لم يترك القرآن الكريم شيئا إلى وتحدث عنه، لتجتمع في آياته الكريمة الدعوة إلى الصبر، واليقين بالنصر، وأن كل ما يجري مع رسالة الختام من السماء إلى البشر مرسوم ومحدد ولا بديل عنه.
فإذا طبقنا المعايير القرآنية على الوضع الحالي نخلص إلى النتائج التالية:
* أولا: هي حرب مع الفرس المجوس بتلبيساتهم المختلفة قوميا ودينيا حول مكة والكعبة تحديدا، وهي معركة مع اليهود حول القدس والأقصى وأيضا تحديدا.
والأهداف الخفية للأمم خصوصا البائدة والممحوقة، تتلبس عناوين وأشكالا عدة، فاليهود ركبوا الشيوعية والرأسمالية والماسونية.. ألخ، وهو ما ينطبق على العنصرية الفارسية.
وبالطبع فإن هناك من لا دور له إلا كغطاء في هذه الحرب، كيهودي مهاجر ظن أنها أرض الميعاد، أو وطنا يأمن فيه ويحقق أحلامه، وهي كذا لمن يتبعون فارس المجوسية ولو كان مخدوعا وعلى نيته.
والقرآن والمسيرة إليه ككتاب فصل كل شيء، فيه الجواب عن كل شيء، وهذا الدين اكتملت أركانه وانتهت رسالته فصارت واجبة التبليغ لكل البشرية.
لكن المتضررين من الرسالة كثر!..
وأول هؤلاء اليهود، والقرآن يحسمها معهم فيعتبرهم المغضوب عليهم، والذين حطم الإسلام حلمهم بأن يكون النبي الأخير منهم فناصبوه البغضاء، فرد عليهم النبي بالمثل عندما شتتهم وذبح رجالهم وسبى نساءهم وممتلكاتهم (خيبر) وطردهم إلى غير رجعة من أرض الجزيرة العربية موطن أحباب الله.
* ثانيا: الفرس المجوس، فهؤلاء دمر الإسلام دولتهم ومزقها وألغى هويتها التاريخية ومحق لغتها ووزع كنوزها على الفاتحين وسبى ما شاء من نساءها، والمشكلة مع الفرس أن من فعل هذا بهم لم يحسبوا حسابه ذات يوم بل من لم يفكروا مجرد تفكير باحتلال أرضه وضمه إلى ممتلكاتهم فكان (العرب) كمّا مهملا بجوارهم، قد تركوهم وراء تخوم رمالهم وصحرائهم باعتبارهم (في الجيب) فإذا بهم يباغتوهم ويهينون جيوشهم ويقتلون قادتهم ويسبون بنات ملوكهم!..
من هنا يكره الفرس أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة والقعقاع وخالد بن الوليد وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام.. أله بل مجمل الصحابة، ويكرهون عائشة لأنها ابنة أبي بكر وأسماء ذات النطاقين لأنها أختها!..
وكذا زوجها (ابن الزبير) ويكرهون حفصة لأنها ابنة عمر ويبغضون عثمان لأنه زوج ابنتي النبي فيطيح بالاستثناء الخاص الذي رأوه منهم!
وهذه الكمية من الحقد على رموز الإسلام لا يمكن أن يكون الإصلاح غايتها، ولأنها لم تكفِ أضافوا إليها التشكيك بالقرأن والطعن فيه ككتاب محرف!..
وهكذا لا يمكن أن يكون هذا دينا أو عقيدة فهي عملية هدم شاملة، ففوق أن النبي أدى رسالة ناقصة بينما الآيات الكثيرة تفيد بانتصارها وختامها تراهم يريدون إستكمال هذه الرسالة!..
