن نجاد أعاد تجديد النظام في عيون الفقراء والطبقات المسحوقة التي كانت بدأت بالتذمر من (الثورة) و (الولي الفقيه) فجيء لهم برئيس يحلم بالمهدي ويتكلم مع المهدي ولا يقرر إلا إذا قرر المهدي!
لقد أعطى التيار المحافظ الشعب رئيسا معدما من الناحية المادية، ومؤمن حقا بما هو مؤمن به ويتصرف على سجيته فكان بطاقة حظ للمحافظين، فلما جاء موعد مدته الثانية كانت المنافسة والصحوة من جانب الإصلاحيين الذين قدموا مرشحهم (مير حسين موسوي) وهو راديكالي سابق ورئيس وزراء سابق في زمن الخميني ومن الطاقم المؤسس لما يسمى أحزاب الله في العديد من الدول، لكن التزوير تم لصالح أحمدي نجاد وقضي الأمر.
بعد ذلك يئس الإصلاحيون من المنافسة وحسبوا هذا الرئيس (حسن روحاني) عليهم، وهو حسب تراثه داخل النظام أقرب لأن يكون مرشح الكل ويساير الكل ويمثل الكل ومقرب للطرفين، ولكنه في النهاية يعرف حجمه ودوره، ولكنه بالطبع لا يستطيع أو لن يقبل الإقرار بأنه ليس أكثر من خيال مآتة أو ما يمكن أن أقولها وبكل حيادية: إنه رئيس يشبه مدير عام أي مؤسسة مملوكة لغيره، ولأقربها أكثر: هو مجرد مدير سوبرماركت لا يعلم من أين تأتي بضاعته، ولا أين تذهب حصيلة مبيعاته.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.