كتاب سبر

عرب الشمال وعرب الجزيرة.. والتضامن مقابل.. المال!

انتشر في وسائط التواصل الاجتماعي مقطع للدكتور حسن نافعة (أستاذ علوم سياسية مصري معروف) تحدث فيه بمنطق غريب اتهم فيه السعودية باللجوء سياسة حافة الهاوية في سياستها تجاه إيران وستجد حديثه على الرابط التالي:
 
وهذا المقال مناسبة لما هو أعمق من مقولات الدكتور المذكور، فحسن نافعة بالنهاية معلق أو أستاذ علوم سياسية وليس من أهل السياسة والإعلام وبالتالي فكلامه أكاديمي وهؤلاء عادة ما يتحدثون بلغة تلاميذهم، فالسياسة لا تعني أن أستاذ العلوم السياسية عبقري سياسة، بدليل أن كافة السياسيين ليسوا أساتذة أو خرجي كليات العلوم السياسية!..
ومن هنا جاء التعبير (الأكاديمي) لنافعة بأن السعودية تنتهج في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز سياسة (حافة الهاوية) موجعا أو مدهشا أو غير مرحب به بينما هو عادي، لكن ما أدهشني حقيقة بأقوال الرجل فهو قوله بأن السعودية تمارس سياسة (طائفية) لا تريدها مصر!..
والحقيقة أن هذا القول فيه تجني كبير خصوصا وأن الطرف الآخر في المسألة هو إيران الدولة الوحيدة في العالم التي تنص في دستورها على أن مذهبها شيعي وهو أمر لم تبلغ (مرتبته) الدولة العبرية التي تجاهد لانتزاع اعتراف مماثل بـ (يهودية) الدولة.
وهذا (النص الدستوري الإيراني) نص شاذ ومستغرق بالتوحش والفظاظة على صعيد إيران نفسها التي نعلم أنها ليست دولة شيعية بالمطلق بدليل أن 20-25% من سكانها من السنة، أما على صعيد الخارج فإن مجمل السياسات الإيرانية طائفي بامتياز، فهي تؤسس جيشا خاصا للشيعة فقط في لبنان وتدعم سبع ميليشيات إجرامية في العراق، وتساند جماعة طائفية متشيعة في اليمن وتحدث أزمة مع نيجيرية بسبب حزب اسمه حزب الله تموله، ومثل ذلك تشتكي منها سلطات الصومال لمحاولة نشر التشيع، وتكسر وتحرق سفارة دولة عظمى مجاورة لأنها أعدمت رجل دين شيعي وتحرض على فتنة طائفية شيعية في البحرين، وتنشئ خلايا ومخازن أسلحة بعدة دول خليجية، وتعدم بانتظام عشرات السنة من مواطنيها، ولديها عشرات الحركات المسلحة على أساس مذهبي نظرا لهستيريا التمذهب فيها.
وفي نزاع سورية البلد العربي الجريح تحدث إيران مذبحة طائفية لا لشيء إلا لأنها مصرة على استمرار حكم غير سني لبلد أغلبيته الكاسحة من السنة، ما أسفر عن قتل نصف مليون سني وتهجير تسعة ملايين من ديارهم.
فمن هنا فعندما يقول (أستاذ علوم سياسية) أن السعودية تنتهج سياسة طائفية وأن مصر لا تريد هذا فذلك لأنه إما منحاز لإيران واشتغل بمراكز بحثية تمالؤها، أو لأنه متخلف عقليا وغير مؤهل لأستاذيته.
لكن حسن نافعة هذا ليس جوهر المسألة، لأن مثل هذه الأقوال هي من تجليات الابتزاز (المعهود) و (المعتاد) للإقليم الخليجي من جانب الشمال العربي، فهذا الشمال الممزق ولّى زمانه، وانتهى دوره، وإلا فأي دور يضطلع به هذا الشمال في العراق!؟.. أو سورية؟.. أو مصر؟.. أو أي من حبات سبحة المكون العربي غير النفطي؟
إن هذا الشمال مفلس الآن وغارق ومتعثر ويشعر بحسرة ووجع في عمقه العميق، جراء تمركز القوة والسياسة والبناء والتعمير والمال والردع والاستقرار في إقليم الجزيرة العربية.
وأمام حال الصراع الحتمي مع إيران والذي تفرضه السياسات الملالي فرضا لا يريد هذا الشمال أو الإقليم غير النفطي (الذي أفلت منه السودان) أن ينسى حصته في كنز المال المكدس في الخليج والسعودية، ومن دون النظر بالتكافؤ والعدل إلى هذه المنطقة، لأن الشمال اعتاد على الابتزاز وممارسة أدوار السمسرة مع الخليج وعلى الخليج مع الآخرين، وفي كل حال كان المطلوب هو (خوّة) مقابل كل
كل موقف، ليتجلى الأمر الآن في صورة: إن كنتم تريدوننا معكم فأعطونا بضع مليارات نطفئ بها مشاكلنا ونخفف بها صداعنا مع شعوبنا، وإذا لم يتم دفع المال فورا وفي الحال، يلوح هؤلاء بالعلاقات مع إيران وغير إيران كعنصر ضغط على السعودية والخليج حتى يدفعوا!..
إن هذه الوقاحة بالتعامل مع إقليم الجزيرة العربية لا تقفز على حقيقة أن الخليج (مش محتاجكم النهاردة) بل تقفز على كون هؤلاء من دون الخليج غرقى، ويصعب عليهم إدارة بلدانهم ووضعها على المسار الصحيح.
من هنا نقولها لدول الخليج العربي وتحديدا السعودية:
انسوا الدول العربية بعض الوقت، وركزوا على شؤونكم فأنتم الآن قوة المركز الواقفة والتي تضطلع بمهمة إحياء المشروع العربي، مع العلم بأن هذا الكلام مؤسف، لكن العقل العربي في حاجة لنسف بعض القيم الموروثة عن (الحاضرة والخالية)، حتى يفهم أن الجزيرة لم تعد (أعرابا) وأرض جدب، بل هي الآن أرض جذب للبشر فيما شعوب الشمال تفر مذعورة على ظهور القوارب المترنحة في البحر المتوسط بسبب ذنوب وتخبطات ليس مسؤولا عنها الخليج العربي، فهو لم يقصر مع اي من هذه الدول مع أن الرد دائما كان إنكار الجميل والتعالي والتكبر وإصدار مثل هذه الأقوال من نافعة وغير نافعة!..
إننا نطمح إلى علاقات وحدة حقيقية بين أقطار أمتنا العربية، لكن من الواضح أن الأمر في هذه المرحلة بالذات يستحق من دول الجزيرة أن تلتفت إلى نفسها وتعزز من الإنفاق على النمو والبناء وتعزيز قدرات وطاقات الإنسان الخليجي، فليس بمدافع عن الأرض إلا أهلها، ومن هنا بدأ العرب، ومن هنا ينتهون أو يستمرون إلى يوم الدين أعزاء مرفوعي الهامة معززي الكرامة.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.