كثيرا ما يتخذ النقاش مع الملاحدة منحى سخيفا وغير منطقي أو عقلي، ومن ذلك ما كتبه أحد هؤلاء بعد أن قدم رسما مبسطا ليدل على أن القبلة خطأ ففي مكان على الأرض يتجه المسلم ليس إلى الكعبة وإنما إلى كوكب زحل!.. فالموضوع التالي ليس للمؤمنين بل لمن لديهم شك، ممن يرى أن الله غير موجود وأنه لا وجود لخالق، وأن الكون يسير وفق معادلة علمية منطقية دون مهيمن..
وقصة الإلحاد مدهشة وممتعة!
وهي قديمة وكل مقولاتها متكررة معادة، وقبل الإيغال في العمق أود رواية هذه القصة الشخصية خصوصا للشباب الغض الصغير، ففي يوم اتصل قريب مذعورا ولسانه يتهدج وهو يقول: تعال الحق ابن أختك فلقد اتبع جماعات الشيطان.. إنه يؤمن بالشيطان وليس بالله.. فتعال واسمع!
ذهبت هلى مهل فوجدت اجتماعا على مستوى القمة.. والأخ يجلس ويناقش ويثبت أن الشيطان هو من يدير الكون وأنه ليس هناك إله أبدا حتى نعبده بل مجرد شيطان!
وحتى من داخل مقولات (الشاب) فهناك ما ينقض فهمه فوجود شيطان يعني أنه يعاند ما هو أكبر منه ويتحداه ذلك أن الشيطان يهدم فلا بد أن يكون هناك بناءٌ وبنّاءٌ ليهدم الشيطان بناءه.. والهدم أسهل من البناء!.. فلا بد أن يكون الباني أقوى وأهم وأقدم من الهادم!..
لكن دعنا من هذه!
قلت له: فلان.. حبيبي.. هذا الرسم الذي على كتفك للشيطان ربك!.. هل هو حفر بالإبرة ودائم أم رسم بالحبر ويمكن أن يزول!؟.. فقال فورا..لا خالو بالحبر.. هنا قهقهت حتى بان حلقي.. بينما والد الفتى مندهش لأني استخف بالقصة ولا أعطيها الاكتراث الكافي.. فهو يرى أن الويل والثبور قد حل عليه وعلى ابنه.. لأسند ظهري للمقعد وأرفع فنجان القهوة وأرشف منه ثم أقول:
أوكي خالو.. لقد وصلت الرسالة.. ها أنت صرت رجلا وتقرر من خلق الكون.. فخلينا نشوف شطارتك وانجح بجامعتك، وتوكل على الشيطان الذي وصل إليه يقينك!.. أنت أعلنت بيانك الأول بأنك رجل وصاحب قرار ولم تعد طفلا.. وهذا جيد جدا.. ونحن مؤمنون جميعا.. أنا وأمك وأبيك بأنك رجل وأنك يمكن أن تتزوج الليلة، لكن هل تريدنا أن ننفق على رجولتك!؟.. هل ستعتمد علينا أم على ذراعك!؟
لقد انتهى النقاش وأسأل الله لك الهداية وحاول أن تستفيد من هذا الشيطان في جميع أمورك شريطة أن يدلك على طريق النجاح والفلاح!.. وقم وانصرف!
إن السؤال الأساسي في موضوعة الإيمان والإلحاد هو ما أساس الوجود الله أم المادة؟
فإذا كان الله هو الذي خلق المادة فمن خلق الله!؟
فإذا كان سؤال (الملحد) من الذي خلق الله؟.. فالأولى توجيه السؤال: من الذي خلق المادة!؟.. لأنه إذا كان الله ليس الأزلي والقديم فهل المادة أزلية؟
وليس من المنطقي أن تستوعب كـ (عقل) أن المادة أزلية طالما أنت غير قادر كـ (عقل) على استيعاب أن الله أزلي!
هذه نقطة بداية مهمة للنقاش.
فالفرض أن الوجود كان عدما.. وفراغا مطلقا، فكيف ظهرت المادة من العدم وخروجا على مبدأ السببية!؟.. وبالطبع فإن لب عقيدة الملحدين هو مبدأ السببية!
يعني..
عدم..
فراغ مطلق ثم يبرز إلى حيز الوجود إله فهذا مستحيل!
تمام.. جيد..
لكن عدم.. وفراغ مطلق ثم يبرز إلى الوجود مادة!؟.. كيف يستقيم هذا؟
بالتالي لا بد من وجود أزلي أبدي (بلا بداية)، فإما إله وإما مادة، فأيهما أسهل للعقل!؟
أنت لا ترى الله وترى المادة فما هو الإدراك؟
العقل؟
الوعي؟
السيطرة التي تقوم بها على حواسك؟
اتخاذك القرار؟
ما كل هذا؟
هل هناك شيء من الأحياء وهي كلها من روح الله من غير إدراك؟ وغريزة بقاء؟
فالروح لا تحتاج إلى مادة لتتحرك؟
فمن أسس السببية أن كل جسم متحرك لا يتحرك إلا بتأثير خارجي، فكيف نتحرك من دون سبب!؟
هذه أبسط قواعد المنطق.
وهذا متحقق بالجسم والعقل البشري (من دون سبب إطلاقا)، فالله في غير حاجة لسبب حتى يخلق ويوجد ويفطر من اللاشيء شيئا فيصبح المبدأ العظيم المنطقي والعلمي (السببية) منطبقا على المادة فقط، دون أن يمتد إلى الروح والعقل والإدراك وهذا هو محرك فعل البشر بالأرض ليكون حكما، وبالانسحاب المنطقي للمبدأ الذي يثبت وجود الخالق لكل شيء والمهيمن عليه والمنظم لحركة الأشياء في هذا الكون الواسع.
