ليس كل ما يكتب على الورق في لحظة جنونٍ تهلكة رباعية الدفع فمراوغة الكلمات تجعل بعض الخطوط الحمراء خطوطًا وردية وتكون حينها قادرًا على التنفس وقتًا أطول بقليل في بيئة مختنقة بغاز ثاني أوكسيد الجهل ترى الحقائق تمرداً والشفافية خروجاً عن الملة والوضوح كبيرة من الكبائر التي لا توبة فيها ولا استغفار , وليست تلك المسافة الفاصلة بين أحرف لوحة مفاتيح اللابتوب المهترئ التي تعبر عن محاولات ومحاولات لترسيخ أفكار مختلفة كان مصيرها الرفض بأسهل من تقريب المسافة بين حرية الفكر وعقل المواطن العربي فـ ضياع زر حرف الراء في كلمة “حرية” وتحريمه جعلني أحتاج حينها لمليون حيلة وحيلة لأكتب كلمة حرية في سياق جملة في نص يحمل في جعبته عشرات الطرق الملتوية لتوصيل فكرة وكأنني لا أروج لفكرة بل لنوعٍ من الحشيش الفاخر لتمر على رقابة تجهل أصول الرقابة فتنسف كل ذلك التعب في محاولة الضغط على زر حرف الراء لكتابة كلمة حرية بعبارة ساذجة اسمها …. “ممنوعة من التداول” .
أكثر الأشياء حمقاً هي عندما تكتشف أن مخلوقاً بحجم الإنسان كرّمه الله عن سائر مخلوقاته بعقلٍ جعله أفضل من سائر المخلوقات على وجه الأرض يرفض استخدام عقله ويصر على رميه عند أقرب حاوية ويصبح جحشاً على أعلى مستوى وأفخر نوع.
هكذا ينشأ جيلُ أحمق لا يعي ولا يعرف ماذا يريد ولماذا يعيش وماذا يحتاج وماذا لا يحتاج , يزرع على طريق كل فكرة لغماً لتتطاير جوانب الفكرة ويطير معها ما تبقى من عقله معها فلا يستطيع التمييز بين الصحيح والخطأ .
وينشأ جيلُ ينظر لتكميم العقل بأنه أسهل بكثير من تكميم المعدة فيخرج لنا يوميًا عشرات الشبّيحة لنمط الفكرة الواحدة .. والتطبيق الواحد .. والعقل الواحد .. والرمز الواحد … والإتكالية وأن إختلاف الأراء لهو الكفر بعينه وأذنه وأنفه .
سيقومون بكل شيء عنك… سيفكرون عنك .. ويحللون عنك .. ويفنّدون عنك .. ويغازلون الحسناوات عنك .. ويتبولون على الأفكار الجديدة عنك .. ويمجدون عنك .. ويخوّنون عنك .. ويشتمون عنك … وكل ما عليك هو أن تصفّق .. وتمجّد .. وتشبّح لإلهة ثانٍ صنفته بكل تلك الإتكالية .
إن حكمة الله في خلقه أنه لم يخلق الله الناس كلهم على نمطٍ واحد وفكرٍ واحد بل جعل بنو آدم شعوبًا وقبائل مختلفة .. يختلفون في الأفكار والقناعات والنظرة لمن يشابهونهم في التكوين ويختلفون معهم في التفكير لذا أحمقٌ من يظن أنه الوحيد الذي كان وسيكون وسيبقى أبد الدهر على صواب والبقية على خطأ وأنه الوحيد الذي يحق له استخدام عقله والبقية مجرّد بهائم تأكل وترعى وتنام تحت مبدأ نظرية الحظيرة المشهورة .
وأثبت لنا التاريخ على مر السنوات أننا نحن العرب من المحيط إلى الخليج نصبح قططًا أليفة بعيونٍ تتلألأ عندما يتحدث أحدهم عن شيء يحرك العواطف .. فنؤيد حتى وإن كنّا نرفض .. ونصفق حتى وإن كنّا نريد أن نبصق لا أن نصفق .. فخرج لنا من يستغلوننا باسم الدين تارةً وباسم الإنسانية تارةً لإضفاء الشرعية على أفكارهم ولأنهم يعلمون أن الشعوب هنا تقتلها العاطفة ( يا حبّة عيني ) فلا تقول لهم أفٍ أبداً مهما طالت سياط الغباء والجهل .
وعلى العكس أيضًا فالبعض تصل بهم درجة القداسة إلى أنهم مستعدون لأن يضربونك بالأحذية وعليك أن تجهز شجرة عائلتك بأكملها لسيل الشتائم الذي لا ينقضي إن حاولت أن تبين لهم أن ما يقدّسونه ليس سوى أضحوكة .
لكن حتى وإن غسلوا الأدمغة وشبّكوا العقول وزرعوا الألغام أمام الأفكار وعلى جوانبها ومن خلفها وفي وسطها فلن يستطيعوا السيطرة على كل العقول خصوصًا تلك الذي لا تملك شيئًا لتخسره والفكرة وإن لم تجد يومًا ورقةً تُكتب عليها ستجد جداراً تُنقش عليه لتبقى راسخة , ولتبقى منارة هداية وبوصلة طريق للتائهين الباحثين عن عقولهم المفقودة وسط كل تلك ” الشبوك ” والألغام .
صعلكة :
مهما حاول الكاتب أن يهرب
من لعنته الأبدية ” الكتابة ” سيعود إليها مرغماً
فهي مصيرة وقدره
لا قوانين .. ولا حواجز ستمنعه من التنفس .
عبدالله محمد الشمري
Twitter:@abdullah_al_sha


أضف تعليق