وقد كان من أول ثمرات الضرر اليهودي الفارسي من الإسلام الفتنة التي زرعها اليهودي عبدالله بن سبأ وأدت للثورة على عثمان بن عفان رضي الله عنه، بأوباش مدفوعين من حميّة فارس قدموا إلى المدينة من البصرة والكوفة، فاستباحوا المدينة رغما عن أهلها الذين كان معظم رجالهم في جهاد الفتوح، ثم قتلوا الأمير بدم بارد، تماما كما قتل أبو لؤلؤة المجوسي الذي يقدسونه ويجلونه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
والحلف بين فارس واليهود قديم قدم التاريخ فالامبراطور قورش الفارسي هو من أعاد اليهود إلى القدس من سبي نبوخ نصر بعد أن زوجوه ابنتهم!..
واليهود هم من أعان الفرس على احتلال القدس فلما دخلها الرومان (عند فتح النبي لمكة) كرر الرومان حظر دخول اليهود القدس إلى الأبد، وهذا ما نصت عليه (العهدة العمرية) التي لا تزال موجودة نسختها الأصلية في مرجعية (أنطاكية وسائر المشرق) والتي تحظر على اليهود دخول المدينة.
وقد تكررت نجدة اليهود للفرس بالتقابل خلال الحرب الإيرانية العراقية التي أصر خميني على إطالة أمدها ثماني سنوات لتدمير المنطقة وبهدف (تحرير) كربلاء والنجف، ومن هناك يتجه لتحرير القدس في أكذوبته الكبرى لخداع الأمة، بينما هو يشتري السلاح من إسرائيل وهو ما كشفت عنه وثائق (إيران كونترا) الدامغة.
* ثالثا: النصارى والآية الكريمة توضح الموقف من هؤلاء من دون ريب، فـ “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من وليّ ولا نصير” صدق الله العظيم البقرة 120.
والنصارى ليسوا على قلب واحد وهذه رحمة الله بالمسلمين، فالنصرانية اليوم أديان متفرقة بينها عداوة وبغضاء إلى يوم القيامة وهذه، فالنصرانية منقسمة إلى أورثوذوكسية (روسيا واليونان وغيرهما) وبروتستانتية (تفسر الحلف الأميركي الإنجليزي) وكاثوليكية في البقية.
أما العجيب فهو أن الله بشرنا بهذا!
فالقرآن الذي يطعن فيه من يطعن – ونسأل الله أن يعاقبه الله بما يستحق على ارتداده وخيانته – لم يترك شيئا إلا ويعرفه المسلم المهدي المؤمن الموقن، فعن هؤلاء النصارى يقول الله سبحانه وتعالى: “فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين” المائدة 13.
بل وأكثر!
يقول تعالى: “ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون” المائدة 14 .
وقد نبه القرآن الكريم إلى اليائسين فخاطب الله نبيه قائلا: “فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون” الروم 60.
وحث القرآن على الصبر مرارا وتكرارا ودعا إلى التفاؤل بالنصر لأن الدين التام المكتمل يجب أن ينتصر على الكفر والشرك فلا سبيل آخر وإلا فإنه كان يتعين إرسال رسل آخرين حتى يتموا الرسالة (غير المنصورة كما يقول الخميني والعياذ بالله)، فيتحقق العدل الإلهي الكامل على الكفر والشرك.
يقول تعالى: “فاصبر ان العاقبة للمتقين” هود 49 ويقول “فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار” غافر 55، ويقول “فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون” غافر 77، ويقول “فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كانهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون” الأحقاف 35.
فهذه حرب مع الشرك وهي تقع مع الضلال والكفر والشرك وعنوانها كما أسلفت مكة والقدس، والمقصود الكعبة الأشرف والأكرم من كل بقاع الأرض كونها بيت الله الأول الذي يحج إليه الناس فليس من آية واحدة، عن أي مكان آخر يحج إليه الناس أو يزورونه كما الترويجات المستجدة، لكثير من العناوين، فهذه بالتاريخ المتواتر كانت إرادة الله التي تجسدت بالتدخل الرباني المباشر عندما أراد أبرهة الأشرم جعل مزار وكعبة أخرى غير الكعبة فأنشأ كنيسة (القلّيس) فلما لم تتغير وجهة العرب من الحجيج من الكعبة إليها، أراد هدم الكعبة ما جلب عليه لعنة الله وغضبه فدمره وجيشه تدميرا بالطير الأبابيل.