ولنترك هنا المقاربات العلمية على حركة المادة وتماثلها ومردها للأربع مكونات الأساسية (الماء والهواء “الغاز” والتراب والنار “النور”) وأن التنوع ناجم عن كم هائل من اختلاف التراكيب في الجينات والكروموزومات، وإلا فإن الوزن الذري لكل (نوع) هو واحد مع اختلاف أمزجته وألوانه كالعسل مثلا، والبشر.. ألخ
لكن مع ذلك.. أين الله!؟
هل رأينا الله في هذا يا عزيزي الملحد!؟
هل يتعين أن يطل الله علينا من السماء حتى نؤمن به!؟
إنه أولا طلب مستحيل، فالأرض اليوم إلى المجرة (درب اللبانة أو درب التبانة) هي كنقطة حرف (i) إلى الولايات المتحدة!.. والمجرة كلها واحدة من مليارات المجرات، وهو ما يماثل النص الديني بأن الأرض ليست عند الله أكثر من جناح بعوضة.. وهذا للتقريب للعقل البشري فكيف تريد من الله أن يجعلك تراه!؟
لكن أيضا!
اين هو الله؟.. وكيف نستدل على وجوده!؟
في الإسلام وكما كل الرسالات نؤمن بالغيب، ولدينا دلائل منها هذه الكعبة التي تتحدث عنها.. وبالنسبة للكعبة فإنه كان هناك من هم أولى منك ليكذبوا محمدا بشيء قاله عن الكعبة تحديدا وهو معجزة إلهية لم ينكرها أحد من هؤلاء!
ما هي؟
إنها الطير الأبابيل.. فالله يخبر عبر سورة صغيرة (الفيل) تلاها النبي على قريش عن قصة كان منهم من شهدها فعلا ولم يكذبها أحد إطلاقا.
ولم يقل أحد يا محمد: هذه الواقعة لم تحدث!
فلم يرسل الله طيرا أبابيل ترمي هؤلاء القوم بحجارة من سجيل.. فهل الطيور تحركت من تلقاء نفسها!؟
فهي الكعبة التي نتجه إليها كمسلمين لأنه يجب أن يكون هناك شيء ينظم الاتجاه لله على قدر العقل البشر، وهذا يتطابق مع وسطية الكعبة للأرض، ومن دون أن يلغي ما تم نسخه من قبلة أخرى اتجه لها المؤمنون من الأنبياء وآلهم (أتباعهم) وهي القدس، ذلك أن القدس منطلق من الأرض للسماء، والأرض كروية مدحية منبسطة ولو كانت دائرية فهو اتجاه للوجه وهذا منطقي في المادة فإن كنت تريد السفر شرقا سافرت للشرق مع أنك ستصل من الغرب.. ولكن يا أحمق أترى لو أرادت الولايات المتحدة قصف الكعبة بصاروخ فهل ستوجهه صوب الكعبة كاتجاه حسابي أم إلى اليابان ليأتي الكعبة من الشرق!؟
وأنت عندما تسجد لله على التراب ميمما (شطر) الكعبة فهل سيكون سجودك هذا باتجاه زحل! أم الكعبة!؟.. أم أنه إبهار جدل فارغ من المنطق ليس إلا!؟
وإذا أطلقوا صاروخا يحمل مركبة فضائية باتجاه أي كوكب، فهل يطلقوه بعكس الاتجاه لأن الكون دائري مفتوح فأينما سار الصاروخ فسيصل!؟
وقد اتجه المسلمون في العهد المكي إلى القدس تماما كما فعل كل المؤمنين من قبل وكان النبي يتمنى قبلة راودته نفسه عنها مرارا وهي الكعبة، فهي كانت قبلة إبراهيم وهي أول بيت وضع للناس، ولأن الإسلام هو الدين الخاتم فكان لا بد له أن يتميز لكبح جماح الضلال والتحريف الذي وقع، ولم يخالف النبي أمر الله بالتوجه للقبلة الأولى (بيت المقدس) والحديث المنقول عن البراء بن عازب في صحيح البخاري يوضح هذا جليا إذ يقول: “وكان يحب أن يوجّه إلى الكعبة” وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أمام الكعبة المشرفة ولكنه كان يتجه أيضا ناحية الشمال ميمما الأقصى.. وروى ابن عباس: “كان رسول الله يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه” رواه أحمد، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة المنورة بنيت المساجد (قباء) والنبوي، وحصل الأذان (النداء للصلاة) لكن النبي ظل يحب الكعبة المشرفة وكان يحزنه أنه لا يستطيع استقبال القبلتين، فكان يخفض رأسه خضوعا لأمر الله ويرفعه أملا في جواب دعوته، مما يصفه القرآن الكريم:” قد نرى تقلب وجهك في السماء” سورة البقرة 144
وظل هذا الحال حتى منتصف شعبان أي بعد نحو ستة عشر شهرا من استقبال بيت المقدس كقبلة للمسلمين فنزل جبريل عليه السلام بالوحي إلى النبي: يقول تعالى: “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ” البقرة 144.
ووما يروى أن أهل مسجد قباء تأخر عنهم الخبر الذي نزل العصر إلى الصبح وقد وردت بالأمر عدة آيات كريمة هي: “وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” البقرة 149، وقوله تعالى: “وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” البقرة 150، وقوله تعالى: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ” البقرة 143، وقوله تعالى في محاججة هؤلاء المشككين: “سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” البقرة 142،
فهذه الأمة أمة الوسط وأتباعها هم الشهود على الناس.


أضف تعليق