والرواية التي يخلدها القرآن الكريم في سورة الفيل القصيرة متواترة لدرجة أننا لم نجد مشركا من قريش يفندها أو ينفيها بل وحتى يجادل فيها، ومع أن عبدالمطلب كان مشركا لكن الله نصر الكعبة، بيته العتيق الذي ببكة مباركا فهو (عبدالمطلب) كان سادنا للكعبة مع أصنامها، وكان اسم ابنه (أبا لهب) هو عبدالعزى أي عبد الصنم الشهير، وبالتأكيد أنه هو من سمّاه واحتفل به، فهو مشرك وليس إبراهيميا حنيفا، ومع ذلك نصره الله لأجل كعبته.
ومن هنا يقف الله مع (دولة) كعبته الموحّدة (السعودية) دون أي ريب طالما أنها على دين الرسالة الختامية وتسير بشرعة محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الرابط قائم بين المسجدين، (الحرام وملحقه المسجد النبوي)، مع المسجد الأقصى المبارك حوله، والذي كان له عبر التاريخ (دور) في توجيه الأمة للنصر، فالله يقول “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله” والسورة (الإسراء) كسورة الروم مكية بعصر الشدة.
وبينما حددت سورة الروم مسار الصراع (العالمي) مع الإسلام حددت سورة الإسراء (وظيفة) المسجد الأقصى المبارك فهو بيت النبي محمد بدليل أنه صلى بكل الأنبياء إماما ومن هناك عرج إلى السماء ثم عاد إليه.
وتحديد الأقصى كمبالغة لـ (القصيّ) جاءت ومسجد المدينة غير قائم!.. فهنا عبرة عظمى عن علاقة المسجدين، (الحرام) بصفته المحمي من الله مباشرة وفي كل وقت، و (المبارك) الذي كان الصراع عليه باستمرار عنوان يقظة الأمة ونهوضها.
والذي نراه عمليا في هذه الهجمة (الصهيوصليب – فارسية) على الإسلام يدخل دون أي شك في تحدي الإرادة الإلهية بحرمة وفرادة الكعبة وبركة الأقصى.
فالمجوسية لا تستهدف السعودية (بلد الكعبة فقط) بل تبتدع كعبات أخرى كما فعل أبرهة الأشرم، واليهود يريدون بناء الهيكل على أنقاض الأقصى وصخرة المعراج، والصليبية الفاجرة تستعجل معركة (هار مجدون) تمهيدا لعودة المسيح بحسب عقيدتهم الضالة ليجتمع الكفر والشرك والضلال ضد الأمة الموعودة بالنصر المبين دون أي ريب، وفقا لقوله تعالى: “حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم” المائدة 3.
فهؤلاء جميعا يفشلون!..
فلا حل لقضية الأقصى إلا برحيل اليهود، ولا دولة يهودية خالصة بل مجتمع يتردى من مأزق إلى آخر، بالتزامن مع جملة خيبات فارسية، فالله يفضحهم في بلدهم حيث يقهرون غيرهم، وفي العراق حيث يستعبدون شعبه وينهبون خيراته تحت غطاء من عملاء معزولين، ويحشرهم في مأزق البغض من كل لبناني شريف، ويخيب رجاءهم في البحرين واليمن ويورطهم ويستنزفهم في سورية، ويدهور أحوالهم ويذلهم أمام الغرب الذي لا يريد منهم غير المزيد من استنزاف الأمة وإشغالها، ليقف مرشدهم فوق ركام اقتصاد منهار، ومشروع لا تطل منه غير أكوام القمامة والدم والخراب والدمار، بينما المشروع العربي في بلاد الكعبة يثمر ويزدهر ويمتلك مقومات الردع والمنعة، والأهم من ذلك كله يتحصن بالله الواحد القهار، فيزيد من قهر هؤلاء وغلهم وحقدهم، ذلك لأنهم ولله الحمد لا يحصدون غير الخسارة، والأهم من ذلك كله: غضب الله الواحد القهار.
يقول سبحانه وتعالى: “هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون” الصف 9.
صدق الله العظيم


أضف تعليق